'صورة الشعب' تحدد ملامح 'صورة الرئيس'

بقلم: سمير درويش

حين "انخلع" وجهُ الرئيس السابق محمد حسني مبارك من المشهد السياسي المصري، انزوتْ- في اللحظةِ ذاتِهَا- صورٌ لوجوهٍ كانت مرشحةً لخلافته أبرزها صورة ابنه جمال مبارك بغطرسته وطاووسيته وسطحيته البادية، إيذانًا بزوال صورٍ رئاسيَّةٍ، لها سماتٌ وطبائعُ وخلفياتٌ ومعتقداتٌ، وظهورِ صورٍ بديلة، بكل ما تحمله تلك الوجوه القديمة من تواريخ وتفاصيل وأفكار وأطماع ورؤى- إن كانت ثمة رؤى-، وبكل ما يرتبط بها من علاقات: داخلية وخارجية، اقتصادية ومالية وسياسية وثقافية ودينية.. الخ. صحيح أنها لم تختفِ تمامًا كما أرادت الثورةُ التي دفعَ لقاءَهَا الثوارُ حياتَهم ونورَ أعينهم، وكما يقتضي الحياءُ، لكنَّ الثورات لا تزيل الماضي بضربة فأسٍ واحدةٍ- كالانقلابات- وبالتالي فإن الظلالَ سرعان ما ستنقشع ليتشكَّلَ المشهدُ الجديدُ وفق رؤًى جديدة، ورجالٍ جددٍ، على المصريين أن يصوغوا ملامحهم بوعي.

"المصريون" لا يبدلون صور رؤسائهم بسهولة، لا بد أن نعترف بذلك، فـ"الاستقرار" الذي يزعمون، والذي يجلبون من أجله قصصًا ومشاهد وأحداثًا من التاريخ لتبريره، يجعل المصري يركن إلى ما يعرف، ولا يغامر وراء مجهول، وكثير من الأمثال الشعبية تحثه على ذلك: "اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفهوش"، بل وتدعوه إلى الرضا بالموجود حتى إن كان قليلاً: "ارض بقردك ليجيلك أقرد منه"، وبعضها يفضل أن يمالئ الحاكم الذي لا يستطيع مقاومته: "الإيد اللي ما تعرفش تقطعها، بوسها"، وأن يعمل على خدمة رئيسه وتثبيته في مكانه ما استطاع: "إن كان رئيسك طور، حش وارمي له"!

الكثير من المعتقدات الشعبية والدينية الخاطئة- إذن- مسئولة عن استمرار صورة رئيس ظالم خامل مثل حسني مبارك ثلاثين عامًا كاملة كانت مرشحة للاستمرار والتوريث، تلك المعتقدات نفسها تتحكم في ملامح "صورة الرئيس" القادم، على الأقل لأن أصحاب تلك المعتقدات يمثلون ثلاثة أرباع المصريين: أولئك الذين قالوا "نعم" للتعديلات الدستورية العجيبة في مارس 2011 لدستور أسقطته الثورة بالفعل، وأشَّروا بعلامة (صح) أمام شعار حزب جماعة الإخوان المسلمين "الحرية والعدالة" وحزب "النور" السلفي في الانتخابات البرلمانية، والذين ألمح إليهم، واستقوى بهم، المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم- بعد أن نفَّذتْ قواتُهُ مجزرة محمد محمود في نوفمبر 2011- حين قال في كلمة مسجلة إن المجلسَ العسكري مستعدٌّ للتخلِّي عن السلطة إذا طلبَ "الشعبُ" ذلك في استفتاءٍ عام!

"الشعب المصري"- بهذا الإطلاق الذي يشير إلى غالبيته الكاسحة- لم يكن يومًا في صف الثورة، أية ثورة، فهو لم يخرج للشارع مطالبًا بحقوقه المهدرة، ولم يتشكل في جماعات ضغط أو مصالح، حتى إنه لم يكوِّن "طبقات" بالمعنى المعروف في علم الاجتماع السياسي، بل إنه تردد كثيرًا قبل أن تنضم فئةٌ قليلةٌ منه إلى النشطاء في يوم الغضب وما تلاه، وكان خروجه الأكبر في جمعة النصر يوم 18 فبراير بعد أن تصور أن الأمر انقضى، ثم سرعان ما ارتد إلى مكانه المعهود، يصطفُّ في طابور مؤيدي الحاكم، أي حاكم، يبحث له عن مبرراتِ ديكتاتوريته وغبائِهِ، ويعتنق رؤيةَ إعلام السلطة مهما كان انحيازه وتبعيته وقلبه للحقائق، ومهما كان توجُّه تلك السلطة، ويمثل رأسَ حربةِ الهجومِ على الثوار الذين ما خرجوا إلا دفاعًا عن مصالحه ومستقبل أبنائه! وهذا لا ينفي بالطبع- ولا يتعارض مع- أنه يخرج تلقائيًّا أحيانًا، بشكل غير متوقع وغير محسوب، تعبيرًا عن الغضب من أمر ما، ثم سرعان ما يعود قانعًا بالفتات!

ما الصورة الرئاسية التي تُقْنِعُ شعبًا بهذه التركيبة الغريبة إذنْ؟

لا شك أن الإجابة لن تختلف كثيرًا من شخص إلى آخر طالما تعلق الأمر بالكلام: نريد رئيسًا مؤمنًا بالديمقراطية، وبحقوق الإنسان، وبحرية الشعب في التعبير، وبحقه في تكوين أحزابه ونقاباته واتحاداته المعبرة عنه والمدافعة عن مصالحه، عادلاً، وملتزمًا بالقانون والدستور، ومؤمنًا بتداول السلطة فلا يلتصق بالكرسي وفق أي دعاوى- صادقة أو كاذبة-، نريد رئيسًا لا أبًا، مواطنًا أوَّلَ يسير في الشوارع مثلنا ولا يحجزنا خلف إشارات المرور بالساعات كي يمر، رئيسًا بدون ابن يساعده ولا زوجة تعمل محله لتتسلى، ليس لديه حسابات سرية في بنوك الداخل أو في الخارج، ويعرف قيمة البلد الذي سيحكمه والمنطقة التي يمتد إليها تأثيره، ولديه رؤية لمستقبل مصر تضعها في مصاف الدول الكبرى: اقتصاديًّا وسياسيًّا لأنها تمتلك مقومات النهوض، من حضارةٍ وثقافةٍ وإبداعٍ ومواردَ وموادَّ أوليَّةٍ وعلماءَ وأيدي عاملةٍ ومياهٍ وأراضٍ شاسعةٍ.. الخ. لكن الخلاف يأتي حين نبدأ في تعريف هذه المصطلحات: الديمقراطية والحرية والتقدم، وغيرها، فالتقدم- مثلاً- عند العلمانيين هو اللحاق بركب الحضارة الغربية والمشاركة في صنعها، وعند السلفييين العودة للوراء خمسة عشر قرنًا!

لكن التاريخ يقول إن المصري يقدس كرسيَّ الحكم: من الفرعون الأول إلى الفرعون الأخير، فقد حُسمت الكثير من المعارك والصراعات بقوة الكرسي، أبرزها الصراع الذي حدث بين خلفاء عبدالناصر وحسمها كرسي السادات في خمس دقائق، حين أمر بوضع معارضيه جميعًا في السجون وعزلهم سياسيًّا، دون أن يخرج فرد واحد لمناصرتهم، وهو ما حدث مع أبو غزالة وأحمد بدوي وغيرهما في عهد مبارك، ومع المشير عبد الحكيم عامر من قبل في عهد ناصر.

لذلك فأنا لا أتصور أن المصري سينتخب رئيسًا "مننا" مهما قلت له عن تاريخه ونضاله لنصرة الفقراء من العمال والفلاحين والمعوزين، هو يريد رئيسًا "ملو هدومه"، كاريزما، يسلب القلوب حين يتحدث، و"ابن ناس" حقيقي يشرب السيجار الفاخر المستورد من كوبا، أو رئيسًا "يعرف ربنا"، ملتحٍ وعلى وجهه الأبيض العريض إمارات الطيبة، ويعد الأبرار الطيبين بالنعيم في جنة الخلد، أو- أخيرًا- سينتخب الرئيس الذي يقولون له إنه "يحمل الخير لمصر"!

أثناء الثمانية عشر يومًا (25 يناير/ 11 فبراير 2011) بدأت الصور المستقبلية تتحرك متخليةً عن ثَبَاتِهَا الجبري أـو الطوعي، تحاول أن تعرض على الأغلبية الساكنة مميزاتها استنادًا إلى أدوار قامت أو تقوم أو ستقوم بها، بعضها صور لمعارضين لعبوا أدوارًا متباينة في مناهضة ظلم وقهر العهد البائد، تستدعي ماضيهم وتلح عليه: "محمد البرادعي وهشام البسطويسي وحمدين صباحي وعبدالمنعم أبو الفتوح". وبعضها من داخل المشهد السابق ذاته تختلف في درجة القرب والبعد عن الكرسي الكبير، تنتقي مواقفَ وأفعالاً- دونَ غيرِهَا- لاستدعائها، محاولةً إبراز ما تظنه "مناطق النور" وتهميش "مناطق الظلمة"، محاولة زحزحة الانطباعات الراسخة في ذاكرة الشعب عن رجال اكتفوا بالأدوار التي أعطيت لهم من لدن الصورة الراسخة للرئيس الأب الأبدي، فاضطروا تحت ثقلها أن يتكلموا للكاميرات التي تلاحقهم، المأمورة والمأجورة، فأمسكوا بحبل الوصال من المنتصف، خشية فقد مكاسب حازوها، واقتناعًا بأن التاريخ لن يتوقف أمام منطقتنا ليعيد ترتيبها وفق معايير إنسانية كريمة عادلة، وإن توقف لا يثبت غير أسوأ ما عندنا: "عمرو موسى وأحمد شفيق وعمر سليمان ومنصور حسن". إضافة إلى صورة تختفي وراء لحية بيضاء كثة أتت من منطقة كانت تحرِّمُ السياسة كلها، وتكفِّر الخارجين على الحاكم، وإن كان ظالمًا: "حازم صلاح أبو إسماعيل". ولأن الصور جميعها أتت من خزانة الماضي، كل حسب موقعه، ولأن أصحابها تخطُّوا حاجز الستين عامًا، فقد برزت صورة أخرى لـ"خالد علي"، شاب من الميدان. هذا غير الصور الباهتة والهامشية.

الصور كثيرة ومتزاحمة، بعضها طامح والآخر طامع، والكثير منها هواة تصوير، لكن الجميع وجدوا في المناخ الذي أعقب سقوط صورة الديكتاتور فرصة لإظهار صورهم في أطر مذهبة، بعض المتزاحمين لم يستطيعوا الحصول على دعم أحد الأحزاب الموجودة، التي زاد عددها عن الخمسين حزبًا، وبعضهم لم يستطع الحصول على توقيع ثلاثين عضوًا برلمانيًّا، وآخرين لم يستطيعوا الحصول على ثلاثين ألف توكيل كشرط لتقديم أوراقهم للجنة العليا للانتخابات، وهذا متوقع أيضًا، فانحصرت الصور المرشحة للوصول إلى البرواز الفخم في دائرة التوقعات، وهي- من عجب- تنحصر في دائرتين لا تتماسان ولا تتقاطعان مع دائرة الثورة ولا تقتربان منها: دائرة الفلول التي قامت الثورة لتنظف وجه مصر من فسادها، ودائرة الإسلاميين الذين لا يؤمنون بالثورة منهجًا وعملاً.. بالطبع إذا استثنينا أسماء قليلة لا تمتلك فرصًا حقيقية للنجاح!

هل من الممكن إذن أن يحكم مصر الثورة رئيس قامت الثورة ضده، أو رئيس كافرٌ بها؟ هذا محتمل بالطبع، ولن يكون مفاجئًا في ضوء إصرار المجلس العسكري على عدم تفعيل قانون العزل السياسي ضد من أفسدوا الحياة السياسية طول نصف القرن الماضي، وتحالفه غير المعلن مع قوى وتيارات الإسلام السياسي، وهجومه المستمر على الثوار وممثليهم منذ سقوط مبارك وحتى الآن، سواء بالاعتقال أو بالسجن إثر محاكمات عسكرية سريعة، أو بالقتل في المجازر التي تعاقبت كحبات المسبحة، من موقعة كشوف العذرية في مارس 2011 "موقعة رصيدنا لديكم يسمح"، إلى موقعة استاد بورسعيد ضد شباب الألتراس- وقود الثورة وحصنها- في الأول من فبراير 2012. هذا غير أن "أصحاب السيرك" اختاروا أن تتم "اللعبة" بنفس أدواتها السابقة وكأن دماءً لم تسل على الإسفلت: القانون الذي وضعه مبارك "المخلوع" عام 2005، واللجنة القضائية التي عين مبارك "المخلوع" رجالها وحصنهم ضد النقض، وجهاز تنفيذي بقيادة الدكتور كمال الجنزوري، أحد أهم وجوه مبارك "المخلوع"، والمجلس العسكري نفسه مجموعة من القادة العسكريين عينهم مبارك "المخلوع"!

على أن صورة الرئيس القادم ليست العامل الحاسم- وحدها- في شكل المستقبل، مهما تكن قناعات هذا الرئيس وأحلامه وآماله، فالثقافة الشعبية السائدة تلعب الدور الحاسم في صنع الإطار الذي ستوضع فيه الصورة، الإطار الذي قد يظل واسعًا فضفاضًا وغير محدد المعالم- كما كان سابقًا- يبحث عن مبررات للديكتاتور ويصفق له "عمَّال على بطَّال"، أو يكون إطارًا حاكمًا يحجِّم الصورة، فيأخذ الرئيسُ ما له ويعطي ما عليه وفق آليات مراقبة ومحاسبة حاسمة على المستويات كافة. هذه المحددات إطارها دستور عصري يحدد الحقوق والواجبات بحسم، ويفصل بين السلطات، ويتضمن آلية التغيير إذا استلزم الأمر ذلك، دون حاجة للجوء إلى الميادين مرة أخرى، دستور يضعه ممثلون لكل فئات الشعب ليعبر عن الشعب كله، لا فئة منه مهما عظُمَتْ، دستور ينظر للأفراد كونهم مواطنين لا رعايا ولا أتباع ديانة. إلى جانب قوانين مفسرة ومكملة لا تنظر في أسماء من تطبق عليهم.

على أن الدساتير ليست مجرد عبارات إنشائية، ولكنها نظام حاكم يلزم الجميع دون استثناء، فمعظم الدول الديكتاتورية تمتلك دساتير تتضمن حريات مطلقة للشعوب، لكن أحدًا لا يلتفت إليها، وهنا يأتي دور "ثقافة" المواطنة والانتماء التي تجعل "المواطن" يلتزم من تلقاء نفسه مؤمنًا أنه عضو في جماعة أكبر، قوتها في نظامها، إن خرج عنها فرد واحد ستنفرط ويصبح من الصعب لملمة الفالت والهارب والخارج عن الإطار.

"صورة الشعب" إذن هي التي ستحدد "صورة الرئيس"، فلا نتصور أن يسكت شعب عن حقوقه ويتخاذل في المطالبة بها بالصور والأشكال والأساليب المتاحة كافة، فيأتيهم الرئيس طائعًا حاملاً حقوقهم إليهم! نحن الذين صنعنا كل الفراعين والمستبدين وأنصاف الآلهة الذين تتالوا على حكمنا طوال آلاف السنين- باستثناءات قليلة جدًّا- لأننا رضينا بالظلم. قد يكون من المفيد أن نضع دستورًا حاكمًا عصريًّا، لكنه سيظل مجرد "حبر على ورق" إن لم تحمه إرادات أفراد وجماعات تعرف ما لها وما عليها ولا تتنازل ولا تتهاون مهما كانت الضغوط، وبالمقابل قد يكون الدستور جائرًا في بعض مواده، يعطي لمن لا يستحق أكثر مما هو طبيعي، لكن وعي الشعب بأنه هو الذي يضع الدساتير وهو الذي يعدلها ويلغيها ويلقيها في القمامة- إن شاء- هو الضمانة الوحيدة لتغليب إرادته هو في النهاية، كما حدث في 25 يناير بعد سنوات طويلة من الانتظار واليأس. الشعب هو الذي من المفروض أن يضع شروطه وقوانينه ومبادئه ويلزم بها حاكمه، أيًّا كانت خلفيته الاجتماعية والإيديولوجية لا العكس، فإن تكاسل أو تباطأ أو التف عليها لا يجد إلا إرادة قوية متحدة لإزاحته بعد سنوات أربع، أو قبلها وفق آليات دستورية، واختيار غيره ممن يصلحون قادة لهذا البلد، قادة، لا آباء ولا زعماء تاريخيين ولا أنصاف آلهة، ومصر تمتلئ بمثل هؤلاء في كل المجالات.

سمير درويش

شاعر من مصر