ضياء العزاوي: هل حقا هذه البلاد تستحق كل هذا الدمار؟

الكويت ـ من أحمد فضل شبلول
سنة وأعود ..

"(سنة واعود) .. هذا ما قاله الكثيرون، لكن السنوات مرت، ولم تعد البلاد غير اختبار تتردد بين الحين والآخر في بعضها الكثير من المسرات، وفي البعض الآخر نافذة تطل على الحروب والدمار، على قطيعة الأصدقاء على اؤلئك الذين امتنهوا التهريج الثقافي حينا أو تعلم مهنة الشرطي السري على مجتمعه".

بهذا البوح يبدأ الفنان التشكيلي العراقي ضياء العزاوي شهادته في جلسة "حضور التشكيل العربي في المهجر" التي عقدت ضمن فعاليات ملتقى مجلة "العربي" الحادي عشر بالكويت 12 ـ 15 مارس/آذار 2012.

وقال العزاوي: انشغلت مثل العديدين من جيلي برغبة التمرد ومشاكسة ما يحيط بنا من مؤسسات فنية، أصدرنا البيانات الفنية الرافضة لمقولة "الفن العراقي"، هذه المقولة التي حملتها الأجيال التي تعلمنا على أيديها. واضاف: صارت بغداد قرية لا تحتمل أحلامنا بتجربة متميزة، دون المرور بالفضاء العربي، هكذا صرنا طرفا في العديد من الفعاليات العربية امتدت حتى المغرب البعيد.

ويشير الفنان ـ المولود في البصرة عام 1944 وتخرج في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد قسم الرسم عام 1966 ـ إلى أنه حلم بمغادرة العراق، وفي عام 1972 حصل على جواز سفر لأول مرة ولم يكن مصدقا، وسافر إلى أوروبا لمدة شهر وعاد، ولكن حلم المغادرة يخايله، خاصة بعد ان التحق بالجيش العراقي أكثر من مرة، ووسط هذه الأحلام يقيم معرضه الفني والذي كان واضحا فيه انحيازه إلى ما كان يدور من قتال بين الأخوة، ثم يتمكن من مغادرة العراق عام 1976 رغم رفضه والده.

حقل أخضر
ويتوزع الفنان ـ الحاصل على شهادة في التصميم الجرافيكي من جامعة حلوان، وعمل مدرسا للفن التشكيلي في اكاديمية الفنون الجميلة ومعهد الفنون الجميلة في بغداد ـ على عدة مدن بين الرباط ولندن، ولكنه سرعان ما يترك غواياته وينشغل لبضعة سنوات بأعمال ذات علاقة باهتماماته الفنية ويختبر الكثير من المسلمات التي تعرف عليها في العراق، كما كان يختبر مقولات مثل الأصالة والحداثة باعتبارهما العصى السحرية لإنتاج لوحة عربية.

ويعترف ضياء العزاوي أن مقولة "الأصالة والحداثة" كانت الأكثر حضورا وأنه استخدمها غربالا لما رآه عبر الفرص العديدة للمساهمة في معارض عربية وعالمية.

صار العراق بعيدا عن العزاوي بعد مرور السنوات التي أغرقته في اختباراتها وخاصة اختبارات الحروفية باعتبارها واسطة لبناء الهوية، حيث تداخلت حرفة الخطاط بكل تاريخها مع الرسام الذي فضل محدودية التخاطب على مشاكسة الخيال بكل ما فيه من تداعيات قادرة على دفع الحدود.

ويوضح العزاوي ـ الذي عمل في جامعة اليرموك بالأردن وغادرها في عام 1998 إلى هولندا التي لا يزال مقيما فيها حتى الآن ـ أن مغادرته لتجربة الحرف العربي أدخلته إلى تنوع تقني في المادة والموضوع، تنوع بين الطباعة والنحت، بين التصميم لنوع من الأثاث المنزلي وبين عناصر تضم تداخلات فنية متنوعة، لكنه يشير إلى أن الرسم ظل بسطوته يدفعه إلى رغبة مستمرة في تفكيك ما حوله من مراجع محلية استخدمها كإضافات لإغناء سطح اللوحة الجامع بين الرسم والنحت.

اشارة قبلية
ويتابع الفنان العراقي ـ الذي أسهم منذ عام 1964 في العديد من المعارض الوطنية والدولية في بلاد شتى ـ التجارب المعاصرة ومنها التجربة الصينية كنموذج إبداعي جديد يجعل من الماضي السياسي للبلاد ساحة للكوميديا، بينما ظلت أثنية التجربة الهندية محط تساؤل مستمر. كما أنه يتابع حمى التقليد الأعمى لبعض التجارب العربية لما يطرحه السوق الفني العالمي دون مراعاة للعلاقة الفعالة بينها وبين تطور مجتمعاتها فكريا وفنيا المختلفة كليا مع مجتمعاتنا.

ويمضي الغزاوي في اعترفاته قائلا: ولأن الفنون ترتبط بالسوق الفني بكل ما فيه من شروط، غالبا ما اضطر البعض للعمل بما لا علاقة له بتجربته ونسيان ماضيهم، بينما فضل آخرون سهولة الحياة بالرسم في الشارع لمن يتفضل عليه من السواح. وأن الآخرين الأكثر جدية دفعهم عنادهم أن يغامروا بتطوير تجربتهم رغم عسف الحياة وصعوبتها.

ولهؤلاء الأخيرين ينحاز العزاوي، فهم المهوسون بتاريخ عذاباتهم من الحياة الماضية حيث رفضوا الالتحاق بطابور الفن التجاري وما مثله من رسم الخيول والبيداء، ورسم المزارات الدينية أو نقل أعمال المستشرقين الأوروبيين لإرضاء الأغنياء الجدد القادمين من الأرياف.

ويختم الفنان ضياء العزاوي شهادته واعترافاته بقوله: "إننا لسنا مهاجرين، بل منفيون قسرا، نفينا في سنوات الحروب والحصار والحزب الواحد، ونفينا مرة أخرى بعد الاحتلال الأميركي وما جاء معه من طائفية مازالت رايتها عالية ترفرف بين القوى السياسية المختلفة". ويتساءل: "هل حقا هذه البلاد تستحق كل هذا الدمار؟!".

على خطى رحالة