ضرورة اختراع 'بارتي بديل' يشفى من الإرث القديم

بقلم: أحمد موسى

عاد «البارتي» إلى موقع الصدارة في النقاش الكردي، بل عاد النقاش التجريحي بشكل لافت وإلى التخويني في غالبيته! أربعة وأربعون عاما على الهزيمة وعلى الانشقاقات لم تُجهز على مؤسسة 1957، والتي تكاد تكون بيضة الديك الوحيدة في سوريا كردياً، والتي تستحق سلاماً تعظيما.
فالبارتي، كان كل شيء في سوريا، طوال العقود الأربع الماضية على الأقل، ومع بداية سبعينيات القرن الفائت وبمشاركة المنشقين حصلوا على غنيمة الانقلاب، على المؤسسة بلفتهم المجيدة في العام 1965. ليضعوا الجسم الهرم – حسب تسميتهم – على المشرحة. أما السبب القائم لذلك التشريح، «التحديث» لمؤسسة 1957 التي فتت وتفتت؟ ومع بداية التسعينات وبفعل الولادات القيصرية في هذا الجسم، اضطرت القيادة المتبقية من 1957 أن تدخل مركب جديد احتاجه المؤسسون ليبقى البارتي. أما الركاب الجدد فهم في تمثيل عصبي أهلوي مثلتها غرف الأغوات الجديدة. لكن، وطوال الحقب الأربع، كان البارتي شريان الحركة ووريده.
اليوم، استيقظ الكرد السوريون على خبر تجريد البارتي من جديد، عبر المطابخ الإلكترونية تحت مسميات، المهمة باختصارها «لقتل البارتي». إنهم «الطواويس»، يبدو أن الخطوة تتم استجابة لرغبات أمنية، وبفعل شعور شيوخ المهنة باقتراب استحقاق المجلس السياسي، الذي يجري الحديث عنه، فضلاً عن قناعتهم بأن المصالحة الكردية الكاملة لا يمكن انجازها من دون دعوة البارتي رغم كهولته إلى المائدة، تحت ضغط متواتر.
أما رد فعل الموجود السياسي كردياً فلم يكن ايجابياً: من جهة شعرت بأن الخطوة مثلت تجاوزاً لشرعيتها، ومن جهة ثانية عبّرت عن رفضها للخطوة المطبخية بصمتها عن مواصلة مخاوفها ما زالت مقيمة في الوعي الكردي (المنشقون القيصريون بالدرجة الأولى والمهزومون بالدرجة الثانية) من استيقاظ «البارتي» ما، يقوّض وجودهم في صلب التجربة المجلس السياسي حاملين إخفاقاتهم، ومستعينين بقوتهم التي لا ندري مدى حقيقتها.
ما لا شك فيه أن ثمة قناعة في أوساط النخبة السياسية الأخرى بضرورة التفاوض مع البارتي، أو مع بارتيين، مفاوضين بشكل شخصي، فهو سبق أن أعلنت عنها النخبة ذلك ثم تراجعوا عنها. وتراجعهم لم يكن استجابة للحملة التي نظمتها – القيصريون – ضد البارتي، إنما أيضاً بسبب شعورهم بأن استجابة البارتي لدعوتهم لم تكن على مستوى العرض الذي قدموه، لا بل انه تعرض البارتي بفعل إعلانه هذا بالتأني لحفلة شتائم فاقت بمستواها تلك التي أطلقها خصومهم القيصريون، وفي حينه وقف النخبويين على الحياد، على رغم أنهم كانوا مؤيدين ضمناً في خطوة التفاوض الكامل.
برأيي، المهمة اليـوم أصعب في حال قـررت النخبة الثقافية والسياسية مواصلة الضغط على القيصريين للسير في مفاوضة البارتي. أولاً، حماسة الشارع الكردي للخطوة تراجعت كثيراً بسبب اللامبالاة والهزيمة التي ألحقتها بهم الحركة، في عدم التواصل إلى أدنى اتفاق يحفظ ماء الوجه، وثانياً بسبب احتمال استعمال الخطوة كمادة تحريض لاستمالة الجماهير الكردية.
وثالثاً، وهو بيت القصيد، إن الأحزاب الكردية اكتشفوا انه لا يمكن الاستغناء عن ارث «البارتي» في عملية بناء المجلس السياسي. وللحاجة إليه أثمان سياسية يبدو أن الوجه الجديد في السياسة ليس راغباً بدفعها. فالخوف من البارتي لا يرقى إلى مستوى توقع إمساكه بالتوازن السياسي مجددا وبلع الحوائج السياسية وهضمها، وكلام كهذا هو من قبيل تبرير انعدام الرغبة، فلا البارتي اليوم ما زال البارتي العقود الفائتة، ولا القيادة على قيد الحياة، إن لم نقل كلهم بل أغلبيتهم (رحمهم الله). ولهذا تبدو الأسباب الأخلاقية للتردد في مفاوضة البارتي أكثر وجاهة من إشهار المخاوف من عودتهم إلى صلب حياة الصدارة السياسية بين صفوف الكرد في سوريا.
لكن الأسباب الأخلاقية، على وجاهتها تتحول بفعل حاجة الشارع الكردي الملحّة للمصالحة وللإرث إلى ضرب من السذاجة لا يبدو أن الطبقة السياسية الكردية تكابدها، خصوصاً إذا عرفنا أن جزءاً كبيراً من الإدارة الحالية للأحزاب الكردية في سوريا تم استيعابـه من مخلفات البارتي. ولم يتم مسائلتهم حزبياً، على ما ارتكبوه من أخطاء بحق البارتي في السابق، ولم تُشهر في وجههم الأسباب الأخلاقية.
«البارتي» انتهى في سوريا، والتصريح لبعض الخارجين عن التاريخ. ولكن بقي « البارتيون»، خلف البارزاني الرمز. ومن بين هؤلاء هناك «بارتيون» لن تستقيم الحياة السياسية من دونهم.
لكن تشتت الإرث لن يفيد التجربة اليوم، فالاستيعاب الذي حصل لن يكتمل إلا بخطوة سياسية إضافية لا تهدف إلى نسيان الماضي أو تجاوزه، إنما إلى التعاطي بواقعية لتفادي مخاطر تفوق مخاطر النسيان والتجاوز. وفي المقابل لا يبدو أن «بارتيا ما» تقدم خطوة لمساعدة الراغبين بإجراء هذه التسوية. صحيح أن كثيرين من رموز «البارتي» يجهدون للقول أن القيادة القديمة ليسوا «البارتي» كله وأنهم كانوا ضحاياه مثل غيرهم من الأكراد، لكن أحداً منهم لم يقدم مراجعة يعترف فيها بالمسيرة التدميرية التي حرف بعضاً من القيادة البارتي إليها. اعتراف واعتذار كانا سيساعدان من دون شك النخبة الثقافية والسياسية على مواصلة خطوتهم دون كلل مقابله.
هل يمكن أن نصدق أن كثيرين من وجوه «البارتي» في سوريا راغبون بخطوة من هذا النوع لكنهم ما زالوا يخافون من استمرار قدرة حزبـ «هم» على المعاقبة التخوينية. هذه حقيقة فعلية، لكنها أيضاً دليل على الحاجة لاختراع «بارتي» بديل، غير البارتي القديم، إن لم يكن مخترعاً برأي ليجري المصالحة. أحمد موسى، كاتب سياسي