ضد الهيمنة، لمصطفى عبد الله

بقلم : أحمد فضل شبلول

هذا الكتاب لمؤلفه الكاتب الصحفي مصطفى عبد الله محاولة ضد الهيمنة، وليس المقصود بمصطلح "هيمنة" هنا الهيمنة السياسية أو الاقتصادية التي أصبحت مرادفا للعولمة، أو من بيئة ألفاظ العولمة والسيطرة والأمركة، وما إلى ذلك، فحسب، ولكن الكتاب ـ إلى جانب ذلك بالطبع ـ يقف ضد الهيمنة، هيمنة الرأي المستبد، لصالح تعددية الآراء وحريتها، وسيطرة الاحتكار في الأدب من أجل إعلاء القيم الإيجابية للأصوات المختلفة، وطغيان ثقافة القطب الواحد لصالح أقطاب الجنوب والشمال والشرق والغرب معا، وذلك بعد أن فقدت الساحة مصداقية هذا الحوار الخلاق، واستقل كل قطب بمساحته ليخلق جزرا يجمعها محيط من التنافر والتصارع.
إنه ضد الهيمنة، لا ليصنع هيمنة جديدة ـ على المقاس ـ ولكن ليقدم مناخا يسمح بتحقيق الرسالة التي اضطلع بها المؤلف من خلال إشرافه على صفحة "أدب وثقافة" بجريدة الأخبار القاهرية.
لذا نرى المؤلف ينتقي من المقالات الحديثة التي كتبها تحت عنوان "إطلالة على الساحة"، بجريدة الأخبار، وأخبار الأدب، ما يتواءم مع عنوان كتابه الجديد "ضد الهيمنة" الذي صدر مؤخرا عن سلسلة "الأعمال الخاصة" بمشروع مكتبة الأسرة، ووقع في 168 صفحة، وضم حوالي 68 مقالا أدبيا، وثقافيا.
وهو من خلال وجوده على الساحة الثقافية والأدبية المصرية والعربية منذ أكثر من ربع قرن، أصبح له دراية واسعة بما يتم من أساليب الهيمنة والسيطرة والاحتكار الأدبي والثقافي في القاهرة، بل العواصم العربية والأجنبية المختلفة.
وها هو يبدأ كتابه بمقال تحت عنوان "أمريكا تهيمن على سوق الكتاب المصري" ليفضح هيمنة الكتب التي تناولت الشأن الأمريكي، في مكتبات القاهرة ومع باعة الصحف في محطات القطار ومترو الأنفاق والأرصفة، ومن هذه الكتب: تفكيك أمريكا، وأمريكا الحلم والسياسة، والإمبراطورية الأمريكية، والقوة اليهودية في أمريكا، وأمريكا وأزمة ضمير، ومن بابل إلى تل أبيب، وصورة العرب في أمريكا، وغيرها، الأمر الذي يشي بالفعل بهيمنة هذا الموضوع على سوق الكتاب بمصر. وينتهي الكتاب بدراسة ـ ولا نقول مقالا ـ عن "الصحافة الثقافية العربية في ألمانيا ـ فكر وفن أنموذجا" يلحق بها صور بعض الأغلفة الملونة لمجلة فكر وفن. وهو يجري في هذه الدراسة تحليل مضمون للمجلة الألمانية التي تصدر بالعربية، مع تبيان تاريخها، ومدى أهميتها وتأثيرها في الحياة الثقافية المصرية والعربية بعامة.
وما بين هيمنة الكتب التي تتحدث عن أمريكا، والمجلة الألمانية التي تعمل على هيمنة الثقافة الألمانية في الشارع المصري والعربي، تجئ عشرات المقالات عن: الأسبان وجواهرنا المكتوبة، الألمان .. النملة أم الأسد؟، ألمانيا غناء خارج السرب، الأمازيغية التي أصبحت لغة قومية، وبين سوينكا وسراج الدين، وروايات القمع العربي في جامعة هارفارد، وأندلسيات، وقهر العولمة، وماذا بعد الإصغاء، وغيرها من المقالات التي تمثل البعد العالمي في الكتاب.
أما عن البعد العربي فيتمثل في المقالات التي جاءت تحت عنوان: البطل من ورق، وصدى سوزان مبارك في الكوبت، ومن مكتبة الإسكندرية إلى العويس، وموسوعة للأجيال القادمة (ويقصد بها موسوعة تاريخ الفنون الإسلامية) ووثائق حرب فلسطين، والفكر العربي ولعبة الكراسي، وارتياد الآفاق: احتفالا بالعيد الوطني لتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وأمانة ثقافة عمَّان، والمبدعون يحكمون المشهد الثقافي الأردني، وغيرها من المقالات التي تمثل البعد العربي في هذا الكتاب.
أما عن البعد المصري أو المحلي، فكانت مقالاته عن: مكتبة الأسرة، وموسوعة "وصف مصر"، وكتابي استعاد الماضي وذاكرة للشعر للدكتور جابر عصفور، والجو الثقافي، والأدب وملحمة النصر، ومبارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب، والعناق الدافئ في بور سعيد، وروح د. عبد القادر القط المدهشة، ورحيل د. طه محمود طه (الذي أفنى عمره في ترجمة أعمال جيمس جويس) وفي ذكرى صلاح عبد الصبور، وعبد الرحمن بدوي مكتئبا، ومن الحلي إلى إعادة الروح لآثار سيناء، وغيرها من المقالات التي تمثل البعد المصري في مواجهة الهيمنة.
وللإسكندرية بعدها الخاص في كتاب "ضد الهيمنة" لمصطفى عبد الله الذي يعد واحدا من عشاق الإسكندرية، وواحدا من الذين يحضرون ويكتبون عن كل حدث ثقافي وأدبي يقام في هذه المدينة، ومن المقالات التي كتبها عن البعد السكندري، مقالات: قصر الكلمة (ويقصد قصر ثقافة الحرية بالإسكندرية) وإسكندرية مارية، وأتيليه وقصة مدينة (ويقصد به اتيليه الإسكندرية الذي يشهد في السنوات الأخيرة نشاطا ثقافيا وفنيا ملحوظا بعد رئاسة أ.د. محمد رفيق خليل له) ونقول في المدن، ومعرض الإسكندرية الدولي للكتاب كأول معرض تقيمه مكتبة الإسكندرية، وغيرها من المقالات عن مدينة الزعفران.
وبطبيعة الحال لم يقم مصطفى عبد الله بتقسيم كتابه وفقا لهذه الأبعاد، ولكن تداخلت هذه الأبعاد الأربعة وتمازجت مع بعضها البعض، لتقدم لنا في النهاية رؤية ثقافية لما يجري في عالمنا في السنتين الأخيرتين، وخاصة بعد 11 سبتمبر 2001 ومحاولات الهيمنة الأمريكية على العالم تحت دعوى "العولمة". فلم يحصر المؤلف نفسه في هذا الإطار الضيق، فالمسألة ليست النموذج الأمريكي فحسب، ولكن هناك المناخ الثقافي العالمي، والعربي، والمصري، وأخيرا السكندري، كما بدا في كتاب "ضد الهيمنة" للكاتب الصحفي المبدع مصطفى عبد الله. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية