'صفر فاصل'.. الثورة التونسية تُحلّل في المشرحة

توفيق الجبالي يواجه الواقع دون قناع

تونس - لم تجمعهم الحياة بل إنّ الصدف وحدت بينهم في غرفة باردة ومظلمة ليستفيق الاموات في المشرحة يحللون ويناقشون وضع البلاد التونسية بعد ثورة الياسمين.

وبعد استحضارهم للواقع المؤلم والموغل في الضبابية والمستقبل المظلم لتونس ينعون بلدهم بتراجيديا سوداء فاقت تراجيديات شكسبير.

وينتقل الموتى الثلاثة من نقد النظام النهضوي الى السخرية منه في مسرحية المخرج والممثل التونسي توفيق الجبالي "كلام الليل صفر فاصل".

وبدات المسرحية بمشهد عروسين في ملابس الزفاف يركضان بشهيد في حيرة كبيرة، ماذا يفعلان به وأين يضعانه، مشهد يختزل حيرة التونسيين الثوار الذين اسقطوا نظاما لكنهم سقطوا في حيرة الاتجاه حين وجدوا أنفسهم أمام سؤال مؤلم:وماذا بعد؟.

كما يروي الممثل المسرحي التونسي توفيق الجبالي صحبة رؤوف بن عمر ونوفل عزارة والفقيد محمد الارناؤوط الغائب الحاضر في العمل يوميات التونسي من منظار ثلاثة اشخاص اقدموا على الانتحار كل بطريقته ولعل بالجبالي اراد ان يركز في نصّه على "تيمة" الموت في اشارة الى اننا بتنا الأموات الأحياء الذين يجهلون حاضرهم ولا يعرفون مستقبلهم.

وفي المشرحة تقتحم الشخصيات المقنعة الثلاث عالم الاحياء وتتحدث عن واقع التونسي خاصة بعد تاريخ ثورة الياسمين التي اطاحت بالرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي لتصعد مكانه الى سدة الحكم حركة النهضة الاسلامية والتي تتهاوى بدورها شعبيتها بصورة متسارعة.

وينقد الاموات في المسرحية التونسية محاكمات رموز الفساد بعد الثورة، والنفاق الديني وصكّ الغفران الذي بات بأيدي اشخاص معينين وعن المقدسات وثنائية الجنة والنار والفتاوى الغريبة التي انتشرت في بلادنا انتشار النار في الهشيم والطائفية والتطرف ودعوة الدعاة وغسيل الادمغة الذي استهدف الشباب التونسي.

وبعد صعود النهضة الاسلامية الى الحكم توافد غلاة الدعاة الوهابيين الى تونس قادمين من دول خليجية، وانتشرت افكار التطرف الديني والفكري مع تنامي سطوة التيارات السلفية وتمدد نفوذها دون حسيب او رقيب.

ويحاول الجبالي في عمله الجديد "صفر فاصل" مقاربة مرحلة ما بعد الثورة التونسية من خلال الموتى الذين يرقدون في بيت الأموات وينهضون آخر الليل لمحاولة فهم ما جرى لتونس خلال الثورة وما يجري بعدها فيدخلون في حوارات متشعبة حول الاغتيالات وقضية القناصة وظروف استشهاد هؤلاء أو موتهم وانتماءاتهم السياسية.

كما يتطرّق العمل إلى مهازل كتابة الدستور التونسي الجديد الذي اثير الكثير من الجدل حوله بسبب كثرة الثغرات المتواجدة فيه ومحاولة القائمين عليه في بعض الفصول طمس معالم المدنية والانتصار للمرجعية الدينية.

\'تونس عادت إلى مستوى الصفر\'

ويتنزل عنوان المسرحية \'صفر فاصل\'، تلك العبارة التي أطلقها الفائزون في انتخابات ما بعد الثورة التونسية على خصومهم الخاسرين في شكل من التشفي السياسي الذي قسم المجتمع التونسي كما يرى عدد من المراقبين والمحللين إلى منتصر وآخر مهزوم.

ويقول الممثل التونسي عن مسرحيته ان "كلام الليل لم تكن يوما منذ نشأتها مساحة او مصبا للبذاءة السياسية وان حامت حولها الشبهات كذلك فلان الناخب السيء لا تقوده الا غريزته النفعية المباشرة وفهمه البطيء لما خفي عنه".

فتونس- كما تقول إحدى شخصيات المسرحية- "عادت إلى مستوى الصفر"، فهل يكون ذلك منطلقا لها لتنهض من جديد أكثر عنفوانا أم إن الصفر مجرد نقطة نهاية لشعب ووطن وحلم.

وكانت مسرحية \'كلام الليل\' بأجزائها المختلفة للمسرحي التونسي توفيق الجبالي والتي حصدت نجاحا جماهيريا منقطع النظير في تونس عملا مؤسسا ومؤثرا في المشهد المسرحي التونسي في تسعينيات القرن الماضي وقدم الجبالي أعمالا كثيرة قبل وبعد \'كلام الليل\' منها "ذاكرة ديناصور" و"عطيل" و"ضد مجهول" و"المجنون" و"هنا تونس" و"أربع ساعات في شاتيلا" وغيرها، لكن مسرحيته بأجزائها المختلفة تلك بقيت العلامة الأبرز.

وفي "صفر فاصل" يثور الجبالي على الموت السياسي ويخلق حياة اخرى بعدها حيث بامكانه الحديث والتعبير والمحاكمة والمحاسبة دون رقيب فتراه يضع القناع واخرى يواجه الواقع دونه وطورا يظهر في صورة المواطن العادي.

ويعتبر الجبالي "الصفر هو الفراغ، الثقب، الدائرة، النقطة، الحلقة المفرغة، وهوالمطلق، اللاشيء، نقطة التحول ولحظة تدمير الخيال المريرة".

وفي \'كلام الليل\' حقق الجبالي ذروته الإبداعية، وظلت أعماله الأخرى تنطلق منه حتى تجاوز العمل صفته كعمل مسرحي إلى مرتبة المشروع المسرحي.

ويبدأ العرض المسرحي بحيرة ماذا سنفعل بعد الثورة؟ وماذا نفعل بالشهيد وينتهي بحيرة الأموات والشهداء وعدم قدرتهم على الفهم أو العثور على الحل بعدما امعنوا في قراءة المشهد السياسي الراهن الموغل في الضبابية والعتمة.

اعداد: لمياء ورغي