ضد الكراهيّة ... المذهب ليس الدِّين كله!

التشدد فن يحسنه كل أحد

لا وجه للغرابة أبداً، ونتيجة لارتهان الوعي المجتمعي بالمؤدلجات والتشدق السياسي أن تتفجر الأزمات الفكرية العميقة بين الحين والآخر؛ والذي يساهم في إذكائها خطابٌ ديني مأزوم. تتبادله بعض الألسن الحداد عبر الأثير الإعلامي، سواء في أماكن العبادة أو الفضائيات؛ ليغرق الوعي الاجتماعي في حلكة المثير، والنزوح به إلى مواطن التشنج والكراهية. ويتعاظم القلق الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية بشكل ملحوظ عن سائر المجتمعات الأخرى، ليس على سبيل الاستثناء أو الاصطفاء.

بل لأن هذه المجتمعات ما ينفك فكرها مسكونًا بالمؤدلجات المستغلقة، ومُسيَّجاً بالأطر السياسية الضيقة، وليس ذلك عن رغبة وافتتان، وهذا كما يبدو عليه واقع الحال، فقد كشفت بعض المشاهد من هنا وهناك حجم تنامي الاحتقان المذهبي، بعد أن أصبح من السهولة بمكان التطاول على ما بالإمكان وصفه بـ "المقدسات" لهذا الطائفة أو تلك الطائفة، مكتفيًا بالتنبيه لخطورة مثل هذه المواقف والتي – لا سمح الله – تقود أبناء المجتمع كافة للانزلاق في موجات من العنف!.

الذاكرة التاريخية المليئة بالتخرصات المذهبيّة، والتي دائما تكون ماثلة أمامنا، ليس لأنها مختصة بماراثونيّة السجال العقائدي والفكري فحسب، بل وينسحب بشكل سلبي ومؤثر على طريقة التعاطي بين أبناء هذه الطائفة والطائفة الأخرى، أو هذا المذهب مع المذهب الآخر! والأخطر في الأمر أن يكون الإعلام مخطوفًا لدى البعض ممن لا همَّ لهم سوى الدفاع عن بيضة الدين، لتتحول المنابر العباديّة تارة، وبعض الفضائيات الخاصة تارة أخرى إلى أشبه ما تكون بالثُكنات المذهبيّة؛ المدججة بكافة الاستعدادات الخلافيّة والتي تستند على مرويات تأثيم الآخر وتجريمه!

الضمير النَّظيف
خطاب الكراهية والاستفزاز والاحتقار للآخر، والذي بات يملأ الأرجاء ما كان له أن يتصاعد نجمه لولا القابليّة الذهنيّة في استحضار المقدسات، والاحتماء بها عند تناول أقرب القضايا الفكرية المعاصرة، فكيف إذا ما تهابط الخطاب الديني بالذات؛ إلى مستوى من التشاتم وترذيل الآخر بل وتكفيره أيضا. حين يكون عليّة القوم بدلا من تسابقهم باتجاه بث ثقافة التسامح والسلام؛ وهذا ما تحتاجه المجتمعات الإسلاميّة في ظل الاحتقان المقيت، نجد البعض من هؤلاء لا يتوانَ لحظة واحدة من نفث سموم الكراهية ضد الآخر، وممارسة ما يُستطاع ولا يُستطاع للعمل على إسقاط هذا الآخر، ولو بلغ الأمر إلى حد الإكراه!

وهذا ما شخصه الفيلسوف الفرنسي والمختص في "فكر اللاعنف" جان ماري مولِّر حين أشار إلى الخطر الذي بالإمكان أن يتولد عن إدعاء منتهى الحقيقة واحتكارها، ومحاولة تظهير الآخر في صورة المخالف الدائم والأبدي بعد إدخاله في دوائر التضليل والردة والكفر، مما يستوجب تقديمه للمباهلة ولو بلغ به إلى الإكراه والتعنيف!. إذ من المؤكد بأن سلوك الإكراه المذهبي هذا ولو اكتسب شرعيته المؤبدة من التفسير الآحادي للدين واحتكار الحقيقة المطلقة؛ بيد أن مثل هذا السلوك ليس بريئا من بعض الدوافع الخاصة ذات الطابع البروغماتي!

وبالعودة إلى ما تشهده بعض المجتمعات من مناكفات خطابيّة صادمة، والتي لا يمكن أن نخرجها من السياق التاريخي للصراع الاثني والمذهبي، فكل الحالات الاستفزازيّة التي يستظهرها الإعلام اليوم وإن اكتست طابعًا معاصرًا فهي ليست بمنأى عن ذلك الموروث الأيدلوجي، وإلا ما تفسير كل تمظهرات الاحتقان المذهبي والتي أصبحت بمثابة الخبز اليومي في سيرورة المجتمعات الدينية! ناهيك عمّا يتم إنتاجه من واقع الفعل السياسي الهش إزاء تأكيده للاصطفافات والمناكفات في تكريس خطاب الكراهية والإقصاء. فحين يغيب "القانون" الوازن والعادل والرادع بعد أن غاب الوعي؛ فلا تثريب إذا ما استغلت المناسبات الدينية أيما استغلال؛ ليس في بث أجواء الكراهية ضد الآخر فحسب، بل والعمل الدؤوب من أجل إقصائه من رحمة الدنيا قبل الآخرة!

لا جدال، بأن سلوك الإكراه والإقصاء واحتقار الآخر هو نتاج ناشئ عن مُدّعى امتلاك مطلق الحقيقة وبلوغ طهورية التفسير؛ بوصفه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أيضا، ما كان لمثل هذه المسلكيات المقيتة أن تُعيد إنتاجها وتموضعها على مر التأريخ؛ لو لم تجد في التشكّل السياسي الراهن ملاذًا آمنًا يضمن لها بقاءها واستمرارها. وعلى هذا الأساس؛ لا مراء إذا ما أصبح الماضي – وحسب وجهة نظر البعض – كلَّ الحقيقة، أو أن تظهير الواقع بكل ما يحمل من أثقال معرفيّة وتحفيزية ما هو إلا ضرب من الاسفاف الحداثوي، ناهيك عن تهميش هذا الإنسان وتجريده من طبيعته الحيوية باعتباره محورًا للتجاذب الهائل، وقيمة كونيّة لا تقبل المساومة!

هذا هو المشهد اليوم، وتلك هي معارك "المقدسات" والتي يديرها باقتدار "بروغماتيو السلف" وبأحدث الوسائل والطرق الحديثة. إذن نحن أمام حرب ضروس، قديمة حديثة، يخوضها هؤلاء بالنيابة عن الدين حسب رؤاهم وتصوراتهم ومنطلقاتهم، فلا غرو إذا ما تعكر صفو العلاقة بين أبناء المجتمع الواحد بكل ألوانه وأطيافه المتعددة في كل حين، وآل بهم إلى التشاحن والتباغض والتنافر!، خاصة وأن إشاعة أجواء الكراهية باتت تهدد اللحمة الوطنية وتضربها في العمق!.

إن نبذ خطاب الكراهية ومكافحته يبدأ بالوعي الجماعي الذي لا يمكن بلوغه إلا بتراكم فعل التسامح الديني باعتباره وليدًا شرعيًّا عن نظام اجتماعي متين. وبالقدر الذي يستمد طاقته من الحرية، فهو في الوقت نفسه في أمس الحاجة لأن يُثمّرها لصالح إنسان الحاضر والمستقبل، عبر واقع بات يفتقر لأبسط مقومات النهوض الحضاري. إذن وحده الوعي الذي يمكننا المراهنة عليه، ليس في لحظة التأسيس المعرفي فحسب، بل في المراحل الأخرى التالية له.

مما يستوجب أن يُنظر للأمور من الوجهة العمومية للدين، وليس من خلال النظرة المذهبية، إذ لا يمكن ادعاء أن المذهب هو الدين كله، في الوقت الذي نستطيع القول بأن الدين هو محور الالتقاء والمشاركة. ولا شك بأن تعزيز النظرة العامة على الخاصة ضمن هذا الإطار؛ يمهد الطريق أمام الإنسان ليبذل ما في وسعه في مكافحة الإكراهات الدينية والسياسية على حد سواء، مما يعزز في الوقت نفسه قيم التسامح الديني وفق مبدأ أن الناس صنفان: "إما أخٌ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق".

يجدر بنا الإشارة إلى أهمية الدور الذي بالإمكان أن يلعبه "القانون" ليس في نظم الحياة فحسب، بل وفي كبح جماح سلوك الكراهية ومسبباته، فالقيمة تكمن أولا في إيجاد محفزات تفضي إلى بث ثقافة التسامح والعيش المشترك، وهذا لا يعني اعتبار ذلك هو الارتكان لبديل تعويضي، بقدر ما إن مثل هذه الثقافة هو تأسيس موضوعي لأجل تأكيد الفعل الحضاري. عندها تستطيع أن تأخذ العدالة مجراها في كل من تسول له نفسه التعدي السافر على الآخر المتغاير دينيًّا ومذهبيًّا.

القانون أيضا هو الناظم الطبيعي للحياة المشتركة بين المتغايرين؛ مذهبيًّا بالذات، ومن خلاله تتحقق العدالة والمساواة وكل ما شأنه أن يتدافع الناس من أجله حسب مقتضيات السلم المدني من واقع تفعيل أخلاقيات المواطنة، بوصفها المثال الحيوي والمشترك الذي يجمع كافة الاثنيات؛ الدينية والمذهبية والقومية والفكرية، فهي تعمل باتجاهين اثنين، وبصورة مزدوجة.

فالمواطنة بأنظمتها الشفافة هي تفسير حقيقي للمناقبيات المحفزة للطاقة الإيجابية بين أبناء الوطن الواحد، كما أنها في الوقت نفسه تُعد منظومة من القيم الرادعة لمن يفكر في انتهاك حق الآخر، ليؤكد مقولة "الدين لله والوطن للجميع"، والناس كافة؛ متساوون أمام القانون. هذا ما ينبغي أن تسعى الحكومات الإسلامية والعربية من أجل تحقيقه وتطبيقه وبكل شفافيّة؛ بعد أن يأخذ الوعي التسامحي وثقافة العيش المشترك طريقهما إزاء كل ما من شأنه أن يسهم في نزع فتيل الأزمات المؤدلجة، واستئصال شأفة الكراهية، وفق مرتكزات العدالة والحرية والمساواة، هذا إذا ما أردنا كشعوب إسلاميّة أن نعيش اللحظة المسؤولة والمستقبل الآمن الذي يضمن سلامتنا وسلامة أبنائنا من الأجيال القادمة.

علي آل طالب

كاتب من السعودية

Ali.h.altaleb@gmail.com