ضد الغنوشي... لا نهضة بالتَّلفيق والَّتوفيق(1-2)!

لا لقاء بين العلمانية والإسلام

ألقى الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة في تونس محاضرة بتاريخ 2/3/2012 في مركز دراسة الإسلام والديمقراطية؛ أمام نخبة من المثقفين والدبلوماسيين ورجال الدولة نذكر منهم، سفير المغرب نجيب زروالي والقنصل المصري محمّد محمود والمستشار السيّاسي للسفير الأمريكي إيّن ماك كاري ورئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر إضافة إلى مجموعة من رؤساء الأحزاب.

لقد جهد الغنوشي في محاضرته في إبراز فهم معين للعلمانية، في مسعى منه للاقتراب قدر المستطاع. بحسب ما ذكر من أرضية مشتركة تمكن من بناء إجماع حول مفهوم الدولة والدين في المرحلة التي تمرّ بها البلاد، يساعد في تجاوز الصراع المحتدم بين التيارين الإسلامي والعلماني. وتناول العلاقة بين العلمانية والدين بشكل عام، والإسلام والعلمانية بشكل خاص، طارحاً سؤالاً حول طبيعة تلك العلاقة: هل هي علاقة تضارب وتخارج أم هي علاقة تداخل؟ إضافة لمناقشة تداعيات هذا السؤال حول العلاقة بين الإسلام والحكم، الإسلام والقانون، وكلّ هذه الإشكاليات.

قدم الغنوشي لموضوعه بأن هناك قدراً من الإبهام، والتعدّد غير القليل في الفهم بهذا الخصوص قائلاً: «بحيث أننا لسنا إزاء علمانية واحدة بل إزاء علمانيّات، وكذا الإسلام أيضاً بحكم ما هومطروح في الساحة، فنحن إزاء أكثر من إسلام واحد أي أكثر من فهم». واعتبر الغنوشي بأنه في ما «تبدو العلمانيّة وكأنّها فلسفة، وكأنّها ثمرة تأمّلات فلسفية جاءت لمناقضة ومحاربة التصورات المثالية والدّينية فإن الأمر ليس كذلك، وأن العلمانية ظهرت وتبلورت في الغرب كحلول إجرائيّة لا كفلسفة أونظرية في الوجود»، مؤكداً مراراً أنها ترتيبات إجرائية لحل إشكالات متعلقة بطبيعة الدولة ودورها. خلص الغنوشي استناداً إلى هذا الفهم بأن العلمانية لا تتناقض مع الإسلام. وفي هذا مغالطة كبرى يجب دحضها.

لقد عمد الغنوشي في بحثه على تثبيت نقطة تعدد الأفهام للإسلام والعلمانية ابتداء، ليختار لنفسه فهماً خاصاً به يتناسب مع مراده إيجاد إجماع بين العلمانيين والإسلاميين حول مفهوم الدولة والدين. ويُعتبر هذا المنهج خطأ وخطراً في آن معاً، إذ لا يمكن للباحث عن الحقيقة أن يضع غاية له، ثم يبدأ بتأويل المعطيات لتفسيرها بما يخدمها حتى مع افتراض نبل المقصد والغاية. فالأمم لا تنهض بالتلفيق أوالتوفيق المصطنع بين الأفكار المتناقضة. فيما أن المطلوب هو طرح الأفكار والعقائد وكشفها كما هي تماماً في الواقع، حتى يتبين الناس الحق من الباطل، ولا يصح تزييفها أو تزيينها أو خلط الأمور فيها بحال، إذ يسبب هذا تشويشاً واضطراباً في الفكر، وبالتالي فيما يجب اتخاذه من قرارات متصلة به.

ارتكب الغنوشي خطأ مفصلياً في إصراره على تقديم العلمانية في كونها مجرد إجراءات عملية؛ لا ثمرة فلسفة وتأملات فكرية تناقض الدين. ففي هذا الوصف محاولة واضحة للالتفاف على الموضوع وتمييعه بل وتضييعه بغية القفز منه إلى الهدف المعلن ابتداء، أي إيجاد إجماع في فهمٍ يتجاوز أزمة! فالعلمانية لم تأتِ في الغرب كترتيبات إجرائية كما أراد الغنوشي إظهارها، بل إن الترتيبات الإجرائية التي نتجت عن العلمانية إنما جاءت لتكريس وجهة نظر جديدة تتناقض مع وجهة نظر الكنيسة حول علاقة الدين بالدولة والمجتمع.

من مفارقات فكرة الغنوشي بأن لا تضارب بين العلمانية والدين هي أن العلمانية ولدت أصلاً كردة فعل على استبداد الكنيسة؛ وعلى دورها الفاعل في إرهاق البلاد والعباد في عصور وصفت بالظلام لشدة تسلط الكنيسة وتعسفها في استعمال الدين لفرض سلطانها على الحياة العامة والخاصة للناس. وقد بلغ ظلم الكنيسة حداً أماتَ العقل وبات الإنسان فيه عبداً لإنسان مثله يدعي تمثيل الإله في هذه الأرض، فأمات حيوية الإنسان وألغى قدرته على الإبداع وحوَّله إلى كائنٍ بليدٍ مستسلمٍ لمن يستغله أبشع استغلال. مما أدى بالنتيجة إلى انفجار العقل بكراهية مطلقةٍ لأيِّ قيدٍ للكنيسة والقائمين عليها، كما أدى إلى انفجار العقل بوجه كل ما يمكن أن يقيده، حقاً كان ذلك القيد أم باطلاً.

المفترض بأي مفكِّر إسلامي هو دحض العلمانية وبيان شذوذها وتفاهتها لا التوفيق بينها وبين الإسلام. فتضليل العلمانية بادٍ للعيان إذ إنها دعت إلى تحرير الإنسان فيما جعلته عبداً للشهوة وجعلت لإنسان آخَرَ أن يحدد له الحق من الباطل، كما دعت إلى إطلاق العنان للعقل فيما لم تستند هي أصلاً في وجودها إلى العقل، إنما ركنت في وجودها لردة الفعل على التسلط الديني الكنسي الكريه في أوروبا.

فلاسفةٌ لم يُقِيموا الحجة على صحة مذهبهم الجديد في الفكر، ذاك المذهب الذي يفصل وجود الإنسان في الحياة عن سبب وجوده فيها، ويتنكر بالتالي لأي بحث يربط دور الإنسان في هذه الحياة بسبب وجوده فيها، ولا يبالي مطلقاً بتحديد علاقته بما هو قبل بما هو بعد وبما هو أثناء وجوده. كما أنهم لم يقوموا بنقض المسيحية كدين، إنما قاموا بالتهجم عليها وبيان زيفها وأنها وثنية جديدة جمعوها من وثنيات، والاستهزاء بها من خلال ما ارتكبه الحاكمون وكهنتها من فواحِش ومظالم باسمها.

لقد اندفع فلاسفة العلمانيين يملؤهم الحقد والكراهية الشديدة على الكنيسة والمسيحية ابتداءً ثم على كل دين آخر، بزعم كون الدين ـ أي دين ـ يلغي العقل ويعطله لصالح فئة تدعي أنها تمثل الله على الأرض. فحجروا على الدين بين جدران الكنيسة وأخضعوها ورجالها للدولة، ليبدأ العقل ـ من غير تبني مرجعية تحدد معنى ودور الإنسان في هذا الكون ـ تشريع منظومة وضعية للحياة تناقض فيها كثير من قوانين اليوم ما تم تشريعه بالأمس حتى بات الحق والباطل نسبياً في كل شيء.

العلمانية فرضت عدم بحث قضية وجود الإنسان في هذا الكون، رغم مصيرية هذا السؤال وتبعات الإجابة عليه، لتعتمد الفكر الإجرائي في كافة جوانب الحياة بعيداً عن أي مقدس. لذلك كانت الإجراءات هنا معبرة عن فلسفة جديدة مغايرة لفلسفة الدين التي تحدد دور الإنسان في الحياة وتضع له تشريعات تنظم شؤونه فيها، وغدت العلمانية تشرع قوانين وسياسات ومعالجات تعكس فكراً ينبذ الكنيسة وتعاليمها، ويقصيها عن المجتمع والدولة بعد أن قام بتشويهها وبتهشيمها وتهميشها وبتعميم ذلك على كل دين. بهذا غدا فصل الدين عن الحياة أهم معالم العلمانية. وبات اعتماد مبدأ فصل الدولة عن الدين مسلماً به لدى العلمانيين، معتبرين ذلك مسألة لا يصح المساس بها البتة، وفي كل ذلك مناقضة كلية للإسلام.

حسن الحسن

كاتب أردني- حزب التحرير الإسلامي