صهيل الجواد الخشبي

شعر: حسين علي محمد

1-الرحلة القديمة إلى جوفِ الليل: عملُ الليلَ مريحٌ
فاتركْ أرضَ الريفِ،
ففي غدِكَ المزهرِ ترحلُ للأرضِ الموعودةِ،
ولتصحُ مع الفجْرِ
لتركبَ أوَّلَ حافلةٍ
للقاهرةِ الحالمةِ الرحبةِ
ولتضعِ الوردةَ في عروةِ صدرِكَ
إيقاعُ الخطْوِ يُمثِّلُ قَفَزاتٍ
والحركةُ في قاعِ الصمتِ
وأنتَ كبيرٌ،
هلْ تجهلُ صولةَ عملِكَ ؟
إنكَ منفوخٌ كالدِّيكِ الرُّوميِّ ..
وأرضُ المكتبِ لامعةٌ
(والأرضُ الملعونةُ تختلطُ بروثِ الحيواناتِ،
وأمُّكَ تبصقُ بجوارِ الفرنِ،
وجدرانُ البيْتِ الكالحةُ تُثرثرُ ..
أنتَ تُجادلُ فلاّحي الحقلِ الخبثاءَ .. وتزجرُهمْ !
دقّ الجرسُ طويلاً في الردهةِ
أحضرْ كوبَ عصيرٍ يا رمضانُ ..
الجوُّ القائظُ يفتكُ بي
هأنذا أفتحُ صدري
للنسماتِ القادمةِ من البرِّ الآخرِ
لا أقدرٌ أنْ أتنفَّسَ في حضرتِكمْ
العرقُ اللزجُ بصدري
الفلاحونَ الخبثاءُ الجهلاءُ
أراهمْ في ثرثرةٍ فارغةٍ تحجبُ شمسَ الرؤيةِ
هل تتركُهُمْ ؟
أنتَ الآنَ خلعتَ جذورَكَ منْ تربتِهمْ
لا بأْسَ، تكلَّمْ في الواردِ،
والصادرِ،
والأسعارِ،
وآخرِ إقفالٍ للأسواقِ، وثرثرْ معَهمْ

2-من دفتر قديم: لو أملكُ يا ملكةَ أحلامي كلَّ كنوزِ الدنيا
لجعلتُ النهرَ المخصِبَ ملكَ يمينكِ
تغتسلينَ ..
وتمتشقينَ السيفَ
وتنتفضينَ
وأركضُ بينَ يديْكْ
يا أجملَ وجهٍ في عالمنا
أنتِ تفيضينَ كنهرٍ منْ أنهارِ الجنةِ
صوتُكِ نايٌ يُسعدُني
ما أعذبَ شعرَ الحبِّ
أراهُ وليداً أخضرَ في شفتيْكْ
ها نحنُ سئمنا الحربَ
سئمنا نشراتِ الأخبارِ
وسأَمٌ .. سأَمٌ ..
كلُّ الأشياءِ سَاَمْ !
هأنذا أفقدُ وجهي في اللحظاتِ الأولى منْ كلِّ صباحٍ
أُحضِرُ أوراقي
أبحثُ فيها ـ بين سطوري ـ
عنْ وجهي
لا أجدُ الوجهَ الريفيَّ الطيبَ
لكني أُبصرُهُ وجهاً فظاً وقبيحاً
أُنكِرُهُ،
لمْ أُبصِرْهُ منْ قبلْ
وجهَ الثورِ الهائجِ في حانةِ بلَّوْرٍ
أبحثُ ، أهربُ منْ ذاتي
أبحثُ عن جذري،
أبحثُ عن إشراقةِ وجهِ الأمِّ المكدودةِ
كلُّ الكلماتِ المصبوغةِ بالألوانِ البرّاقةِ
فاسدةٌ مسمومهْ
سُدَّتْ كلُّ خلايا جسدي

3-الرحلة إلى ظل جدار مائل: ـ أنتَ الآنَ كملكِ مخلوع .. نزعوا من فوق الرأْسِ التاجْ !
ـ أمُّكَ راقدةٌ بجوارِ الفرنِ،
تراها تبصقٌ،
تبلعُ ريقاً يحوي آثارَ البلغمِ،
رأْسُكَ معصوبٌ ..
بالمنديلِ الليليِّ، وتحلمٌ بالفجرِ القادمِ،
.. والأبوابِ العشرةِ دونَ رتاجْ
ـ هذي سنةُ الحزنِ ـ أقولُ لأمي ـ فالأيامُ ضنينهْ
ـ أنتِ سكتِّ وقلتِ كثيراً لليلِ شكاتَكِ ..
لا بأسَ .. فقولي يا أمي، فالنفسُ سجينهْ
هأنذا أرحلُ فيكِ إلى يومِ البعثْ،
فانتظريني يا أمي ..
لفِّيني في طيَّاتِ ثيابِكْ ..
قولي: كان بسيطاَ .. مِهذاراَ
كان يُحبُّ الخلاّنْ
كانَ يُحبُّ العظمةَ والسلطانْ
فليرحمْهُ الرحمنْ
شهقتْ أمُّكَ، فاضتْ روحُ المؤمنةِ .. وأنتَ وحيدٌ
اخلعْ نعليْكَ .. توضَّأْ
"هذا بابُ المسجدِ"
وقفوا في صفينِ طويليْنِْ
صلوا، والبعضُ يُبسملُ ويُحوقِلُ
ـ كانتْ سيدةً طيبةً
ـ لمْ تُنجبْ أحداً !!
ـ لا يا شيْخْ ؟!
ـ تركتْ خمسةَ أولادٍ
ـ ما فائدةُ الخمسةِ ؟
ـ قدْ تركوها في الشيخوخةِ
(أخفى دمعَ العينْ
حاولَ أنْ يتذكَّرَ يوماً من أيامِ المسكينةِ
لمْ يُفلِحْ !
أسندَ رأْساً محموماً لجدارٍ مائلْ)
وانفضَّ الناسْ ..
ـ ماذا يحدثُ قدّامي الآنْ ؟
"أمطارٌ .. ورعودْ"
"وسحاباتٌ حبلى فوقَ الرأْسْ
ـ منذُ نشأْتْ
لمْ أشهدْ أمطاراً تسقُطُ
في صحراءِ النفسْ 4-ملامح ختامية: لمْ يشهدْ بدراً .. أُحُداً .. أوْ حربَ التحريرْ
يعرفُ أنَّ الليلَ ضريرْ
سنَدَ الرأْسَ لظِلِّ جدارٍ مائلْ
سقَطَ صريعاً مثلَ بعيرْ ! حسين علي محمد ـ الرياض