صعود الإمبراطورية الأميركية أم أفولها؟

بقلم: عمر كوش

يشهد تاريخ العالم المكتوب منذ أيام السومريين، والآشوريين، وحتى الامبراطورية الاميركية وما بعدها، أن العالم عرف صعود وأفول امبراطوريات عديدة، وهذا ما جعل بعض المنظرين يعتبرون أن تاريخ العالم هو تاريخ الامبراطوريات. في أيامنا هذه، يحتدم النقاش حول الامبراطورية الاميركية التي تمخضت عن النظام الدولي الجديد، وذلك في محاولة دراستها، وتحليل عوامل صعود النظام الاميركي، ثم استجلاء مصائره.
وينطلق «إيمانويل تود»، في كتابه «ما بعد الامبراطورية»، من الكيفية التي وصلت اليها الولايات المتحدة، حيث أننا اعتدنا في الماضي أن نرى في الولايات المتحدة حلا للمشكلات، في حين أنها أضحت اليوم مشكلة العالم، إذ باتت تشكل عامل فوضى على المستوى الدولي، عن طريق إثارة النزاعات والشكوك حيثما تستطيع، وخاضت أكثر من خمسة عشر حربا في بقاع مختلفة من العالم، وهي حروب لم تفض إلا الى مزيد من الصراع، فأحرجت حلفاءها أكثر من مرة، الأمر الذي دفع أكثرية حلفائها الاوروبيين الى اتخاذ مواقف مستقلة عنها، بل ومناهضة لحروبها، وخصوصا حربها الأخيرة ضد العراق.
لكن الجديد في مقاربة «تود» للامبراطورية الاميركية، هو استناده الى معطيات منهج اجتماعي، يخضع فيه البحث للمعطيات الانثروبولوجية والديموغرافية والاقتصادية الداخلية للبلد المدروس، فيجري وفقه ربطا لمفاعيل السياسة الدولية والعلاقات الدولية، ولا شك أن خبرته كمؤرخ وديموغرافي في المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية تساعده في دراسته العميقة لظاهرة صعود الامبراطورية الاميركية، ثم تحولها الى التحلل والتفكك.
ويعيد تود النقاش حول الامبراطورية الاميركية الى نقطة حرجة، ففي حين يعتبر بعض المحللين أن الولايات المتحدة امبراطورية قيد التكوين، ويصورونها امبراطورية القرن الحادي والعشرين، يحاول هو البرهنة على أنها امبراطورية في طور التفكك والأفول، وبالتالي فهي امبراطورية في طريقها الى الزوال والنهاية، ولا يفعل دعاتها من المحافظين الجدد حاليا سوى السعي الى إيقافها على قدميها مجددا.
ويرتكز تود، في مقاربته مفهوم الامبراطورية الاميركية، على أن تكوّن الامبراطوريات الحقيقة، خلال التاريخ، كان يتسم بخاصيتين اثنتين، تربط بين كل منهما علاقة وظيفية. تتمثل الخاصية الأولى في أن الامبراطورية تولد تحت الضغط العسكري، وهذا الضغط يسمح باستخراج جزية تغذي المركز، فيما تتجسد الخاصية الثانية في أن المركز ينتهي بأن يعامل الشعوب المغلوبة مثل معاملته للمواطنين العاديين، ويعامل المواطنين العاديين مثل معاملته للشعوب المغلوبة. ينتج عن ذلك أن حركية السلطة الامبراطورية تقود الى ظهور سياسة مساواة للجميع، يكون مبعثها، ليس الحرية للجميع، بل الاضطهاد للجميع. هذا التعميم الناتج عن الاستبداد يتحول الى شكل إحساس بالمسؤولية بالنسبة الى جميع أفراد الرعية في فضاء سياسي، لم يعد توجد فيه فروق جوهرية بين الشعب المنتصر والشعوب المغلوبة. ووفق كل من هذين المعيارين لا تتوفر في الولايات المتحدة الاميركية المتطلبات الأساسية للامبراطورية، بسبب حالات قصور أساسية في النظام الاميركي. فالقدرة العسكرية والاقتصادية غير كافية من أجل الاحتفاظ بالمستوى الحالي لاستغلال العالم، ثم إن عموميتها الايديولوجية في حالة تراجع، ولا تسمح بأن تعامل الأفراد والشعوب بالمساواة من أجل أن تؤمن لهم السلام والرخاء، ومن أجل استغلالهم.
لكن تود يقدم إضافة نوعية الى هذا النقاش، كونه يعتمد في مقاربته لأفول الامبراطورية الاميركية، على عوامل ديموغرافية واقتصادية وإيديولوجية وحتى عسكرية تجعل من نهايتها أمرا واقعا بالفعل، لذلك جعل عنوان كتابه «ما بعد الامبراطورية».
وفي مقالته في مجلة «فورين بوليسي» (تموز/ آب 2002)، يعتبر إيمانويل والرشتاين ان الولايات المتحدة «امبراطورية في طور الانهيار»، وأن صقور الإدارة الاميركية ومنظريها، من خلال مواقفهم الحالية، يدفعون بها الى السقوط السريع بدلا من أن يتركوها تنهار تدريجا، وبأقل تكلفة ممكنة. لكنه يقرّ بأن الولايات المتحدة قوة عظمى، ووحيدة في عالم اليوم، وهي تفتقر الى القوة الحقيقية، مع أنها تقود العالم من دون أن يتبعها أحد، ولا تنال سوى احترام قلة قليلة.
ويعتبر تود أنه بسبب ضعف الولايات المتحدة، فانها أخذت تتحول شيئا فشيئا الى عامل فوضى في النظام الدولي، عن طريق إثارة الشكوك والنزاعات حيثما تستطيع، وكان يفترض بها أن تكون عامل استقرار. وفي هذا الأسلوب تطبق الإدارة الاميركية نموذجا استراتيجيا تقليديا لا يتناسب مع حجمها القاري، انها استراتيجية الجنون التي تقتضي بالتظاهر أمام خصوم مفترضين بمظهر غير مسؤول قصد إخافتهم. من هنا أثارت أميركا حتى أقرب حلفائها الأوروبيين، وصاروا يشعرون بالارتباك المتزايد، وبحالة من الضيق المتصاعد، فهم لا يفهمون لماذا ترفض أميركا حل النزاع الاسرائيلي الفلسطيني، مع أنها تملك القدرة المطلقة على إنهاء هذه البؤرة من الصراع.
في المقابل، يحاول مايكل اغناتييف في كتابه «الامبريالية المخففة»، تبرير استعمال القوة العسكرية، طالما أن الهدف من ذلك إقامة نظام دولي آمن، يقوم على أولوية مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، ويطلق صفة «الامبراطورية» على هذا السلوك الذي تنتهجه الولايات المتحدة الاميركية. لكن الحرب على العراق، بينت ان القادة الامبرياليين يسعون الى الاستحواذ على السلطة، ولا ينوون مغادرة العراق سريعا، وبالتالي ليس هنالك ايجابيات للامبراطورية «المخففة» التي يروّج لها اغناتييف. فأميركا مهووسة بالحرب على «الارهاب» وفق معياريتها، وتوجه الاعتبارات الداخلية سياستها الخارجية، وهي اعتبارات تضع مصلحة قوى المال والسيطرة فوق كل اعتبار، ما يشكل ضمان أمن وتفوق اسرائيل أمرا لا بديل عنه في توجهات إداراتها المتعاقبة.
يمكن اعتبار ان النقاش حول صعود الامبراطورية الاميركية او أفولها، يمتلك جاذبية خاصة، لكنه ينتمي الى حقل السياسة والجدل أكثر ما ينتمي الى التحليل، فسلوك وسياسة الولايات المتحدة في عالم اليوم، يدعو للتساؤل عن صورة عالم الغد في المنظور القريب، وعما ستؤول إليه أوضاع العالم، وخصوصا منطقة الشرق الأوسط، حيث أن بلداننا العربية معنية أكثر من غيرها بتأثيرات هذه السياسة. * عمر كوش، كاتب وباحث سوري.