ضغوطات خارجية وداخلية تدفع الغنوشي إلى التبرؤ من السلفيين

للنهضة حسابات أخرى

تونس - لم يتفاجأ التونسيون من تصريحات راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية التي تقود الائتلاف الثلاثي الحاكم التي "تبرأ" فيها من السلفيين الذين طالما شدد على أنهم "إخوانه وأبناؤه".

وعلى الرغم من أن الغنوشي الذي يعتبره المتخصصون في الجماعات الإسلامية هو "سلفي العقيدة والمنهج" صرح بـ "أن السلفيين يمثلون خطرا على البلاد" فإن تصريحه كان "رسالة طمأنة إلى الدول الغربية" بعد اقتحام مقر السفارة الأميركية الجمعة الماضي من قبل السلفيين الجهاديين وما انجر عنه من تداعيات سياسية "أكثر مما هو موقف مبدئي".

ويقول سياسيون وناشطون تونسيون إن حركة النهضة عاشت "أسبوعا اسود" اهتزت فيه صورتها المهزوزة أصلا حتى أن مكتبها السياسي اضطر لعقد اجتماعات ماراتونية لتطويق "الأزمة الخانقة" التي تسببت فيها عملية اقتحام السفارة الأميركية.

واعترف عضو المكتب السياسي للحركة عامر العريض بأن المكتب ركز خلال اجتماعاته الأسبوع الماضي على تداعيات الحادثة سواء على النهضة أو على البلاد بصفة عامة.

وقالت مصادر قيادية في النهضة أن اقتحام السفارة الأميركية من جماعات السلفية الجهادية "وضعت الحركة بين خيارين، إما الصمت أو التبرؤ منها وهما خياران أحلاهما مر" مضيفة أن رئيس الحركة "حسم الخلاف الذي يشق قيادات النهضة من خلال "تمسكه بطمأنة الدول الغربية" دون اتخاذ إجراءات عملية تضع حدا لتنامي سطوة السلفيين.

وأضافت نفس المصادر أن دعوة الغنوشي إلى "تشديد القبضة" الأمنية على التيار السلفي الجهادي" وتصريحه بأنهم "لا يمثلون خطرا على النهضة فقط بل على الحريات العامة في البلاد وعلى أمنها" إنما جاءت استجابة لضغوطات خارجية وداخلية.

وخارجيا ضغطت واشنطن على الحكومة التونسية من أجل "تأمين حماية فاعلة" للبعثات الدبلوماسية في البلاد و"اتخاذ إجراءات أمنية ناجعة" تضمن سلامة الجاليات الأجنبية".

ولم يتردد سفيرها جاكوب والس في "تحميل حكومة النهضة مسؤوليتها كاملة في ما يشبه التوبيخ" وفق ما ذكر مصدر دبلوماسي أوروبي.

بل إن والس هدد الشعب التونسي قائلا إن "ما اقترفه المتطرفون ستكون تأثيراته وخيمة على حياتكم واقتصادكم فمن الصعب جدا دفع الأميركيين على الاستثمار في دولة غير آمنة واعتقد ان وضع تونس وصورتها العالمية غير جيدين".

وكشف الدبلوماسي الأوروبي "أن واشنطن طلبت من حركة النهضة أن تعلن موقفا واضحا من الجماعات السلفية" و"أن تتعامل حكومتها بحزم وتضع حدا لأعمالها الإرهابية".

وأضاف نفس المصدر أن السفير الأميركي تحدث باسم الدول الأوروبية التي أجرى مع سفرائها في تونس اتصالات ولقاءات للضغط على الحكومة التونسية.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أمرت بـ"إجلاء الموظفين غير الأساسيين بسفارتها بتونس" و"حثت المواطنين الأميركيين على تفادي السفر إلى تونس في الوقت الراهن".

ودعت الوزارة "المواطنين الأميركيين الذين ظلوا في تونس إلى توخي اليقظة والحذر الشديدين وتجنب التظاهرات وإبلاغ السفارة بأماكن وجودهم".

وتحت هذا الضغط الأميركي اضطر الغنوشي للتبرؤ من السلفيين محاولا طمأنة واشنطن بأنه قادر على لجمهم.

أما التداعيات الداخلية لاقتحام السفارة الأميركية فقد عمقت الهوة بين النهضة والقوى الديمقراطية التي رأت في الحادثة "كارثة دبلوماسية" و"أنها أكدت فشل حكومة حمادي الجبالي".

وتلقت النهضة ضربة موجعة من الباجي قائد السبسي رئيس الحكومة السابق ورئيس حزب "حركة نداء تونس" المعارض حين حذر من أن سياسة الحكومة قد تقود البلاد إلى "الهاوية".

واعتبر أن "أمر الائتلاف الثلاثي الحاكم انتهى".

وشدد السبسي على أن النهضة "منحت فرصة للسلفيين الذين ينادون بقطع الأيدي والأرجل فرصة تشويه تونس في الخارج".

وعبرت تصريحات السبسي ومواقفه عن قطاعات واسعة من الرأي العام التونسي الذي سحب ثقته من الحركة التي وعدته بالكثير خلال حملة انتخاباتها لانتخابات المجلس التأسيسي التي جرت يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول ولكنها لم تقدم له ولو القليل.

ويسود لدى التونسيين شعور بالإحباط من أداء الحكومة بما في ذلك توفير الخدمات الأساسية حتى أنهم لا يترددون في القول "بعد أن كنا نطالب بتحقيق أهداف الثورة في الحرية والكرامة أصبحنا في ظل الحكومة نحتج على عدم توفر المياه الصالحة للشرب".

وبقدر ما كانت تصريحات الغنوشي استرضاء لواشنطن وللدول الأوروبية خاصة فرنسا فإنها كانت محاولة لفك العزلة عن النهضة التي تستعد للانتخابات الرئاسية والتشريعية المزمع إجراؤها في ربيع 2013.

وخلال الأشهر الأخيرة فقدت الحركة الكثير من قاعدتها الشعبية بل تفاقم الاحتقان الاجتماعي والسخط الشعبي ضدها حتى أن مكاتبها تعرضت للحرق في عديد جهات البلاد.

لذلك لم تقنع تصريحات الغنوشي التونسيين لسببين اثنين على الأقل، أولهما انه صرح في أكثر من مرة أن السلفيين إخوان له لا يشكلون تهديدا للأمن العام، وثانيهما أنهم يمثلون ذخيرة انتخابية لا يمكن تجاهلها.

ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي تبدو حركة النهضة في حاجة إلى تلميع صورتها لدى التونسيين وهو أمر كشف عنه عضو مكتبها السياسي عامر العريض الذي أكد أن "النهضة شرعت في إجراء اتصالات ولقاءات مع عدد من أحزاب المعارضة من أجل بناء تحالفات إستراتيجية" تساعد الحركة على الخروج من عزلتها.