صلاح عيسي مؤرخاً شعبياً

بقلم: مهدي بندق
شخصيات لها العجب

يرى المؤرخ التقليدي أن الأحداث الجديرة بالتسجيل هي حسبُ قيام الممالك ونشأة الدول، ثم الحروب بينها انتصارات وهزائم، فالمؤامرات والدسائس بين النخب الحاكمة...الخ لكن عصر الديمقراطية أرسى قيماً مختلفة، فرأينا المؤرخين الجدد يهتمون بمصائر الناس العاديين بما يضفي عليهم صفة الفاعلية.
في هذا السياق يتألق محمود إسماعيل صاحب "الحركات السرية في الإسلام" و"سوسيولوجيا الفكر الإسلامي"، ويبرز اسم عبدالهادي عبدالرحمن الذي حاول بكتابه "جذور القوة الإسلامية" تخليص السيرة النبوية من خرافات روجها مؤرخو السلاطين لأغراض السياسة، مؤكدًا بذلك طبيعة النبي البشرية المعبر عنها بقول أبي بكر الصديق: "من كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت".
أما صلاح عيسي، فقد رأى بحسه الوطني أن تعديل ثقافتنا الشعبية يبدأ بحمل الناس البسطاء إلى مقدمة مسرح التاريخ باعتبارهم صانعيه الحقيقيين، وعليه جاء اختياره لهم كأبطال للأحداث في كل مؤلفاته التاريخية: الثورة العرابية، حكايات من مصر، رجال مرج دابق، رجال ريا وسكينة، مثقفون وعسكر، وأخيراً "شخصيات لها العجب" وهو في هذا يتمثل بالمقريزي، حيث لا يسمح لأية أيديولوجية أن تعكر على صفاء رؤيته المنتمية للشعب المصري وحده، دون التفات إلى اختلافات أفراده بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس، ولذا فسيرى قارئه المصريين بما هم عليه فعلاً: وداعة وشراسة، حقارة ونبل، طيبة قلب وسوء طوية. باختصار سيرى القارئ شعباً حقيقياً، يتنفس أفراده نسيم الحياة، ويتلظى بقيظها اللاهب مثل كل شعوب الأرض. والعبارة السابقة تشي بما يستهدف المؤرخون الجدد تأسيسه لعالم إنساني موحد بحكم وحدة البيولوجيا، إدراكا ً منهم أن أية ثقافة تعارض البيولوجيا مآلها الانقراض. مهدي بندق Tahadyat_thakafya@yahoo.com