صوت لفتح وحماس: الى ماذا ستفضي الانتخابات الفلسطينية؟

بقلم: خليل شقاقي
الصوت والخيار

كان أداء السلطة الفلسطينية خلال الشهور السبعة عشر الماضية مثيراً للإعجاب، فقد تمكنت رغم كافة الصعوبات من استعادة النظام في الضفة الغربية لدرجة لم يشهدها أحد منذ عدة سنوات. وقد تصدّت وجرّدت أسلحة مجموعات وطنية وإسلامية، كما أن الفساد لم يعد مستشرياً كما كان قبل بضع سنوات.

إلا أن هذا الاستقرار له كلفته، ففتح تسيطر في الضفة الغربية على السلطة التنفيذية للحكومة وعلى الخدمات الأمنية. وتسيطر غريمتها السياسية حماس على قطاع غزة والبرلمان. إلا أن البرلمان غير قادر على ممارسة سلطته على الحكومة. وتسمح الحكومة في غياب الإشراف لانتهاكات صارخة للقانون أن تمضي دون عقاب. في هذه الأثناء قامت قوات الأمن باعتقال مئات من المشتبه بكونهم جزء من حماس، دون توجيه تهم لهم أحياناً أو محاكمتهم، وكثيراً ما يستخدم التعذيب عند استجوابهم.

وليست السلطة الفلسطينية كذلك قادرة على ترجمة إنجازاتها الأخيرة إلى مكاسب سياسية في مفاوضاتها مع إسرائيل، فإسرائيل تتجاهل التزاماتها ضمن مقترحات السلام التي تدعمها الولايات المتحدة المعروفة باسم خريطة الطريق، وخاصة تلك المتعلقة بإنشاء المستوطنات وتفكيك شبكتها الواسعة من الحواجز ونقاط التفتيش في الضفة الغربية. نتيجة لذلك يتهم النقاد حكومة فتح بالتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي.

وما زال الأسوأ في الطريق. سوف تواجه السلطة الفلسطينية في المستقبل القريب أكبر أزمة دستورية منذ إنشائها عام 1994. ففي شهر يناير/كانون الثاني المقبل، تنتهي فترة حكم الرئيس محمود عباس، زعيم فتح الذي انتخب عام 2005، كما ستنتهي فترة البرلمان الذي تسيطر عليه حماس، والذي انتخب عام 2006. لم تقم حماس وفتح بتنظيم انتخابات جديدة.
يمكن أن يكون لغياب الشرعية المقبل هذا نتائج خطيرة.
نستذكر كيف، في العام 1999، عندما انتهى مفعول الترتيبات المؤقتة لاتفاقية أوسلو دون نهاية للاحتلال، كيف تجرأ وطنيون شباب بقيادة زعماء من فتح مثل مروان البرغوثي وبالتعاون مع الإسلاميين وقاموا بتحدي زعامة ياسر عرفات. ازدادت المطالب الشعبية يومها للعنف ضد الإسرائيليين بشكل ملموس، مما أدى إلى انتفاضة دموية استمرت خمس سنوات. واليوم، وصل الدعم الشعبي الفلسطيني للهجمات المسلّحة ضد المدنيين الإسرائيليين داخل إسرائيل أعلى مستوياته منذ عام 2005.
وحتى يتسنى استباق أية عودة للانتفاضة، يحتاج الفلسطينيون لأن يعودوا إلى السبيل الذي تخلوا عنه بعد انتخابات عام 2006 عندما رفض العالم الاعتراف بحكومة حماس وأن يتبنوا الحكم الديمقراطي بشكل كامل. يتوجب على فتح وحماس الاتفاق على تنظيم الانتخابات الوطنية في الضفة الغربية وقطاع غزة بحلول يناير/كانون الثاني المقبل. سوف يجد الفلسطينيون من خلال استئناف الديمقراطية أن بإمكانهم كذلك استئناف الوحدة الوطنية وتقديم خيارات حقيقية لجيرانهم الإسرائيليين للسلام والأمن. ولكن الفلسطينيين لا يستطيعون القيام بذلك وحدهم، فهم بحاجة لدعم وتفهم أميركي.
أدت المحادثات بين فتح وحماس خلال الشهور القليلة الماضية وبرعاية مصر إلى اتفاق من حيث المبدأ بعقد انتخابات برلمانية ورئاسية. تتطلب انتخابات كهذه أن تكون فتح وحماس مستعدتين للتشارك في السلطة لفترة قصيرة قد تبلغ ستة شهور وبناء قوة شرطة مشتركة في غزة لضمان عملية انتخابية عادلة .
ولكن الأهم من ذلك هو أن الأمر يعود إلى استعداد المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة لأن توافق على هذه الانتخابات.
ورغم أن الولايات المتحدة مهتمة بوضوح بتقوية شرعية السيد عباس وقدرات السلطة الفلسطينية، إلا أنها تخاف على الأرجح من النتائج المحتملة لعودة الفلسطينيين إلى الديمقراطية، إذ يمكن لحماس في نهاية المطاف أن تفوز بالانتخابات المقبلة، الرئاسية والبرلمانية.
تشير استطلاعات قمت بإجرائها إلى أنه رغم فقدان حماس لربع قاعدتها الشعبية تقريباً منذ آخر انتخابات في يناير/كانون الثاني 2006، (وهي تملك اليوم مساندة ثلث الناخبين المحتملين فقط) بقي الدعم لفتح مراوحاً مكانه عند حدود ما يزيد قليلاً على 40%. من الواضح أن هؤلاء الذين تخلوا عن حماس لم يتحولوا إلى فتح. أسوأ ما يتسبب بالاضطراب لفتح هو أن زعيمها الرئيس محمود عباس يمكن أن يخسر بسهولة لصالح إسماعيل هنية، زعيم حماس الذي يتمتع بشعبية أكبر.
قد يناقش الكثيرون أن أي نصر لحماس سيؤدي إلى تدهور عملية السلام. ولكن بالنسبة للعديد من الفلسطينيين، فإن هذا التصريح يخطئ الفهم. فإذا لم يتكلم الفلسطينيون بصوت واحد فلن تذهب عملية السلام بعيداً.
إضافة إلى ذلك، ليس من الضروري أن تخسر فتح الانتخابات، فهي تحتاج، حتى تفوز، أن تتغلب على نقاط ضعفها وتشظيها الداخلي، وأن تعقد مؤتمرها العام السادس المؤجل منذ فترة طويلة وأن تستعيد عباءة قيادة القضية الفلسطينية من خلال إظهار تقدم في إنهاء، أو على الأقل احتواء الاحتلال الإسرائيلي.
توفر انتخابات مجالس الطلبة التي عقدت مؤخراً، والتي تعتبر بارومتر لشعبية الفصائل في الضفة الغربية، سبباً لبعض الأمل. ففي جامعة بيرزيت على سبيل المثال، حيث فازت حماس بالانتخابات بسهولة في الأعوام 2006 و2007، فازت فتح في العام 2008 بهامش عشر نقاط مئوية. حدث ذلك بعد عشرة شهور من سيطرة حماس العنفية على قطاع غزة. وفي الشهر الماضي، هزمت فتح حماس في الانتخابات الطلابية مرة ثانية. رغم أن هامش فوزها انخفض إلى خمس نقاط مئوية بسبب الهجوم الإسرائيلي على غزة والشعور بخيبة الأمل بأداء السلطة الفلسطينية.
واليوم، يتوق الفلسطينيون بأسى لأمور ثلاثة: الوحدة الوطنية والديمقراطية والسلام. سوف تكون لهم فرصة، إذا عُقدت الانتخابات، لاستعادة اثنين منها، وهو أمر يستحق المجازفة.
ـــــــــــــــ خليل شقاقي، مدير المركز الفلسطيني للسياسة وبحوث الاستطلاع نقلا عن خدمة "كومون غراوند"