صعود الصين: 'التصين' هو العولمة المرتقبة

بقلم: ياسر خليل

تنبؤات المحللين والباحثين بصعود الصين كقوة عظمى تنافس الولايات المتحدة وربما تتخطاها، باتت قاب قوسين أو ادني من التحقق، وفي غضون عقدين أو ثلاثة، وربما بحلول عام 2015، سيواجه العالم نوعا جديدا من "العولمة"، يمكن أن نطلق عليه اسم "التصين" نسبة الى الصين. هذه العولمة الجديدة ستكون مختلفة بكل المقاييس عن ما شاهدناه في عصر "الأمركة"، نظرا للاختلاف شبه الكامل بين العقائد الدينية والأيدلوجيات السياسية ومساحات الحرية وطبيعة الناس في البلدين (أميركا والصين).
بقيت الصين لغزا محيرا في الماضي والحاضر. فالدارسون لحضارتها القديمة يصفونها بأنها فريدة وممتعة، ولكنها محيرة لمن يحاول فهمها، ويرجعون ذلك الى أنها نشأت في عزلة شبه تامة نظرا لموقعها الجغرافي في أقصي شرق آسيا. وبعض الباحثين في نهضتها الحديثة، يرون أنها تمثل لغزا، ولا يقطعون بما إذا كانت ستصبح تهديدا أم لا لدول العالم الأخرى، سواء في محيطها الإقليمي الآسيوي، أو في ربوع كوننا.
ومن اللافت للنظر أن اغلب الناس، في شتى أنحاء العالم، ينظرون الى الصين على أنها بلد جيد، ومفضل، ولا يعرفون عنها الكثير، ويوضح هذا بجلاء استطلاع للرأي أجراه "مركز بيو للأبحاث"، شمل 16 دولة، وتبين منه أن مواطني 11 بلدا منها معظمهم يفضلون الصين، ويلاحظ انه من بين تلك البلدان 15 بلدا غربيا مسيحيا (وفقا لأغلبية السكان)، وعربيا، وإسلاميا، إضافة الى الهند.
وكشفت نتائج الاستطلاع عن أن من يفضلون الصين نسبهم كما يلي: الولايات المتحدة 43%، كندا 58%، بريطانيا العظمي 65%، فرنسا 58%، ألمانيا 46%، أسبانيا 57%، هولندا 56%، روسيا 60%، بولندا 36%، تركيا 40%، باكستان 79%، لبنان 66%، الأردن 43%، اندونيسيا 73%، الهند 56%، وفي الصين نفسها 88%.
معظم الناس كونوا وجهة نظرهم عن الصين متأثرين بعوامل عدة، فمثلا هي دولة لا تلعب بعنف في الساحة الدولية، حتى الآن، وتبدو كمتحد للهيمنة الأحادية الجانب من قبل الولايات المتحدة، التي تثير حفيظة الكثيرين، يضاف الى هذا أن السواد الأعظم منا لا يعرف اللغة الصينية، وبالتالي نحن نتلقى الصورة التي ترغب بكين أن تصدرها عن نفسها، من خلال وسائل إعلامها الموجهة والتي ينشر بعضها بتسع لغات، ومن بين وسائلها الإعلامية، مجلة "الصين اليوم"، و"شبكة الصين"، و"وكالة أنباء شنخوا"، وجريدة "الشعب" اليومية.
هذا البلد الذي يوشك أن يشارك في قيادة العالم، وربما ينفرد بها، لا يؤمن بالحريات الأساسية مثل حرية الاعتقاد والتعبير والممارسة السياسية، ويقيدها بشدة، وتشير وثيقة للحزب الشيوعي الصيني الحاكم قدمت في مؤتمره الوطني السادس عشر (عام 2002)، الى انه "يجب تطبيق سياسة الحزب حول حرية الاعتقاد الديني بصورة شاملة، وإدارة الشؤون الدينية طبقا للقانون، وتوجيه الأديان إيجابيا لتتناسب مع المجتمع الاشتراكي، والتمسك بمبدأ الاستقلال والإدارة الذاتية".
وبنظرة الى تقارير منظمات حقوق الإنسان، ومنها "هيومن رايتس وواتش"، و"منظمة العفو الدولية"، إضافة الى بعض المحادثات الالكترونية (Chat)، التي أجريناها مع نشطين من قومية الإيغور، يتبين أن القوانين تفصل خصيصا لتحقيق أهداف الحزب الشيوعي الصيني الذي يحكم قبضته على السلطة منذ إنشاء جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، ولا يسمح بأي معارضة من أي نوع، ويتدخل في الشئون الدينية للأقليات، خاصة المسلمين والمسيحيين.
وعلى الرغم من أن المسيحية والإسلام قد دخلا في فترات متقاربة الى الصين في القرن السابع الميلادي، أي قبل 1300 عام، إلا أنهما لم يلقيا قبولا يذكر داخل هذا المجتمع، وأصبح تعداد المسلمين لا يتجاوز 18 مليون (1%-2%)، منهم حوالي 7 ملايين "إيغوري" يتحدثون التركية في إقليم تركستان الشرقية (كسينجيانغ)، بينما لا يتجاوز عدد المسيحيين أكثر من 50 مليون (2%-4%)، من بين 1,3 مليار صيني، وحتى حين دخلت البوذية كمعتقد ديني أجنبي قادم من الهند لم تلقي قبولا كبيرا إلا بعد أن صبغها الصينيون بطابعهم الخاص.
والصحافة التي هي الأداة الأولى لكشف الفساد مقيدة بكل قوة، وجاءت الصين في الترتيب رقم 159 وفقا لقائمة حرية الصحافة في العالم خلال عام 2005، والذي تصدره منظمة "مراسلون بلا حدود"، وضم 167 دولة، بينما وضعتها منظمة "بيت الحرية" في الترتيب 177 من بين 194 بلدا. ويتولى "القسم المركزي للدعاية" في "الحزب الشيوعي الصيني" تسيير أمور الإعلام بإحكام، خاصة في الشئون التي يعتقد الحزب أنها سياسية وحساسة.
وتفرض الصين رقابة صارمة على الانترنت، وقد وجهت بعض منظمات حقوق الإنسان مؤخرا انتقادات حادة لشركات عملاقة مثل "ياهو" و"غوغل" بسب فرضهما رقابة على مواقعهما الالكترونية الصينية، لحساب حكومة بكين، واتهمت الأولى (ياهو) بأنها قدمت معلومات أدت الى اعتقال بعض مستخدمي الانترنت الصينيين، ومنهم صحافيين.
وعن تقييد الحريات السياسية فان تاريخ الصين الحديث قد شهد اغتيال ملايين المعارضين، إما من خلال أحكام الإعدام، التي لازالت بكين تتقدم دول العالم في عددها، أو من خلال الموت من التعذيب في معسكرات "إعادة التثقيف من خلال العمل" ولازال معمولا بها حتى يومنا هذا.
ويثير الإنفاق العسكري المتصاعد لهذا البلد مخاوف الكثير من الدول، خاصة اليابان، والولايات المتحدة، ويظهر اختلاف بين ما تعلنه حكومة الحزب الشيوعي من أرقام لإنفاقها وما يرصده المراقبون، والمحللون في مراكز الأبحاث.
وكانت التقديرات الرسمية الصينية للإنفاق العسكري لعام 2000، بلغت 14,6 مليار دولار، بزيادة مقدارها 12,6% عن عام 1999، وفي عام 2001 وصلت الى 17 مليار، مرتفعة بمقدار 17,7%، وفي سنة 2002 قدر الإنفاق بنحو 20 مليارا، بارتفاع 17,6%، وفي العام 2003 وصل الى 22,4 مليار، ليزيد بنسبة 9,6%، وفي 2004 بلغ 24,6 مليار، مرتفعا بنحو 11,6%، أما في سنة 2005 فوصل الى 29,9 مليار، بزيادة 12,6%.
وتشير تقديرات بعض المحللين في مراكز الأبحاث المستقلة، وكذلك بعض تقديرات المسئولين العسكريين الأميركيين، الى أن حجم الإنفاق الفعلي للصين يصل الى ثلاثة أضعاف ما تعلنه بكين رسميا.
ولدى الصين ما يناهز 343 مليون رجل متاحين للقتال تتراوح أعمارهم ما بين 18-49 عاما، منهم قرابة 281 مليون مناسبون للخدمة العسكرية، ويعد جيش التحرير الشعبي الصيني حاليا، اكبر جيوش العالم من حيث عدد الجنود حيث يبلغ تعدادهم نحو 2 مليون جندي.
ويقول تقرير Quadrennial Defense Review Report الذي تصدره وزارة الدفاع الأميركية كل أربع سنوات، والذي صدر في فبراير عام 2006، أن الصين واصلت زيادة إنفاقها العسكري بنسبة تفوق 10%، منذ عام 1996، باستثناء عام 2003، وان بكين استثمرت بقوة في تنمية قدرات وتسهيلات عسكرية تؤهلها لتخطي حدودها الجغرافية.
وتملك الصين اقتصاد سريع النمو، يمكنه أن يدعم خططها وقدراتها العسكرية، بلغ معدل نموه العام الماضي نحو 9,9%، هذا الاقتصاد يحتل المركز السادس عالميا، ويقفز الى الرابع إذا أضيف إليه اقتصاد هونج كونج.
ويصل حجم القوى العاملة الصينية الى 149,3 مليون نسمة، وحجم البطالة 5,1%، وتبلغ معدلات الفقر حوالي 10% من إجمالي عدد السكان، أي 130 مليون نسمة وتستهلك الصين ضعف ما تنتجه من البترول تقريبا، فهي تنتج نحو 3,504 مليون برميل يوميا، وتستهلك قرابة 6,391 وفقا لتقديرات عام 2004.
ومما سبق نستخلص أن هناك عملاقا ينهض بسرعة كبيرة، ولن يكون بوسع احد إعادته الى مكمنه لو خرج، وأن تأثيرات عقائدية وثقافية جديدة، تختلف جوهريا مع أكثر من نصف سكان الأرض التي يقطنها نحو 2 مليون مسيحي، و1,3 مليار مسلم، وقرابة 14 مليون يهودي، جميعهم تختلف عقائدهم السماوية، جذريا مع العقائد الكونفوشية والطاوية والبوذية التي يؤمن بها نحو 94% من الصينيين، الذين من المؤكد أنهم سيسعون الى نشر ثقافتهم إذا ما حققت لبلدهم إمكانية الصعود كدولة عظمى.
ونلاحظ أن هذا البلد الآسيوي، لازال حتى اليوم في عداد الدول النامية، ولديه عشرات الملايين من الفقراء، ولم تصل احتياجاته من المواد الخام، وخاصة النفط الى مداها، ولم تبلغ بعد قدراته حد مواجهة القوى الكبرى الحالية في العالم، لذا فانه من غير الممكن الحكم على سياساته الخارجية الآن على أنها ستكون سياساته في المستقبل، فلابد أنها ستتطور لتخدم مصالحه المتنامية في العالم.
ويبقى سؤال: هل سيؤدي هذا الخطر الكبير المحتمل، الى إعادة صياغة العلاقة التاريخية المتوترة بين الغرب والعالمين العربي والإسلامي بصورة مختلفة؟ ياسر خليل
باحث وصحافي مصري Yasserof2003@yahoo.com