صمت الجاهل وسقوط الخلاف

"إذا أرت أن تكون فنانا ثوريا، فلتكن فنانا أولاً"

كارل ماركس

الجهل، هو المشكلة الحقيقية التي تواجهها المجتمعات العربية، خصوصًا مصر التي تعتبر أكبر دولة ناطقة بالعربية من حيث عدد السكان الذي جاوز التسعين مليون نسمة، وتعاني من 45% من الأمية، إضافة إلى الكثير من استخدام وسائل التأثير على إضعاف قوة المصريين العلمية والذهنية، من إغراقهم في دوامة من المشاكل لا تنتهي، والخندقة الدينية وفق مفاهيم الإسلام السياسي.

كلَّ هذا أثر سلبًا في الشخصية المصرية بإغراقها في الكثير من الجهل المعرفي الذي لا يمكن التنبؤ معه الوصول إلى أي نتيجة إيجابية لمحاكاة البلدان المتقدمة في طريقة تعاطيها مع الحياة بشكل عام.

وإذا عدنا إلى قول كارل ماركس "إذا أرت أن تكون فنانا ثوريًا، فلتكن فنانًا أولاً"، لإيضاح الفرق الواضح بين الفنان الذي يروج لنفسه باعتباره فنان ثورة، بمعنى أكثر وضوحًا فإن الإنسان عليه ألا ينسب إلى نفسه أمورًا متراكبة، بل يبدأ بالأهم، فليس مهمًا أن تكون فنان ثورة – معبرًا عن روحها- بقدر ما هو مهم جدًا أن تكون فنانًا أولاً، تقوم بالدور التحريضي المعرفي، وبالمعني الحقيقي والدقيق لكلمة فنان من قدرة على الانصهار مع المجتمع وصولاً إلى حالة معرفية غير نمطية ولا سقف لها من الحرية الفكرية قادرة على التغيير الإيجابي المتمثل في وجود منجز حضاري مرتبط باللحظة التي نحياها الآن، أو تدعو إلى وجوده، ومن ثم بعدها قد تصبح فنان ثورة.

وعلى رغم المقولات التي تدعو إلى ضرورة وجود سقف أو حجاب يحيل إلى الغيبيات كل المشكلات التي تعترض العقل العربي برمته كأن يقال "إن البحر له سقف، وإذا خرج السمك عن هذا السقف مات أو هلك، والإنسان سقفه السماء التي يراها، فإذا خرج عن سقفه بعيدًا عن الغلاف الجوي اختنق، والنتيجة موته وهلاكه، فإن هناك من قفز بعيدًا عن هذه المقولات وأعمل عقله فاتهم اتهامات خطيرة، وبلغت مدى بعيدًا من النأي عن المنطقية التي خلقها الله فينا ودعا إليها الدين الإسلامي في أكثر من آية في القرآن الكريم "أفلا يتفكرون"، "أفلا يبصرون"، "أفلا يعقلون".

هذه المقولات المعرقلة لبلوغ تقدم ما بينها رابط يجمعها وآخر يفرقها، فأمَّا الأول فهو الدعوة إلى الابتعاد عن التفكير الجدي أو اتخاذ موقف عقلاني من كل ما يدور حولنا، وحتى موقفنا من الكون بوجه عام.

والرابط الذي يفرقها هو الدعوة أيضًا إلى عدم الخروج عن المألوف لدى العامة وعدم طرح الأفكار العقلية التي ينادي بها العقلاء الذين ينادون بضرورة ثورة للعقل العربي من أجل الخروج من هذا الخندق أو القمقم الذي نعيش فيه جميعًا بإحالة كل نواحي الحياة إلى عدم الخروج عن هذا السقف أو الغيبيات بوجه عام.

فإذا تم توفير مناخ حياة يستطيع الإنسان من خلاله العيش خارج الغلاف الجوي كأن يكون داخل مركبة فضاء مثلاً فإن خروجه لم يعن أبدًا هلاكه، كما كان يقال ويتردد، بل أدى إلى الاكتشافات الكونية الخطيرة التي استفادت منها الإنسانية.

وبهذه الصورة النمطية لمحدودية الإنسان القادر على اجتياز مفاوز الفكر بإعمال العقل، فلا يجب عليه أن يتخندق بعيدًا عن السلم الحضاري باعتبار أنه "ليس في الإمكان أفضل مما كان".

فاتهام العقل العربي بعدم القدرة على صناعة معنًى ما قادر على تغيير المضامين الحياتية لتوجيهها من سكونها إلى ديمومة قادرة على الوصول إلى منهج فكر حداثي، يحمل هذا الاتهام بين طياته كثيرًا من المنحنيات التي لم تدرس جيدًا باعتبار أن الهوية ما يعبر عنه الإنسان في اللحظة الحياتية الآنية وليست الماضية، أو المستقبلية، فالعقل العربي المتهم بميله بتديين كل مناحي الحياة، خصوصًا بعد اعتلاء التيارات الإسلامية كراسي الحكم في مصر –مثالاً- قادر أيضًا على عصرنة هذه المناحي من دون وضع عقبات وحدود وسقف فكري يمنع حرية ما من التفكير أو العقلانية التي ننادي بها، لكن الإحالة للغيبيات الدينية القائمة على البعد عن صلب الدين، يزيد من تجهيل الشعوب العربية، فلابد من احترام العقل احترامًا يحيل إلى المنطقية لا إلى اللامنطقية التي تفضي بالضرورة إلى الشعوذة التي أعتقد أننا لدينا قابلية كبيرة لها.

فلا بد من احترام العقل احترامًا تنضبط من خلاله دفة العقل العربي برمته، واحترام أن لكل أمة تراث وماض تحترمه، لكن لم يبلغ هذا الاحترام حد التقديس مما جعلها تتقدم.

فما كنا نراه منذ عشرات السنين غير مقبول تمت اليوم صياغته وإعادة تدويره في العقل، فأصبح ملائمًا أكثر مما مضى.

فالتخندق داخل أفكار ما، روج لتيارات كان لها مناصروها، بعضهم انقلب عليها بعد حين من الزمن حينما اكتشفوا أن هذه الأفكار ستؤدي بهم إلى الهلاك، بينما قبع الذين يصرون على الخندقة الفكرية والتشرنق داخل فكرة غير سوية ومرفوضة إنسانيًا ورفضتها كل الشرائع وهي "قتل الإنسان"، فالله سبحانه خلق الإنسان لكي يحيا لا ليغتال ويقتل وتصادر أفكاره بدعاوى صادرة عن جاهل، فإذا صمت الجاهل سقط الخلاف بالضرورة.

فأولئك الجاهلون الذين يصرون على قتل الأبرياء واغتيال البسمة من على شفاه الأطفال، وإقصاء كل من ليس معهم، إيمانًا بمقولة "كل من ليس معي فهو ضدي" يسبحون بنا جميعًا ضد التيار المعرفي المسكون بالاختراع والتقدم، لنغوص في برك وحمامات من الدم في حرب لا يعرف فيها من الخاسر ومن الرابح وحسب تعبير كوندوليزا رايس "الفوضى الخلاقة"، وحاليًا ما يمكن تسميته رسم خريطة شرق أوسط جديد.

لا بد من إعلان ثورة عقلانية نخبوية وشعبية في الآن، لا تنادي بالضرورة بقطيعة ما بينها وبين كل موروث، بل تدعم هذا الموروث وتبلوره بالصورة التي تناسب التغيرات الحياتية التي تدور حولنا حتى لا نتهم بالتشرنق والتخلف المؤدي إلى الهلاك، فبإعادة النظر في طريقة التفكير مرورًا بالإيمان بضرورة التغيير الهادف، يمكن أن نأخذ من كل طرف ما يفيدنا، فالاحتلال الذي نعاني منه الآن في بلدان كثيرة من قوات معادية تقتل وتبيد اتخذت طريق العقل سلمًا، فسيطرت على الشعوب المتخندقة في أفكار لم يتم تحديثها، فلابد من تصحيح مسار ما من التفكير – كما قلنا لإضافة معنًى قادر على التغيير المؤدي إلى الحياة الأفضل، فلا نترك الفرصة لـ"آخر" يسيطر على مقدراتنا بسبب جاهل لو صمت لسقط كل خلاف.