ضاع في الترجمة!

بقلم: د. مصطفى الفيتوري
بل موري كان يعاني من نفس المشكلة في اليابان

لسبب مجهول تبنى الضالعون في اللغة العربية مجموعة من الترجمات لأسماء ومسميات أجنبية، خاصة الانجليزية منها، التي لا يمكن أن تكون صحيحة أبدا. التفسير الوحيد لهذا الأمر هو ان الذي أعتمد الترجمة ليس هو من ترجمها: بمعنى ان الذي نقل الكلمة إلي العربية ليس هو "المفتي"- ان جاز التعبير في اللغة وبالتالي يمكن له ان يٌقرٌها كترجمة.
وللتدليل على هذا القول سأبدأ بأبسط الكلمات الا وهي أسماء العلم وخاصة أسماء البشر التي من المفترض ان تكتب كما هي وأن بأحرف عربية. فمثلا أسم الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة، وبطل الحرب الأهلية من أجل الوحدة، أسمه هو أبراهام لنكن على اعتباره نقلا عن الإنجليزية Abraham Lincoln (كسر اللام الأولى في أسمه الثاني وصمت جزء كبير من الأحرف الأخيرة) تماما كما يٌنطق وليس كما نراها فننقلها حرفا بحرف مما يغير الاسم نهائيا. في الكثير من الترجمات العربية وحتى أحاديثنا نقول أبراهام لنكولن! وأتحدى أيا كان أن يقنعني ان مواطنا أمريكا، ولو كان لنكن نفسه، ان يعرف أنه هو المعني ان قلت له لنكولن!
ونلسن مانديلا يصبح في العربية نيلسون في حين ان الصحيح هو كسر الحرف الأول وحذف الياء و الواو ليصبح نلسن. اما مارغرت كقولنا مارغرت تاتشر فتصبح في العربية مارغريت ولا ادري ما الفلسفة وراء ذلك.
طبعا ما نعاصره اليوم من الأسماء والكتابات الأدبية يمكننا ان نتلافى الخطأ فيه لأننا عرفنا وتعلمنا الكثير إلا ان المحزن حقا هو ما تمت ترجمته من أعمال أدبية وغيرها في عقود سابقة مليئة بالأسماء الخاطئة للناس أو للأمكنة على حد سوى.
أما أسم توني، مثل توني بلير، يصبح بقدرة قادر طوني لدرجة أن الرجل لو ناديته يا "طوني" لما ألتفت إليك لأنه لن يظن انك تقصده فالفرق بين الاثنين واضح، والسبب في نظري هو ان إخوتنا من المسيحيين العرب ممن يغلب عليهم اللسان العربي يحولون حرف التاء إلى حرف الطاء ليس إلا! تماما كما في كلينتون- الرئيس الثاني والأربعون للولايات المتحدة الأمريكية واسمه الحقيقي هو ويليم جفرسون كلنتون- William Jefferson Clinton-، إلا أنه يوقع باسم التصغير وهو بل ... المهم فالكتابة الصحيحة يجب أن تكون بل كلنتون دونما إضافة حرف "الياء" للاسم الأول والكاف واللام تحتهما كسرة في الاسم الثاني وليس بالياء والسيد كلنتون لو أنه سمعك تناديه كلينتون فلن يرد عليك أبدا لأنه لن يفهم ما تقصد! وهو ما ينطبق على الفعل "يتكلم" بالإنجليزية Talk فكثيرون ممن تعلموا الإنجليزية في مدارسنا العربية ينطقون حرف اللام وهو خطأ قاتل بكل أسف!
وكلمة "دولار" أسم عملة العديد من الدول ومن أشهرها أميركا (في الواقع أصل العملة- تاريخيا- وأسمها له علاقة بدول عديدة ليس من بينها أميركا!) المهم الكلمة خطأ مع أنها الأشهر وكلنا يخبلنا رنينها- ورنين مسماها أكثر!- والصحيح دولر وليس "دولار" وأتحداك إن تصرخ بالثانية – أي دولار- لأي ناطق باللغة الانجليزية ان يفهم ما تعني إلا إذا رأي الورقة الخضراء في يدك مثلا! كذلك هي كلمة "إسترليني" من أسم الجنيه الإسترليني- العملة البريطانية - التي يجب أن تكون "سترلينغ" بدون حرف الألف في بدايتها ولا بقية الأحرف الأخرى، والأصل هنا معدن الفضة العالي النقاء- معنى الكلمة في الأصل-، ولا ادري مبرر استخدامها بدلا من أصل الكلمة الصحيح: أي لماذا الإسترليني وليس سترلينغ فالاثنان لا عربية فيهما!
كذلك الحال مع أسم "بوش" ففي رائي أن كتابتها ب/و/ش خطا لأنه يشدد على حرف الواو في النطق في حين يمكن أن يكون الصحيح هو بُش أي بتشديد الباء (بو) وضمها وليس إضافة حرف الواو! ينطبق ذات الأمر على الرئيس المحتمل لأميركا وأعني بها السيدة كلنتن وليس "كلينتون"، فأسمها الصحيح هلري رودام كلنتن- Hillary Rodham Clinton- وليس هيلاري رودهام كلينتون أي الصحيح هو كسر الهاء و اللام في أسمها الأول "هلري" وعدم نطق الهاء في أسم عائلتها أي: هلري رودام كلنتون وليس هيلاري رودهام كلينتون إن اخترنا الاسم الكامل ... طبعا السيدة كلنتن تشتهر باسم زوجها وليس باسم عائلتها الذي احتفظت به إلى جانب أسم زوجها منذ أن كانت محامية- وستعود إلى استخدام الاسم كاملا فيما لو أصبحت رئيسة لأميركا وهو ما أتمناه!- وحتما السيدة ستغضب شديد الغضب لو أنها سمعت من يقول لها هيلاري. ولقد قرأت الاسم هكذا في العديد من الصحف والمجلات العربية وحتى في قاموس "الوافي الإلكتروني" ومواقع عربية كثيرة على الانترنت الساحرة التي ينطقها البعض كـ"أنترنط!"
العاصمة الأمريكية "واشنقتن" تسمى لدينا في العربية السائدة كتابة وقرآٌة "واشنطن" والبعض يتمادى في الخطأ فيقول ويكتب "واشنطون" وطالما أن الاسم لا كلمة عربية تقابله فلماذا نحرفه عن أصله!
طبعا الكثير من هذه الأخطاء مرده إلى عوامل عدة أهمها أن من ينقل إلي العربية هو مترجم "قاموسي" عربي اللسان ان صح القول بمعنى أنه يعتمد على القاموس وربما لم يسبق له ان سمع بعض تلك الكلمات من أهلها من الناطقين باللغة الإنجليزية مثلا. وأنني لعلى ثقة بان الحالة أكثر رداءة في اللغات الأخرى مثل الفرنسية!
لابد من القول أنني من حيث المبدأ ضد الترجمة إلى العربية في جوانب وعلوم كثيرة منها الطب والهندسة وتقنية المعلومات لسببين بسيطين جدا: الأول هو سرعة التغيير والتطوير في تلك العلوم. فتقنية المعلومات مثلا تتغير وتتطور – زيادة آو تطويرا- في فترات لا تتجاوز الستة أشهر أحيانا وهو ما تستغرقه ترجمة كتاب!- أما السبب الثاني وهو الأهم في نظري هو إن الترجمة غالبا ما لا تنقل ما يجب نقله خاصة في المصطلحات الدقيقة كمصطلحات الطب مثلا إضافة إلى أننا نحن العرب لم نبدع هذه العلوم وليس لنا أن نعبث بأسماء الأشياء فيها لأن ذلك يبعدنا عن أصولها ويشوش إمكانية تفاهمنا مع العالم.
هذا على صعيد الترجمة آو كتابة الأسماء من أصلها الإنجليزي إلى العربية أما على صعيد المصطلحات فالحالة أسوء. فكثيرا ما نترجم بعض المصطلحات أو التعابير- خاصة السياسية منها- خارج إطارها الثقافي والفكري فيصبح معناها في العربية استفزازي إن لم نقل ما هو أكثر! ويحظرني هنا تعبير سبب الكثير من الجدل في عالمنا السياسي العربي وخاصة لدى حكوماتنا إلا وهو تعبير آو كلمة "الإصلاح" والتي نقلناها من أصلها الإنجليزي- (الولايات المتحدة تبنت أصلاحنا منذ العام 2003 إلا أن المشروع لا يذكر الآن) - فالكلمة في الإنجليزية هي Reformوهي تعني "إصلاح" إلا ان مفهومها السياسي في أوروبا وأمريكا لا يعني " أصلاح الشيء لأنه فاسد" كما فهمت نٌخبنا السياسية وصبت جام غضبها على من اتهمنا بأننا غير مصلحين أي فاسدون! في القاموس السياسي الغربي الكلمة تعني تطوير ما هو قائم و تمكينه من استيعاب ما هو جديد و مفيد. وأنني واثق من أن الكثيرين ممن هاجموا المصطلح ومستخدميه لم يدركوا المعنى الحقيقي للكلمة في سياقها الطبيعي.
ولأبين ما أرمي إليه أذكر بان من أهم أولويات الحكومة البريطانية أثناء توليها رئاسة الإتحاد الأوربي مؤخرا هو "أصلاح "هياكل و مؤسسات الإتحاد كما حددها توني بلير - وليس طوني بلير- فهل كان الرجل يعني أن الإتحاد الأوربي بكامل أعضاءه فاسد!! طبعا لا . رئيس وزراء بريطانيا كان يتحدث في سياق سياسي صحيح وما قصده هو التطوير من حيث الإضافة والتغيير وحتى الإلغاء مثلا على صعيد مؤسسات الإتحاد وهذا ما حدث بالفعل!! وللتدليل أكثر على صحة هذا القول: كلمة إصلاح بالمعنى المادي- أي أن تصلح آلة عاطلة مثلا وهي كلمة Repair أو Maintain لا يمكن استخدام أي منهما كمرادف لكلمة أصلاح بالمعنى الفكري أي كلمة Reform.
الملفت في الأمر أن قاموس اللغة العربية الملحق ببرنامج الطباعة "ميكرو سوفت وورد- "Microsoft Wordوالذي تم أعداده على انه يمثل عددا من اللغات العربية- بعدد البلدان العربية- لا يعترف الا بالترجمات الخاطئة كونها سائدة حسبما أظن! وللتأكد جرب أن تكتب عليه أي من الكلمات السالفة وأنظر إلى النتيجة!

*** توضيح: لابد أن اعترف بأن عنوان المقالة هو عنوان فلم أميركي من بطولة بل موري (بكسر الباء)!
*** د. مصطفى الفيتوري - أستاذ في أكاديمية الدراسات العليا - طرابلس/ليبيا mustafafetouri@alacademia.org