طارق علي: اميركا هي السبب في كل الاصوليات

طارق علي يتحدث عن التحولات السياسية بعد هجمات سبتمبر

ابو ظبي – القى الكاتب البريطاني الباكستاني الاصل طارق علي محاضرة في مركز زايد للتنسيق والمتابعة، حلل فيها الصدام بين الاصوليات الذي يشهده العالم حاليا، وابعاد الحرب الاميركية على الارهاب، واسباب التفكير في ضرب العراق.
وقدم محمد خليفة المر المدير التنفيذي لمركز زايد للتنسيق و المتابعة قد قدم المحاضر قائلا إن ضيف مركز زايد شخصية زاوجت بين العمل السياسي والإبداعي بصورة تدعو لاحترام نجاح التجربة وتقديرها والنظر إليها من أكثر من زاوية واحدة.
وأضاف أن الأستاذ طارق علي باكستاني المولد عايش رحلة حياة امتدت عبر رحلة عمل كاملة انتقل فيها بين المدن والعواصم. ومع ذلك فقد استطاعت القناعات الشخصية العميقة وحدها أن تتنصر على الرغم من تعدد المحطات واختلافها وتناقضها أحياناً.
وقال انه ظل في جميع مراحل العمر، وعند جميع المدن والمناسبات، رجلاً يدافع عن قناعاته العميقة ورؤيته للحياة وللعلاقات الإنسانية ولتحولات الشعوب والمجتمعات، معتبرا رحلة في حجم رحلة الكاتب طارق علي رحلة لم تقتصر على شكل واحد من أشكال النشاط فهو أحد النشطين البارزين في الحركة المعادية للحروب وفي حملة أوقفوا الحروب التي هي دعوة لانتصار أصوات السلام في مختلف جهات العالم.
و اكد ان الأستاذ طارق علي واحد من الأقلام الذكية التي تعرف جيداً كيف تنقل الصورة القائمة في واقع العالم الإسلامي الى جمهور الضفة الأخرى، أنها صورة أخرى للسعي الفكري المسؤول والعمل لتعزيز روح التواصل بين الشعوب والحضارات.
ومن جهته أكد الأستاذ طارق علي الخبير الاستراتيجي و الكاتب البريطاني في محاضرته أن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأميركية على الإرهاب، والتي يذهب ضحيتها يوميا العديد من المدنيين الأبرياء وتتسبب في مآس إنسانية كثيرة، تتجاوز في مفهومها وأسلوبها الحقائق التاريخية والواقعية التي تقبع خلف هذه الحرب، معتبرا في الوقت نفسه أن الحل الحقيقي في فلسطين والعراق هو الحل السياسي و ليس العسكري والذي يجنح لخيار السلم ومنطق العقل وينظر الى حقوق الشعوب وأمنها.
وأشار في محاضرته تحت عنوان "الصدام بين الاصوليات" إلى أن التفجيرات التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن في الخريف الماضي كانت تسدعي من الإدارة الأميركية مراجعة شاملة لسياساتها الخارجية في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط بالذات. وبدلا من ذلك، كما يقول المحاضر، أعلنت الولايات المتحدة حربها ضد الإرهاب ومن دون أن تميّز بين طرق ونتائج هذه الحرب، مشيرا إلى ازدواجية الرؤية الأميركية في التعاطي مع المسألة، فهي من جهة ترى بأن العمل الذي تم ضدها هو عمل فردي قامت به مجموعة مسلحة، بينما تعلن من جهة اخرى الحرب التي لا يمكن ان تشن الا على الدول وليس على الأفراد.
وأضاف الخبير الاستراتيجي أن سحق نظام طالبان لا يعد انتصارا عسكريا ضخما للولايات المتحدة الأميركية بالرغم من الهالة الإعلامية التي سبقت وتلت الهجوم الأميركي على أفغانستان، واعتبار وسائل الإعلام الغربية التي شاركت في القوات الدولية أن الدول الغربية "سيدة الجو" في المعركة، في حين أن الطرف المقابل لا يمتلك أيا من القوات الجوية ولم يقرر الحرب، بل اختفى في الأسبوع الأول من القصف.
وأشار المحاضر إلى التوترات الإقليمية التي أوجدتها الحرب في أفغانستان خصوصا بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان اللتين وصلتا في وقت ما الى شفير حرب خطيرة.
ولدى تعرضه إلى الأحداث الدامية في الأراضي الفلسطينية أكد طارق علي الناشط في حركة "أوقفوا الحروب" أن النظام الاسرائيلي استغل أحداث الحادي عشر من سبتمبر ليشن حربه الشرسة ضد العرب بمباركة ودعم من الولايات المتحدة الأمريكية وتحت سمع العالم وبصره الذي وقف يتفرج على المجازر الاسرائيلية في حق الاطفال والنساء وكامل الشعب الفلسطيني الاعزل من دون أن يسعى الى إنهاء هذه المجازر، مؤكدا أنها المرة الأولى في التاريخ التي يقف فيها العالم عاجزا أمام قوة وحيدة مهيمنة فيه ممثلة في الامبراطورية الاميركية التي تولت أمر اسرائيل بعد أن أوجدتها الامبراطورية البريطانية سابقا في المنطقة.
وتساءل المحاضر عن القوة التي يمكنها أن تتحدى الامبراطورية الامريكية من أجل عودة التوازن الى العلاقات الدولية، معتبرا أن هذه الامبراطورية اليوم هي السبب في كل الأصوليات في العالم. ضرب العراق سيثير ازمة اقليمية ودولية وفي موضوع التطورات بشأن العراق شدد المحاضر على أن الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على العراق والتهديد بغزوه لا تمت الى الديمقراطية وحقوق الانسان في شئ، وانما القلق الاميركي في موضوع العراق ناتج عن الثروات النفطية والإمكانات المادية والمعنوية الموجودة بهذا البلد العربي بعيدا عن السيطرة الأميركية.
وأضاف أن العمل الاميركي تجاه العراق يستند الى رغبة اسرائيلية تريد اضعاف العراق عسكريا وابعاد خطره عنها، مستحضرا القصف العراقي "لتل أبيب" أثناء حرب الخليج الثانية،مؤكدا أن اسرائيل تربط وعودها للفلسطينيين بموضوع القيام بعمل ما في العراق.
وفي معرض حديثه عن بعض السيناريوهات المحتملة لضرب العراق أشار المحاضر الى مخطط إرسال قوات غربية إلى أوزبكستان واستخدام القواعد العسكرية في تركيا، مستبعدا في ذات الوقت أن يتم استخدام قواعد عسكرية في الدول العربية.
وأكد المفكر طارق علي أن استخدام قواعد عسكرية من تركيا سوف يثير قلاقل داخلها وتوترا حادا في المنطقة، حيث أن العسكريين الأتراك منقسمون في موضوع المشاركة في الحرب على العراق واستخدام بلادهم في معركة لن تجني منها سوى مزيد من المتاعب والخسائر، معتبرا أن مسألة ضرب العراق سوف تتعدى آثارها السلبية العالم العربي الى جميع بقاع العالم.
و أضاف إذا نجحت الولايات المتحدة الأميركية في احتلال العراق و بلقنته فسيكون يوما اسودا ليس على العالم العربي فحسب بل على العالم اجمع معربا عن اعتقاده في ان في حالة نجاحها فان ذلك يمنحها القوة لشن ضربات امريكية مماثلة.
ومن هذه الزاوية التحليلية لمختلف التحولات السياسية والدولية التي تلت الحادي عشر من سبتمبر واعلان الولايات المتحدة الامريكية حربها ضد الارهاب، اعتبر المحاضر أن الحل الوحيد اليوم والخيار الناجع المتاح هو الحل السياسي وحده، على إعتبار أنه الخيار المنطقي الذي يجنب العالم المزيد من الدماء والمزالق اللاإنسانية.
وأعتبر أن السلام في العالم يبقى في حكم المستحيل طالما أنه لم تسو القضية الفلسطينية بطريقة عادلة وتعاد الحقوق المشروعة الى أصحابها وتعود إسرائيل الى حدود 1967 ويعود اللاجئون إلى وطنهم، مشيرا إلى أن حالة اليأس والقنوط التي وصل إليها الفلسطينيون تأزم المسألة أكثر ولا تؤدي في الأخير إلا إلى مزيد من الدماء والدمار، خصوصا في ظل التلاعبات الإسرائيلية وعدم التزامها بالاتفاقيات الموقعة في أسلو وغيرها.
وبخصوص سؤال عن اهم الانجازات التي حققتها حركة "اوقفوا الحرب" التي يعد من ابرز ناشطيها، ومدى استجابة العالم لنداء هذه الحركة، قال إن الحركة قد انجزت الكثير منذ اربعين سنة بما فيها دورها في حرب فيتنام.
و اضاف ان امريكا فقدت جزءا كبيرا من سيطرتها على موقفها ذلك ان ما يخيفها هي المقاومة التي تتم فوق اراضي الولايات المتحدة الامريكية ذاتها، والتي هي صغيرة ولها بعض التأثير، عكس ما هي عليه في أوروبا من قوة و تأثير كبير، مشيرا في هذا الاطار الى المظاهرات التي نظمها مليون إيطالي احتجاجا على الحرب ضد الارهاب، وتلك التي جرت في بريطانيا حيث تظاهر اكثر من 100 الف بريطاني للسبب نفسه
وقال ان 130 عضوا من حزب العمل البريطاني قد أعلنوا رفضهم تأييد رئيس الوزراء توني بلير اذا قام بدعم الرئيس الأمريكي جورج بوش في أي هجوم يستهدف العراق، معتبرا القرار الأميركي بضرب العراق كارثة كبرى أن تم تنفيذه.
وأوضح ان هناك حركة كبيرة مناهضة لهذه الحرب، مشيرا الى ان هذه الحركة ليست مقتصرة على المنظمات المضادة للحروب بل تشمل حكومات الدول ايضا كالحكومة الألمانية التي لا تدعم الحرب والحكومة البريطانية التي تبدي تحفظات بشأنها.
وأضاف ان هذا لا يعني أن هذه الحرب لن تحدث، وانه في حالة وقوعها فإنها لن تكون حربا مدعومة عالميا، مؤكدا على بذل المزيد من الجهود لوقفها ومشيرا الى الموقف الرافض للدول العربية بما فيها الكويت لهذه الحرب تجنبا لوقوع قلاقل في المنطقة.
وقال انه على الأميركيين أن يكونوا على دراية بما يحدث في المنطقة محذرا من العواقب الوخيمة لتلك الحرب ان حدثت.
وعن سؤال يتعلق بالهجمات التي يتعرض إليها الأمريكيون في أفغانستان، اشار الكاتب البريطاني الى وجود هدنة بين الفصائل الافغانية المختلفة مضيفا ان قوات تحالف الشمال تنتظر ان تقوم امريكا بغزو العراق من اجل سحب قواتها العسكرية من أفغانستان.
ومن جهة اخرى اشار الى ان الولايات المتحدة الامريكية تقيم قواعدها العسكرية في 100 دولة من اصل 189 في الامم المتحدة ، متسائلا عن جدوى هذا التواجد العسكري بعد سقوط الشيوعية و الذي يهدف الى الحفاظ على الاقتصاد الامريكي في العالم.
و حول النزاع القائم في كشمير و رؤيته للدور الامريكي بهذا الخصوص قال ان الولايات المتحدة الاميركية بعد ان كانت تدعم مطالب باكستان في كشمير خلال الحرب الباردة تحولت الى تاييد الهند عندما رأت ان الهند قوية و انها ستحتاج اليها ضد الصين، مؤكدا ان جميع الإمبراطوريات تتصرف من منطلق مصالحها.
و اضاف ان الكشميريين يطالبون بدولة مستقلة بعد ان كانوا منذ اربعين سنة يؤثرون الانضمام الى باكستان، في الوقت الذي ترفض الهند منحهم حكما ذاتيا، ومشيرا الى ان افضل حل للمشكلة الكشميرية هو الاستقلال والتوصل الى تحقيق تسوية طويلة الامد يمنح من خلالها الكشميريون حكما ذاتيا يمكن ان تتشارك في السيادة عليها كل من الهند و باكستان اضافة الى الصين، مستبعدا حدوث ذلك الا اذا تمت صفقة اقتصادية تجارية عسكرية بين الهند و باكستان.
وعن رأيه في رغبة الكاتبة تسليمة نسرين في الحصول على جائزة نوبل للاداب و ما اذا كانت هذه الكاتبة تشوه عبر كتاباتها صورة الاسلام، نفى امكانية ان تحصل الكاتبة على هذه الجائزة معتبرا حدوث ذلك نكتة.
اما عن رايه في حصول الكاتب الهندي نايبول على جائزة نوبل للآداب، والذي انتقص في العديد من رواياته من الإسلام و المسلمين و ما إذا كان منحه تلك الجائزة دليلا على بدء الصراع بين العالم الإسلامي و الغرب المسيحي، اشار الى ان هذا الكاتب قام فقط بكتابة رواية وحيدة جيدة موضحا انه ليس كاتبا موهوبا ولا يختلف كثيرا عن تسليمة نسرين التي زادت شهرتها بسبب مشكلاتها مع بنغلادش.
و اكد على ضرورة التعمق في الثقافة الاسلامية الثرية وأنه من الخطأ الافتراض ان التاريخ الاسلامي و التقاليد و الثقافة الاسلامية هي ما يقوله الاصوليون، مذكرا بالحوارات و التنوع الفكري الذي ساد بين المسلمين في القرون البعيدة الماضية و ذلك في اطار الثقافة الإسلامية.
وتساءل الكاتب المفكر طارق علي عن اسباب غياب هذا الحوار في الوقت الراهن مضيفا القول انه لاينبغي ان نلوم الغرب بل يجب ان نسال عن ثقافتنا التي لابد ان تكون ثقافة مرنة و تتحرك الى الامام مضيفا ان ذلك يتحقق بقبول الاخر.