ضرب سوريا: مثال آخر على التحيز الاميركي لاسرائيل

بقلم: نضال حمد

صرح الرئيس الأمريكي جورج بوش بعيد الغارة الأخيرة على موقع عين الصاحب قرب العاصمة السورية دمشق، بأنه لو كان مكان شارون لأتخذ نفس الموقف وفعل الشيء نفسه. قال بوش كلامه هذا بعدما عززه بالمعزوفة المملة التي أصبح العالم كله يشمئز من مجرد سماعها، فقد ربط بوش الغارة التي قامت بها إسرائيل على سوريا بحملة الحرب على ما تسميه الولايات المتحدة بالإرهاب، كما أعتبر بوش عمل حكومة شارون بمثابة دفاع عن النفس، وأضاف أيضا أن على إسرائيل أن لا تشعر انها مقيدة في الدفاع عن ذاتها، يعني يحق لإسرائيل أن تدافع عن ذاتها بالعدوان والاعتداء على من ترى فيه عدوا أو من تتهمه بالعداء للدولة الصهيونية.
بما أن بوش يعتبر عمل إسرائيل ضد سوريا ضروريا وأن واشنطن كانت ستفعل العمل نفسه وتقوم بالخطوة ذاتها، فأن شارون يعتبر كلام بوش تصريحا بشن العدوان على كل الدول العربية والإسلامية التي تعتبر بالنسبة له معادية، أو قد تشكل تهديدا لإسرائيل في الوقت الحالي أو بعد مائة عام من الآن. ومن هذا المنبع جاء مصدر تصريحات شارون التي قال فيها أن إسرائيل ستضرب أعداءها أينما كانوا.
لقد جاء كلام الرئيس جورج بوش التصعيدي والعدواني ليوضح بما لا يدع أي مجال للشك طبيعة إدارة بوش وسياسته المنحازة لإسرائيل، و ليعطي الحكومة العنصرية العدوانية في تل أبيب دعما وسندا أضافيين في عدوانها على الفلسطينيين والعرب، وليضع أمريكا بشكل علني في خانة العدوان على كل العرب.
في السابق كانت الإدارة الأمريكية تمارس سياسة قول الشيء وفعل نقيضه. أما الآن فالرئيس بوش دخل بأمريكا إلى ساحة الحرب في الشرق الأوسط جاعلا منها طرفا مباشرا في الصراع الدائر هناك، كما آثر إعلان مواقف حكومته العدوانية من العرب جميعا على أن يلتزم موقف الراعي لعملية السلام، مع أن الراعي الأمريكي لم يكن عادلا ولا منصفا ولا حتى وسيطا نزيها طوال فترة وساطته التي لازالت مستمرة، بالرغم من هذه الصفات السيئة التزم العرب الخائفون والمهزومون بسلام الشجعان على طريقة هوليود وكمب ديفيد ووايت ريفر وأوسلو، بعدما ألغت محاكم التفتيش الصهيونية الغربية والأمريكية الجديدة سلام مدريد.
هذا السلام الذي على أثره زحف هؤلاء العرب فرادى وجماعات عبر وفود مستقلة وأخرى مشتركة إلى بلاد الأندلس في أسبانيا، حيث بقاياهم وتاريخ طويل من الحضارة والثقافة والعمران والازدهار والتقدم، وهناك أعلن العرب في مؤتمر مدريد للسلام بحضور الزعماء العالميين أنهم طلاب سلام ويرضون بالمُرِ، لكن المُر رفضهم، ورفض شامير مجرد فكرة الجلوس معهم أو الحوار لأجل الأرض مقابل السلام، ثم اعترف لاحقا أنه كان سيحاورهم لمدة عشر سنوات دون نتيجة ودون تقديم أي شيء لهم. وبالفعل هذا ما فعله الذين أخذوا مكانه في الحكم من اليمين ومن اليسار الصهيوني، ومن الليكود ومن العمل. لذا لازلنا نرى المفاوضات بين الفلسطينيين والعرب من جهة وإسرائيل من جهة أخرى مستمرة بشكل متقطع، وبلا نتائج عملية وفعلية منذ جملة شامير المشهورة.
إن المجتمع الأمريكي الذي جاء ببوش رئيسا لأكبر وأقوى دولة في العالم بدأ يكتشف أنه كان أنتخب رئيسا كاذبا ومخادعا، فقد نشرت في الولايات المتحدة عدة كتب تصف الرئيس بوش وكبار معاونيه بأنهم أكبر الآثمين والكذابين. وتشكك الكتب في صدق بوش وإدارته منذ فوز الحزب الجمهوري بالانتخابات الرئاسية قبل نحو ثلاث سنوات بأغلبية ضئيلة وهزيلة بعد إعادة فرز الأصوات في فلوريدا (يجدر التذكير ان عدد الاصوات الكلي لآل غور كان اكثر من بوش، لكن نظام التمثيل النسبي جعل بوش يفوز). هذا واتهمت الكثير من الأقلام الأمريكية بوش بالكذب في قضايا عديدة، من خفض الضرائب وتأثير سياساته البيئية الى مبررات إعلانه الحرب على الإرهاب. كما اتهم بتشويه الحقائق وتقارير المخابرات التي تزعم بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل لتبرير الحرب في العراق.
هذه الاتهامات التي وجهت للرئيس بوش تجعله في قفص الاتهام دائما، لأنها اتهامات بالتزوير والكذب والخداع، ولا يمكن لكذاب ومخادع ومزيف أن يقود أكبر دولة في العالم، فالسلم والأمن والتوازن في العالم لا يمكن حفظهم وبقاءهم بوجود رئيس لا يعرف سوى التوجه بشكل عدواني ضد الشعوب والبلاد الأخرى.
فالعدوان العسكري الإسرائيلي على سوريا تلازم وترافق مع عدوان سياسي أمريكي على دمشق ومواقفها القومية والتزامها بدعم المقاومة في لبنان وفلسطين ورفضها الخضوع للابتزاز الإسرائيلي الأمريكي فيما يخص عملية السلام في المنطقة. ولو أن سوريا قبلت بالإملاءات الأمريكية الصهيونية لكان الأمر غير ذلك، و لكان المديح إنكال على دمشق من قبل أقطاب الإدارة الأمريكية.
إن المواقف الأمريكية المعادية بشكل علني لسوريا وفلسطين ونهج المقاومة في البلاد العربية، ومحاولة أمريكا تضييق الحصار من كل الجهات على سوريا بعدما كانت ضيقته على الفلسطينيين ورئيسهم المحاصر والمعزول في رام الله، ليس وليد الصدفة بل يأتي ضمن خطة أمريكية صهيونية أعدت لإقامة شرق أوسط جديد تكون الكلمة الفصل فيه لإسرائيل وحدها. فحصار سوريا واحتلال العراق والتضييق على إيران وصمت وقلة حيلة السعودية ومصر، المكبلتان بأغلال أمريكية وأصفاد أجنبية، مع غياب كامل لباقي الدول العربية من ليبيا المتخبطة بغرائب وعجائب السياسة الحديثة ألى الأردن حيث التطبيع يجري بشكل طبيعي وعادي رغم معارضة الشعب وقواه الوطنية، وبالرغم من العدوان الصهيوني المستمر على الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية ورئيسها، وكذلك على لبنان وسوريا. هذا الوضع العربي المزري والمنهار، يجعل الموقف السوري الرسمي ضعيفا ويبرر لسوريا الرسمية موقفها من كلام سفيرها في مدريد الذي قال أن بلاده سترد عسكريا على أي عدوان إسرائيلي جديد. فلو كان لسوريا ظهر ترتكز عليه لكانت أيدت و أعلنت نفس موقف و كلام سفيرها في مدريد، لكن الروم موجودون من الخلف ومن الأمام وفي كل الوطن العربي الخاضع لمشيئة أمريكا وإسرائيل. ومع هذا نقول لسوريا أن المقاومة هي الطريق الوحيد الذي يجعل المواقف الأمريكية والصهيونية أكثر عجزا، والمواقف الوطنية والقومية أكثر قوة وعزة.
عندما يقرأ الإنسان تاريخ الهمجية الأمريكية منذ إبادة الهنود الحمر 1890، كذلك استعباد آباء وأجداد كونداليسا رايس وكولن باول وكل من كانت بشرته سوداء، لان العنصريين الأمريكان كانوا يعتبرون الزنجي شيئا ما بين الإنسان والحيوان، ثم يعرف كيف تم ذبح الشعب الفليبيني في عقر داره 1898-1910، ومن ثم الحروب الدموية والهمجية التي قامت بها القوة النامية الأمريكية في العالم، حينها نعي ونعرف طبيعة هذه الدولة العظمى، ونتأكد من الطبيعة العدوانية والإرهابية للسياسة الأمريكية، وعندما نعلم أن القنابل الذرية سقطت على المدينة اليابانية الثانية نجازاكي بعدما كانت اليابان ابدت استعدادها للاستسلام، وأن القنبلة الأولى التي سقطت على هيروشيما، أدت لقتل وجرح وتشويه عشرات الآلاف من المدنيين لم تكن ضرورية، لان اليابان كانت على وشك الهزيمة وإعلان الاستسلام، حينها يزداد الإنسان ذهولا، ثم عندما يعلم المرء بأنه منذ 1890 شنت أمريكا 133 حربا وتدخلا عسكريا في مناطق عديدة من قارات العالم،أهمها على الإطلاق كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق ما بين 1960- 2003، نستثني من المجموع أعلاه التدخل الأمريكي في شؤون الدول والشعوب أيام الحرب الباردة، حيث بحجة الديمقراطية والحريات بمفهومها الأمريكي كانت تمارس المقاطعة والعقوبات الاقتصادية على البلدان والشعوب بغية تجويعها، أضعافها وإسقاط أنظمة الحكم فيها ومن ثم الاستيلاء عليها أمريكيا عبر السياسة والاقتصاد والسوق، كما حال الدول الأوروبية الشرقية سابقا.
كما أننا هنا يجب أن نتذكر التدخل الأمريكي المباشر في الحروب العربية الصهيونية لصالح إسرائيل منذ قيامها في 1948 وحتى يومنا هذا، بالإضافة للدعم المفتوح سياسيا وعسكريا للكيان الإسرائيلي، فأمريكا استعملت الفيتو لصالح إسرائيل في مجلس الأمن 36 مرة متتالية، وأمريكا هي التي تمول بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي التي تمول أيضا بناء جدار الفصل العنصري على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
الإدارة الأمريكية عدو للشعب الفلسطيني من الطراز الأول وعدو للقضايا العربية بشكل علني، وما إقدام لجنة العلاقات الدولية في الكونغرس الأمريكي على رفع توصية بفرض عقوبات على سوريا بحجة دعمها للإرهاب سوى دليل جديد وإضافي على انحياز منبع الشر الأمريكي للكيان الصهيوني ودعمه لها ظالمة أو مظلومة،. التاريخ الأمريكي في معاملة العراق منذ 1990 يعيد نفسه هذه المرة مع سوريا وإيران، فما العمل؟ نضال حمد - اوسلو