صفعات ما بعد 'الفجر'.. سيناريو ما قبل اختفاء الجرذان

.."ما خُلقَ للزحفِ.. لا يُمكن أن يطير".!

ربما كان هذا هو التوصيف الدقيق للحالة القطرية الآن بعد القرارات الموجعة التي اتخذتها ثلاث دول خليجية ومعها مصر ودول أخرى، فيما يشبه إعلان حرب على نظام في الدوحة، أصبح "ورماً" يجب استئصاله بعد أن فشلت كل مسكنات "تبويس اللحى"، ومع ذلك فإن السؤال الموجع: هل قرارات ما بعد فجر الاثنين، وليدة اللحظة، أم أن لها خلفيات أكثر مأساوية طيلة أكثر من عقدين، تزامنت مع ما يشبه التوافق الإقليمي ـ وربما الدولي ـ على أن يدفع اللاعبون بالنار ثمن ما اقترفوا. هذه النقطة الأخيرة بالذات هي مربط الفرس الأكثر أهمية.

قبل أكثر من 7 أشهر، قال لي صديق عزيز إعلامي بريطاني في مراسلات أحتفظ بها، إن عواصم غربية ضاقت ذرعاً بالتصرفات القطرية وأن أجهزت استخبارات رصدت تورطاً قطرياً مباشراً في دعم جماعات وتنظيمات الإرهاب ليس في الشرق الأوسط ولكن في عواصم كثيرة. وقال لي: انتظر سأزور القاهرة قريباً وأطلعك على ما لدي من تفاصيل.

وبعدها بأسابيع وقبل أربعة أشهر تقريباً، جاء فعلا في زيارة سريعة، والتقيته 4 مرات. قال لي: إنتظر نهاية النظام القطري بحلول أواخر أبريل أو مايو؟ استغربت للغاية وذهلت من المعلومات التي تضمنت تدخلاً قطرياً مباشرا لبث الفتنة وإسقاط دول خليجية وعلى رأسها السعودية والإمارات. وعن مصر قال لي: مصر هي العدو الرئيسي لقطر بعد السعودية مباشرة. وشرح لي الكثير.

المفاجأة أنه قال لي: إن صديقاً مقرباً منه حضر اجتماعاً سرياً في لندن لعدد من مسؤولي المخابرات الغربيين كانوا يناقشون خطورة قطر وارتباطها بإرهابيين وثبوت تمويلها لهم. وأضاف: إن مصر قدمت ملفاً هو الأخطر بالوثائق شرائط الفيديو والمكالمات المسجلة تؤكد رعاية قطر للإرهاب في مصر وفي عواصم خليجية وعربية وغربية، وأن نسخاً من هذا الملف لدى دول خليجية مثل السعودية والإمارات والبحرين الكويت.

الأكثر إن مسؤولاً استخباراتياً فرنسياً حضر الاجتماع، وسرّب نهاية "القضية القطرية" بحلول نهاية أبريل أو مايو 2017؛ وأن تميم سيكون في ذمة التاريخ.

للأمانة.. أخذته والتقينا سوياً بمكتب مسؤول مصري رفيع جداً. وجلسنا لثلاث ساعات في نقاش ساخن نستمع ونحلل ونستقرئ. عن نفسي كانت داخلي شكوك كبيرة في إمكانية حدوث ذلك. ولكن صديقي البريطاني كان متأكداً من السيناريو مراهناً على غباء القيادة القطرية وسوء نواياها تجاه دول الخليج المركزية وتآمرها الواضح والفاضح.

ولما سألته عن لماذا هذا التأكيد على لسان المسؤول الاستخباري الفرنسي تحديداً، قال إن فرنسا بعد حكم ساركوزي، تعاني من تغلغل قطري واضح باستخدام المال والرشوة السياسية، ودعم لمتشددين وجماعات إسلامية أصولية وشراءهم بالريالات القطرية، زاد من حفيظة فرنسا خاصة مع تزايد عمليات إرهابية هناك.

طيلة الأيام الماضية كان الصبر المصري على "صبيان" الدوحة يثير التعجب. ولم يدرِ أحد أن سيناريو الغباء لدى صانع القرار القطري يتفاقم ويجهز لنفسه مزيداً من الأكفان. ومع بداية التوتر الخليجي مع الدوحة، بدا تميم قطر كحفار قبور في أعتى حالات شبقه، وكأنه صدَّق أن بإمكانه الاستمرار في مناطحة زعامات خليجية راسخة، ودول تاريخية تركت له الحبل ليلفه أكثر حول عنقه.

وعندما وصل الشيخ محمد بن زايد للرياض قبل أيام، قلت في سرِّي: إننا نتجه نحو لحظة الصفر. ولما جاء وزير الخارجية السعودي للقاهرة التي سبقها زيارة الجزائر وتونس، وقبله ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وزيارته المفاجئة لروسيا ولقائه الرئيس بوتين، تأكدت أن الصبر الخليجي المصري على الدور التخريبي القطري قد تجاوز منتهى الاحتمال، ولم يبق سوى ساعات على اكتمال الترتيب لمقدمات الزلزال المدوي، خاصة وأن القيادة القطرية ركبت رأسها وصدقت نفسها ولم تقدم أي تبرير رسمي منطقي من الديوان الأميري للتصريحات المتعجرفة يحتوي الأمر.

قطر الآن معزولة براً وبحراً وجواً، وكارثة اقتصادية ستضرب قطاع الطيران والأعمال، بالتزامن مع ما يشبه تحديد إقامة مواطنيها الذين تتزايد الشكوك في عدم تذمرهم وتململ أجنحة أخرى خاصة جناح آل أحمد، الذي تم الانقلاب عليه، وكذلك تشكيل جبهة معارضة من أمراء ونافذين لأول مرة ضد هيمنة الشيخة موزة ومستشاري السوء من عزمي بشارة لعبدالله العذبة. وكلها عموماً تشكل أحزمة ضاغطة لتغيير داخلي من هيكل الأسرة الحاكمة نفسها أولاً، حيث لا أمل في تحرك شعبي أو انقلاب عسكري لعوامل متعددة وربما مضحكة.

أخيراً.. وفي ليلة اختفاء الجرذان، السياسية والإعلامية، أجد نفسي مديناً لصديقي الإعلامي البريطاني (D.M) وأقرُّ وأعترف له على الملأ ـ وربما يقرأ رسالتي الآن (لن أضطر لترجمتها لأنه يجيد العربية) ـ بأنه كسب الرهان، وله عندي أكلة سمك وجمبري كتلك التي أكلناها سويا في مطعم كافيار.. على حسابي طبعاً.