صُنَّاع الخزي والعار!

بقلم: جواد البشيتي

إذا كان الهدف هو تحرير الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإقامة دولة مستقلة ذات سيادة للفلسطينيين فيها، فأيٌّ من طرفي النزاع الفلسطيني (وليس النزاع مع إسرائيل) يستطيع الآن (حيث لم يبقَ لدى الشعب الفلسطيني من قيادة سوى تلك التي تقوده إلى الكارثة) أن يدَّعي "النجاح" في جعل هذا الهدف أقرب إلى الواقع منه إلى الوهم والخيال؟!
مَنْ منهما يجرؤ على أن يُقْنِع ولو طفلاً فلسطينياً بأنَّ النهج الذي سار عليه قد أعطى من النتائج ما يوافِق "الهدف" و"التوقُّع"؟!
لو كان للشعب الفلسطيني بأسره أن يقول كلمته الآن لقال لهم إنَّ خير عمل يمكنكم عمله الآن هو أن تتخلوا عن السلاح الذي في أيديكم، وأن تسرِّحوا "جيوشكم"، وأن تتعلَّموا مهنة، أو حرفة، أخرى غير السياسة، وأن تُطْعِموا النار كل رايات ولافتات وشعارات الجهاد والثورة، فأنتم جهلة، أمِّيون، أغبياء، مجانين، لا تملكون شيئاً من مقوِّمات القيادة السياسية (والفكرية) لشعب بعظمة الشعب الفلسطيني وقضيته القومية، التي بفضلكم عرفت من المسخ والتصغير ما لم تعرفه من قبل.
لا تستمروا في الكذب والخداع ونشر الأوهام فـ "الآن" إنَّما هي "سيف" على هيئة "ظرف زمان"، يقطع كل لسان لا ينطق بالحقيقة، التي إنْ استنطقناها فلن تنطق إلاَّ بما يشبه "النعي"..
لن أنعى موت "السلام" أو "المقاومة"، وإنَّما "النهجان"، فذاك نهج فاوَض حتى قَتَل السلام، وهذا نهج قاوم حتى قَتَل المقاومة.
وإنِّي لأتوقَّع أن يقيم الرئيس عباس الدليل (عمَّا قريب) على أنَّه يملك من أهلية القيادة، وسعة الأفق، ونبل الخُلْق، وصِدْق الانتماء إلى الشعب الذي يُمثِّل ويقود، ما يَحْمِله على إعلان "الفشل".. فشل النهج السياسي والتفاوضي الذي سار عليه الفلسطينيون توصُّلاً إلى السلام، فإعلان هذا الفشل هو خير خدمة يمكن إسداؤها إلى الشعب الفلسطيني وقضيته القومية؛ وإذا ما أريد لمفاوضات سلام مُنقَّاةٍ من الأوهام أن تبدأ فيجب ألاَّ تبدأ إلاَّ بعد تولِّي الأمم المتحدة إدارة الأراضي الفلسطينية التي ستكون إقليماً للدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة. إنَّ قيام تلك الإدارة الدولية المؤقَّتة، التي تنتهي بقيامها سلطة قوَّة الاحتلال والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وسلطة "حماس" في قطاع غزة، هو الشرط الأوَّلي والأساسي لبدء مفاوضات سلام حقيقية بين إسرائيل والفلسطينيين.
الخطوة الأولى والكبرى على الطريق الجديد يجب أن تكون (فلسطينياً وعربياً) الإدارة الدولية المؤقَّتة للأراضي الفلسطينية؛ أمَّا بدء مفاوضات السلام فهو الخطوة الثانية أو التالية.
وإلى أن تتولَّى الأمم المتحدة إدارة الأراضي الفلسطينية لا بدَّ للفلسطينيين والعرب من أن يتوفَّروا على إنجاز مهمة واحدة فحسب هي دَفْع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى إلزام إسرائيل بكل ما تُلْزَم به، قانوناً، كل سلطة أو قوَّة احتلال.
والفلسطينيون مَدْعوُّن أيضاً، والآن على وجه الخصوص، إلى نبذ هذا النهج الذي مثَّلته، وسارت عليه، حركة "حماس"، فخيار "الحل عبر المقاومة" الذي أخذت به هذه الحركة لم يبقَ منه، بعد تبخُّر أوهامه، سوى حقيقته المُرَّة، فـ "المقاومة" التي قالت بها "حماس"، ومارستها، هي الآن مقاومة لحق الشعب الفلسطيني في الحرية القومية، وفي أن تكون له دولة قومية مستقلة ذات سيادة.
لقد اشتروا البقاء لسلطة لا تخدم إلى مصالح فئوية ضيِّقة بثمن بخس، فتبادل الأمن بينهم وبين إسرائيل مع بقاء قطاع غزة في الحصار القاتل والمدمِّر، وفي انفصال تام عن الضفة الغربية، وفي تضاد تام مع كل حلِّ نهائي للمشكلة القومية للشعب الفلسطيني أكان هذا الحل عبر التفاوض السياسي أم عبر المقاومة، هو قوام "النصر المبين" الذي جاءوا به إلى الشعب الفلسطيني وقضيته القومية، ضاربين صفحاً عن حقيقة أنَّ هذا "النصر المبين" هو نصر (تاريخي) لإسرائيل على الفلسطينيين جميعاً، مفاوضين ومقاومين، فقطاع غزة هو الآن، من الوجهة السياسية والاستراتيجية، يفيد إسرائيل ويخدمها أكثر من الاستيطان و"الجدار الأمني" و"رسالة الضمانات".
في هذا الشريط الساحلي الفلسطيني الضيِّق سَجَنَت إسرائيل نحو مليون ونصف المليون فلسطيني؛ ثمَّ أقيمت مقبرة في داخل هذا السجن الجماعي الكبير لِتُدْفَن فيها، على أيدي شيوخ القبور، القضية القومية للشعب الفلسطيني مع تعدديته السياسية والفكرية.
إنَّ أحداً من الفلسطينيين لن يصدِّق وهو يرى كل هذا الخزي والعار أنَّ شيئاً من "فتح مكة" تُهَيَّأ له الأسباب في داخل قطاع غزة، فالهدم هناك هو هدم لفلسطين، والبناء هو بناء لإسرائيل العظمى؛ و"إطلاق اللحى" لن يَحْجِب شمس الحقيقة عن عيون الشعب الفلسطيني، الذي يفضِّل دوام الاحتلال الإسرائيلي على الزجِّ به في أتون حرب أهلية، اسْتُوفي أهم شرط من شروط وقوعها وهو هذا الانفصال المتزايد يوماً بعد يوم بين الشعب الفلسطيني، بمصالحه العامة وقضيته وحقوقه القومية، وبين ذوي المصالح الفئوية الضيِّقة، الذين هُمْ إسرائيل في قناع فلسطيني، أأدركوا ذلك أم لم يدركوا.
في "التحرير الأوَّل" تحرَّرت إسرائيل من قطاع غزة، فأصبح في مقدورها أن تحتله بما يقلِّل خسائرها ويزيد أرباحها. أمَّا في "التحرير الثاني" فتحرَّر القطاع من فلسطين لِيَنْعُم بهذا الخليط من طالبان والصومال ودارفور.
وإنِّي لأقترح على خيرة الفلسطينيين، أي على أولئك الذين في سجون إسرائيل، أن يوجِّهوا رسالة إلى الذين يأسرون شاليط، يقولون لهم فيها: دعوه يعود إلى بيته فنحن هنا باقون!
إنَّ البقاء في السجن الإسرائيلي خيرٌ من العيش حيث يتوفَّرون على صُنْع مزيدٍ من أحداث الخزي والعار.

جواد البشيتي