صلالة تروي قصة الإنسان والمكان في عهد قابوس

صلالة (عُمان)ـ من د.حسين شحادة
جنة المناظر الخضراء

تتأثر الأجزاء الساحلية والجبال المتاخمة لها في محافظة ظفار والتي تطل على بحر العرب بالرياح الموسمية التي تأتي من المحيط الهندي فتغطي سهولها وجبالها بالسحب والضباب وتشبع أرضها بالأمطار والرذاذ وتتحول أجزاء كبيرة من محافظة ظفار خاصة المناطق الساحلية والمنحدرات الجبلية والهضاب الأمامية لسلسلة جبال ظفار الى مروج خضراء بعد فصل الصيف الجاف وهذه الحالة تستمر من يونيو/حزيران الى سبتمبر/أيلول من كل عام.
وليس الطقس وحده هو عامل الجذب في محافظة ظفار حيث تتمتع المحافظة بعدد من مقومات الجذب السياحي المهمة والأساسية في صناعة السياحة في أي مكان بالعالم ومن ذلك المقومات التاريخية مثل المدن الأثرية التي يعود تاريخها الى ما قبل الاسلام مثل مدينة سمهرم في ولاية طاقة ومدينة البليد الساحلية في صلالة وهي مدينة اسلامية، وفي هذه المدينة تم تنفيذ العديد من المسوحات الأثرية وجهزت لاستقبال السياح وذلك بتنظيف الخور وعمل ممرات للمشاة مرافق خدمية.
وقد تم اعتماد الموقع من قبل اليونسكو كواحد من مواقع التراث العالمي التي تقع ضمن ما يعرف بطريق الحرير وهي بحق متنزه أثري حيث يوجد في الموقع المتحف الوحيد الحالي في محافظة ظفار وهو متحف أرض اللبان ويقع المتحف في قاعتين كبيرتين وهو متحف يضم الكثير من الجانب التاريخية والأثرية والوثائق العمانية.
وفي محافظة ظفار العديد من المزارات الأثرية والمواقع التاريخية والمحميات الطبيعية ومناطق صون الطبيعة والمناطق ذات الحساسية البيئية إضافة الى كل ذلك تتمتع مدينة صلالة بالكثير من الخدمات الضرورية للايواء كفنادق الخمس نجوم والفنادق الصغيرة التي تلبي كل الرغبات والأجنحة الفندقية والشقق الفندقية والمجمعات السكنية والمساكن الخاصة التي يمكن الحصول عليها حسب أذواق ورغبات القادم وحسب ظروفه المادية، ومن هذه المزارات الدينية موقع النبي أيوب وعمران وعابر بن هود ودحقة صالح.
وتقع أهم الفنادق من فئة خمس نجوم مثل فندق كراون بلازا صلالة وفندق هيلتون على الساحل وهي منتجعات تضم العديد من الخدمات الترفيهية وغيرها.
ويعتبر مهرجان صلالة السياحي الذي ينطلق سنوياً في الخامس عشر من يوليو ويستمر لمدة ستة أسابيع من كل عام أحد عوامل الجذب المهمة للسياحة في محافظة ظفار نظراً للفعاليات الفنية والثقافية والتجارية والترفيهية والرياضية التي يحتضنها والتي تجذب الملايين من الزوار المواطنين والمقيمين والسياح الذين يحرصون على متابعة مختلف أنشطة هذا المهرجان الشامل الذي يحمل شعاره هذا العام "مسيرة وإنجاز" حيث يزورون المركز الترفيهي للبلدية لسهل أتين وبعد الانتهاء من تنفيذ مشروع مسرح المروج الذي كلف حوالي أربعة ملايين وأربعمائة ألف ريال أصبح هذا المسرح يحتضن أهم الفعاليات الفنية الثقافية كالسهرات الفنية الغنائية التي يشارك فيها فنانين عمانيين ومن مختلف الدول العربية وكذلك الأمسيات الشعرية وغيرها وهو من المعالم الحضارية في مدينة صلالة حاضرة محافظة ظفار ومركزها الاداري والتجاري وأكبر مدن المحافظة وأكثرها سكاناً والتي تتميز بمساحتها الواسعة المنبسطة حيث تقع في السهل المعروف بسهل جربيب.
ويحتفي مهرجان صلالة السياحي في دورته لهذا العام بانجازات اربعين عاماً من النهضة العمانية حيث يشمل حفل افتتاح المهرجان الذي سيقام بمسرح الولايات بالقرية التراثية بمركز البلدية الترفيهي على اوبريت عماني بعنوان "سيرة وانجاز".
وكشف رئيس بلدية ظفار الشيخ سالم بن عوفيت الشنفري ان "فكرة احتفالية هذا العام يجسد قصة الانسان والمكان منذ تولي السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في البلاد، حيث تم التعبير عن مظاهر النهضة واهم انجازاتها في تسع لوحات تجسد كل واحدة منها طبيعة ما تحقق على ارض الواقع بكل مميزاته وسماته، بعرض هادئ مرفق بنص يوثق الانجازات بالصوت والصورة ويراعي جوانب الموضوع ودقة الاخراج".
وأضاف الشنفري في مؤتمر صحفي ان مهرجان صلالة السياحي هذا العام الذي يرعى افتتاحه وزير ديوان البلاط السلطاني علي بن حمود البوسعيدي أنه قد تم تخصيص اللوحة التاسعة من اللوحات الاحتفالية "لتكون شهادة عرفان لقابوس الذي وعد فأنجز وخطط واحسن التخطيط، ولمسة إجلال وإكبار لباني النهضة".
كما اضاف ان "مهرجان هذا العام سوف يشهد العديد من الانجازات والابداعات والمفاجأت المختلفة التي تميز مهرجان هذا العام عن السنوات الفائتة وذلك تزامنا مع الذكرى الاربعين لتولي السلطان قابوس مقاليد الحكم في البلاد ".
ويشهد مهرجان ظفار كل عام نجاحاً لافتاً نظراً إلى الأعداد الكبيرة من المواطنين العمانيين والخليجيين والأجانب الذين يتوافدون على هذه المنطقة السياحية الشهيرة، حيث تتوفر الإنجازات الجديدة على الأرض كل سنة.
وهذا ما دعا ممثلي الشركات السياحية الألمانية والاسكندنافية ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ إلى الإشادة بالمقومات السياحية التي تتميز بها سلطنة عُمان، حيث أكدت تلك المؤسسات أن السلطنة مهيأة بإمكانياتها السياحية لأن تكون بلداً سياحياً كبيراً خلال السنوات المقبلة.

وعندما تقارن محافظة ظفار بمعظم مناطق شبه الجزيرة العربية تستحق بجدارة ذلك الاسم الذي أطلقه عليها "وندل فلبس" بأنها "جنة المناظر الخضراء"، وذلك لما تتمتع به من مزايا ومقومات، وانفرادها بمناخ متميز باعتداله طوال العام، إضافة إلى شهرتها التاريخية بإنتاج اللبّان الذي كان يستخدم في الطقوس الدينية في مصر وبلاد ما بين النهرين وبلاد الروم واليونان والهند، ولا يزال ينتج إلى يومنا هذا، ومن أشهر موانئ تصديره ميناء سمهرم الذي يقع في ولاية طاقة، وكذلك ميناء البليد والتي كان يطلق عليها اسم المنصورة.
ويحظى اللبان باهتمام بالغ من الناحية الطبية، اذ أنه علاج لكثير من الأمراض، وكان القدماء يستخدمونه مقوياً للمعدة والقلب وعسر الهضم وزيادة الشهية، ويستخدمه الأهالي في ظفار في ماء الشرب اعتقاداً بأنه يساعد على الادرار وجعل الماء بارداً، وفي تعطير منازلهم، وكذلك في الأعراس اعتقاداً بأنه يحصن العريس من الأعين الشريرة.
ومن بين التقاليد المعمول بها في محافظة ظفار ما يحدث عند الزواج الأول للرجل حيث يعدون المباخر الضخمة من الفخار ويحملونها ـ عادة ـ فوق الرؤوس يملؤونها بكمية من الرماد توضع فوقه جمرات من الخشب المحترق ثم تلقى عليها فصوص من ثمار اللبّان، تذوب ويتصاعد البخور منتجاً رائحة منعشة ومحببة.
وتتمتع محافظة ظفار بشواطئ جذابة وغنية بطبيعتها المميزة حيث توجد الكهوف والمداخل المعرّجة، والخيران المزدحمة بالطيور.
ففي شمال المحافظة يوجد خور "أركحل" الذي يزدحم بآلاف من طيور الفلامنغو والطيور البحرية الأخرى خصوصاً خلال فصل الشتاء، وخور "سينور 9" بالاضافة الى شواطئ الشويمية التي تريح النفس وتدعو زوارها لمزيد من الاستكشاف.
أما في جنوبها فتتميز المحافظة من صلالة وحتى مرباط بشواطئها الجميلة وأهمها شواطئ القرم، خور صلالة، خور البليد، خور الدهاريز، خور صولي، خور أثيب، وخور روري، وشواطئ مرباط، الى جانب بعض الشواطيء القريبة غرب صلالة مثل شواطئ ريسوت والمغيسل التي فيها تكوينات صخرية مثيرة لاهتمام الزوار حيث تحتوي على ثقوب تخرج منها مياه المد العالي على شكل نوافير عالية الارتفاع متنوعة الأشكال.
وهناك شواطئ مدينة مرباط التي يجد فيها هواة التزلج على أمواج البحر المنكسرة مكاناً جميلاً لممارسة هوايتهم.
كما ينتشر العديد من الأودية والعيون في المحافظة، وتنحدر معظمها من الجبال، ومن أهمها وادي دربات المعروف بشلالاته المائية في فصل الخريف.
كما يوجد وادي أنضار في ولاية ثمريت بالاضافة الى وادي مقشن الذي يعد من أكبر الأودية المائية في ولاية مقشن.
وتوجد بالمحافظة العديد من العيون القريبة من سهل صلالة حيث تجري بها المياه على مدار السنة، وتتكاثر حولها الأشجار والأعشاب الخضراء، وأهم هذه العيون عين رزات وعين جرزيز وعين صحنوت وعين حمران.
وتزخر محافظة ظفار بثروة سمكية هائلة نظراً الى إطلالها على البحار المفتوحة ـ بحر العرب والمحيط الهندي ـ وفي مقدمتها سمك السردين الذي يستخدمه الأهالي علفاً للحيـوان وسماداً للمزروعات الى جانب كونه من أهم الأسماك الغنية بالبروتين والفوسفور وهي غذاء مرغوب للانسان.
كما توجد أنواع أخرى وفيرة ومتعددة من الأسماك التي أصبحت تشكل ـ الآن ـ واحدة من مصادر الدخل القومي للسلطنة، وربما جاء في مقدمتها "الشارخة والصفيلح والروبيان".
ولا يجد الزائر لمحافظة ظفار صعوبة تذكر في الوصول لمعظم مناطقها التي لا تبعد كثيراً عن مدينة صلالة.
وتمتد طرق السيارات المزدوجة من حدائق المعمورة في شرق المحافظة إلى ميناء ريسوت بأقصى غربها.
إلا أن أهم تطور تشهده المحافظة هو تشييد شبكة واسعة من الطرق المعبدة التي سهلت من أمر الوصول الى مناطق كان مجرد التفكير في زيارتها ضرباً من المستحيل.
كما أن المسافة بين مسقط وصلالة والتي تصل إلى ألف كيلومتر أصبح بالامكان قطعها خلال ساعات قليلة عبر الطريق المعبد، وهي المسافة التي ظلت إلى خمسة عشر سنة مضت تتطلب أياماً عديدة لقطعها تتعرض خلالها السيارات لخطر الغوص في رمال الصحراء الناعمة والقاسية أيضاً.
أما الوسيلة الأسرع والأيسر للتنقل بين مسقط وصلالة فهي استخدام الطائرة التي تتيح للزائر فرصة الاستمتاع بالمناظر الطبيعية أثناء التحليق على الارتفاعات الشاهقة، وتوجد رحلات جوية منتظمة تأخذك من مسقط إلى صلالة في أقل من ساعة.
أما إن كنت من هواة السفر عبر الطرق البرية فيمكنك أن تصل إلى عروس ظفار في ظرف إحدى عشر ساعة داخل سيارتك أو إحدى حافلات النقل العام المكيفة التي تُسير رحلات منتظمة.
والسفر إلى صلالة بالطريق البري تجربة مثيرة تحقق لقائد السيارة أو راكبها متعة المشاهدة على جانبي الطريق الذي لا يعاني إزدحاماً في حركة المرور إلى جانب توفر الموتيلات الحديثة والاستراحات الأنيقة بامتداد الطريق وهي مجهزة بكافة وسائل الراحة والخدمات وتتوفر أيضاً بصلالة مجموعة فنادق فاخرة تعمل على توفير أسباب الراحة والمتعة لزوار المدينة وتقدم ألوان الأطعمة الشهية التي تناسب كافة الأذواق وتعد أسعار الاقامة بها في متناول الجميع.
على أن المشكلة الحقيقية التي تواجه الزائر لهذه المدينة الساحرة هي كيف يمكنه مغادرتها عندما يحين وقت الرحيل وقد أسرته ذكرياتها الجميلة وارتبط بمفاتن سواحلها وطبيعتها الندية الخضراء ونسماتها الخريفية المنعشة وما انطبع في ذاكرته من مشاهد التراث العريق لأهلها وبيوتها وقلاعها، ولا يبقى له من سلوى سوى حلم العودة إلى هذه الحاضرة المدهشة في أقرب وقت يتاح له.