صعدة: جرحٌ ينزف وضميرٌ غائب!

بقلم: محمد ناصر البخيتي

ان استمرار اللامبالاة تجاه تجدد حروب صعدة المتكررة يؤكد اننا كيمنيين لا زلنا نعاني من مشكلة اخلاقيه عميقة. فالكثير منا وللاسف الشديد لازالوا يقيمون الامور بحسب انتماءاتهم السياسية والمذهبية والمناطقية وليس من خلال المبادئ الانسانية والاخلاقية. لذلك فشلنا كمعارضة ومستقلين في القيام بأي دور فاعل لوقف تجدد حرب صعدة.
ففي بداية يناير من هذه السنة احتفل اهالي بعض القرى في صعدة وعمران بعيد الغدير كما جرت عليه العادة منذ مئات السنيين. الا ان بعض قادة الوحدات العسكرية القريبة من تلك القرى لم يرق لهم احتفال الاهالي بتلك المناسبة وربما انهم تلقوا توجيهات عليا فقاموا بتوجيه نيران رشاشاتهم الثقيلة نحو الجموع المحتفلة وتلى ذلك قصف مدفعي متقطع ومتكرر لأكثر من اسبوعين على عدد من القرى التي احيت عيد الغدير ومنها ال فاضل وال الجعون وولد نوار ومطرة وفرحة وال الجرادي وغيرها. ولان القصف كان عشوائيا ومن مسافات بعيدة، فلم يكن غريبا ان يكون بين القتلى والجرحى العديد من الاطفال والنساء والعجائز. وعلى سبيل المثال قتل جراء القصف بالاسلحة الثقيلة على قرية ولد نوار يوم الجمعة بتاريخ 28-12-2007 ثلاثة اطفال وهم وسيم محمد ناصر (7 سنوات) وزهراء صالح هادي (11 سنة) وعبد ربه صالح هادي (12 سنة) وجر كلا من مالك احمد مفرح (8 سنوات) وفيروز صالح ناصر (7 سنوات) وبتول صالح ناصر (6 سنوات. وكان اخر تلك الجرائم نصب كمين من قبل قوات الجيش وقتل تسعة مواطنين من مديرية حيدان كانو عائدين من مدينة صعدة بتاريخ 8-1-2008.
ورغم بشاعة تلك الانتهاكات الا انها لم تحرك مشاعر اليمنيين وكأنها تقع خارج كواكب المجموعة الشمسية. فكل وسائل الاعلام من حكومية ومستقلة ومعارضة تجاهلت تلك الانتهاكات وكأن شيئا لم يحدث باستثناء موقع الاشتراكي نت. وعلى الرغم من ان موقع الاشتراكي نت (وهو المعروف بمصداقيته) قد كشف عن تلك الانتهاكات اولا بأول الا ان الاحزاب والقوى السياسة لم تحرك ساكنا وكأن شيئا لم يكن.
وانا اتساءل هنا: اليس اؤلائك الذين قتلوا مواطنين يمنيين ويتوجب علينا ادانة قتلهم حتى وان اختلفنا معهم سياسيا ومذهبيا؟ واتساءل ان كان هناك ما يبرر قتلهم، فما ذنب الاطفال الذين لم يعوا بعد تلك الاختلافات السياسية والمذهبية؟
وبسبب يأس اهلي تلك القرى من تدخل اي جهة لوقف الانتهاكات المتواصلة والتي زادت بوتيرة عالية بعد احياء عيد الغدير قاموا بمهاجمة المواقع التي حاصرت و قصفت قراهم دفاعا عن انفسهم. وفوجئت في اليوم التالي بكل المواقع الاخبارية تقريبا خارجية وداخليه تنقل خبر وقوع مواجهات ولكن بأسلوب قلب الحقيقة رأسا على عقب لدرجة اصبح الحق باطلا والباطل حقا. حيث زعمت تلك المواقع ان سبب تجدد الاشتباكات هو قيام الحوثيين بنصب كمائن للجيش مما تسبب في مقتل العديد من الجنود وادى الى اندلاع حرب جديدة في صعدة.
من الواضح لي ولأي منصف ان نقل اخبار تجدد حرب صعدة بذلك الاسلوب الانتقائي فيه ميل واضح ومتعمد لتغييب الحقيقة. وتعمد تغييب الحقيقة بهذا الشكل وفي مثل هذا الظرف هو في الواقع تأييد (ولو غير معلن) للسلطة الحاكمة لمواصلة حربها في صعدة. فطالما ان الوضع كان هادئا وفجأة وبدون اي مقدمات يقوم الحوثيون بنصب كمائن لوحدات الجيش مما يؤدي الى مقتل اكثر من خمسة عشر جندي في يوم واحد وبدون اي سبب فمن حق السلطة في هذا الحالة بل ان من واجبها اعلان الحرب على الحوثيين. وهذه هي فحوى الرسالة التي تعمدت وسائل الاعلام تلك ايصالها الى الشعب اليمني والى العالم وقد نجحت في ذلك. ومما يؤسف له هو ان من بينها وسائل اعلامية محلية مستقلة وحزبية معارضة.
كنت اعتقد اننا قد تعلمنا درسا اخلاقيا من تجربة حرب 1994 يجعلنا نقف بحزم ضد اي طرف يروج لحرب جديدة. ولكن اتضح لي ان ما تعلمناه هو فقط كيف نؤيد حروب السلطة بصورة مبطنة حتى لا نتعرض للمسائلة او للحرج في المستقبل عندما تنكشف الامور. صحيح ان استخدام اسلوب مبطن لتأييد الحرب على الحوثيين قد يعفي اصحابه من المسؤولية التاريخية في المستقبل ولكن من يعفيهم من المسؤولية امام الله سبحانه وتعالى.
ان اساس المشكلة عندنا في اليمن هو ان الكثير من الاخوة لازالوا يخلطون بين قضية الحرية في الاختلاف وبين المبادئ الانسانية والاخلاقية التي يجب علينا التحلي بها لضبط تلك الاختلافات. فمن حق اي مواطن يمني ان يختلف مع الحوثيين ومن حقه ان يعتقد بضلال عقيدتهم ولكن ليس من الاخلاق السكوت على استحلال دمائهم واموالهم ناهيك عن تأييد ذلك حتى وان كان بأسلوب مبطن. الحوثيون مواطنون يمنيون ومن حقهم الاحتفال بعيد الغدير حتى وان اختلفنا معهم حول شرعيته.
ان مأساة حرب صعدة لا تقتصر على اهالي محافظة صعدة بل انها تشمل افراد الجيش الذين يزج بهم في حرب هم غير راغبين في خوضها ولا مقتنعين بشرعيتها. فعندما كان احد الجنود الجرحى في حرب صعدة الرابعة يلفظ انفاسه الاخيرة سئل عن وصيته الاخيرة لاهله فقال: قولوا لهم لا دنيا ولا اخرة. لقد هزت كلمات هذا الجندي كياني. وهذه الكلمات القليلة تعبر عن حال بقية الجنود المأساوية والتي للاسف لا يلتفت لها احد. فهؤلاء الجنود عليهم مسؤوليات مالية لاعالة اسرهم وابنائهم وهم مثقلون بنفس الهموم التي يعاني منها المواطنين المسحوقون. والسلطة تستغل حاجتهم الماسة لاعالة اسرهم لتزج بهم في حرب يعلمون ان نهايتها خسارة الدنيا والاخرة. وللاسف الشديد ان احدا لا يلتفت الى حجم المعاناة والضغوط النفسية التي يتعرض لها الجنود في حرب صعدة، وكأن هؤلاء الجنود قد وجدوا ليلاقوا هذا المصير المأساوي. والسبب هو ان الكثيرين لا زالوا يقيمون حرب صعدة بنفس مذهبي لدرجة حجبت عنهم مأساة اؤلائك الجنود المنتمين لمناطق ومذاهب مختلفة. كما ان السلطة قد دفعت بمجاميع من السلفيين للقتال ضد الحوثيين وقد سقط الكثير منهم بين قتيل وجريح وهؤلاء في النهاية مواطنون يمنيون وينبغي علينا المحافظة على ارواحهم بمنع السلطة من استخدامهم كوقود لحربها ضد الحوثيين. فهؤلاء في معظمهم من الشباب حيث تستغل السلطة صغر سنهم وصدق نواياهم لتغسل ادمغتهم بمساعدة بعض مشائخ السلطة ليكونوا اداة مجانية تضرب بها خصومها السياسيين.
في الماضي لم اكن ادرك حجم تأثير العاطفة المذهبية السلبي على جهود وقف حرب صعدة الى ان تفجرت حرب صعدة الخامسة. فكانت صدمتي الاولى من ان الكثير من المواقع الاخبارية اليمنية (بما في ذلك المستقلة والحزبية المعارضة) لم تتناول انتهاكات الجيش ضد المواطنين ثم كانت الصدمة الكبرى عندما تناولت تلك المواقع اخبار رد الحوثيين على الجيش بصورة تظهر وكأن الحوثيين هم من بدءا الحرب.
ربما يتهمني البعض بالمبالغة ولكي اوضح الامر اكثر سوف اطرح السؤال التالي: ايّ من القوى المستقلة والمعارضة على استعداد للمطالبة بالاعتراف بحق الشيعة اليمنيين في احياء مناسباتهم الدينية ورفع الحضر المفروض على تدريس مذهبهم وتداول كتبهم سواء كانوا شيعة زيدية او امامية اسوه ببقية المذاهب؟
اعتقد ان الكثير من القراء يحدثون انفسهم الان بأن هذا الطلب مرفوض وغير مقبول وغير متوازن ويؤدي الى فتنة.. والى ما هنالك من المبررات وهذا هو لب المشكلة التي اتحدث عنها والتي لم اكن ادرك حجمها الا مؤخرا.
ولان السلطة الحاكمة تدرك حقيقة هذه المشاعر (في نفوس الكثيرين) الرافضة لاعطاء الشيعة حقوقهم لذلك تحاول استغلالها بصورة خفية بتصوير حروبها ضد الحوثيين كمصاديق لتلك المشاعر.
صحيح ان خلاف السلطة الحاكمة مع الحوثيين خلاف سياسي بالاساس وليس مذهبيا الا انها تستغل المشاعر المذهبية لدى البعض كغطاء لقمعها للحوثيين. لذلك نلاحظ حرصها على شن الحرب تحت ذرائع مذهبية. فشرارة حرب 2007 كانت نتيجة لاستهداف الجيش لاحتفالات المواطنين بعيد الغدير وكذلك الحرب الحالية تفجرت لنفس السبب. وطالما ان هناك قوى محسوبة على المعارضة غير مستعدة في الوقت الحالي للاعتراف بحق الشيعة في نيل حقوقهم فهذا يشتت قوى المعارضة ويفوت عليها فرصة اتخاذ مواقف واضحة لوقف الحرب مما يبقي المجال مفتوحا امام السلطة لمواصلة حروبها كيف ومتى شاءت.
لذلك نجد بين قوى المعارضة من يحاول تبرير موقف السلطة عبر نقل الاخبار بصورة انتقائية توافق وجهة نظر السلطة، والبعض الاخر يحمل الطرفين المسؤولية في محاولة للتهرب من مسؤولياته الاخلاقية في العمل على وقف الحرب، والبعض الاخر يلوذ بالصمت ويمارس نشاطه السياسي وكأن شيئا لم يحدث.
انا اقدر مشاعر امتعاض السلفي من رؤيته للشيعة الزيدية وهم يحيون عيد الغدير الذي يعبر عن اعتقاد شيعي يخالف الاعتقاد السلفي، واقدر مشاعر امتعاض الكثير من اليمنيين من بروز ظاهرة تحول بعض اليمنيين للمذهب الشيعي الامامي. فهذه المشاعر طبيعية قد تختلج اتباع اي مذهب. ولكن يجب ان تبقى هذه المشاعر في حدودها الطبيعية وأن لا تترجم الى صراع دموي وأن لا تستغل لشن حرب على اي طرف وأن لا نفقد بسببها مبادئنا الاخلاقية والانسانية.
ومن اجل أن نصل الى هذه النتيجة يجب ان نرجع الى التاريخ. فجميع مناطق اليمن قد شهدت تحولات مذهبية متعددة من التسنن الى التشيع ومن التشيع الى التسنن وهذا حال بقية الدول الاسلامية. وعليه فان محاولة اي طرف فرض مذهبة بالقوة او عبر تقييد حرية المذاهب الاخرى لن يضمن لمذهبه البقاء لان هذا يخالف حقائق وسنن التاريخ وكل ما في الامر انها سوف تخلق صراعا دمويا يذهب ضحيته الالاف ولن ينتهي هذا الصراع الا بتقبل كل طرف للطرف الاخر.
لقد شهد تاريخ اليمن فترات صراع مذهبي دموي وفترات تسامح لم يشهد له العالم الاسلامي مثيلا في تاريخه. فحتى وقت ليس بالبعيد درجت العادة في البلدان الاسلامية ان لا يصلي الحنفي خلف المالكي ولا الشافعي خلف الحنبلي. الا اننا في اليمن لم نشهد مثل هذا الخلافات حيث ان الزيدي والشافعي يصلي احدهما خلف الاخر على الرغم ان المذهب الشافعي يعد من المذاهب السنية والزيدي يعد من المذاهب الشيعية.
اذا امامنا تجربتان تاريخيتان عاشتهما اليمن في ظل التعدد المذهبي، تجربة دموية تعددية وتجربة سلمية تعددية، فأيهما نختار؟
واستحضار التجربة السلمية تحتاج منا - كقوى مستقلة ومعارضة - الى افعال وليس الى اقوال. واول شيء يجب علينا فعله هو العمل بجد لوقف حرب صعدة. وهذه الحرب لن تتوقف الا بفضح المتسبب بها وتعريته امام الشعب وتحميله المسؤولية بشكل واضح وصريح ورفض كل مبررات الحرب السخيفة والمتناقضة.
ثانيا ينبغي على الكتاب والصحفيين والاعلاميين التعامل مع الخلافات المذهبية بمسؤولية لان هناك اطراف اجنبية تراهن على احداث فتنة بين المسلمين لاضعافهم من الداخل لتحقيق مشروعها المتمثل في السيطرة على العالم الاسلامي وتجيره لمصالحها الخاصة.
ومن خلال متابعتي للمواقع الاخبارية اليمنية لاحظت وجود عدد كبير من الكتاب يشنون حملة شعواء على الشيعة وعلى ايران وعلى مراجع وعلماء الشيعة ومن ثم يقوموا بعملية ربط بين ما يجري في صعدة بايران و بمذهب الشيعة الامامية.
وحتى لا اتهم بالمبالغة اليكم بعض النماذج.
احد الكتاب يصف ايران بالشيطان الاقذر ومرة بالافعى الصفوية السوداء، واخر يصفها بالدولة الصفوية الحاقدة، واخر يعلن كرهه للعمائم السوداء، واخر يصفها بالعمائم السوداء الحاقدة، واخر يسميها بالمرجعيات السوداء، واخر يسمي الشيعة بالمجوس الحاقدين على الاسلام، واخر يتهم الحوثيين بانهم مرتبطين بالمخطط الصهيو-صفوي واخر يتهمهم بانهم اذانب ايران.
فبالله عليكم هل يمكن ان نبني مجتمع يسوده التسامح في ظل مثل هذا القدر من التشنيع. وانا لا اقصد من كلامي حضر نقد المذهب الشيعي او علمائه او ايران. فما اقصده هو ان يكون النقد مبنيا على اسس علمية ويطرح بصورة هادئة وبعيدا عن التجريح، وعليه يفترض بالاخوة الراغبين في تقديم دراسات نقدية حول المذهب الشيعي ان يطلعوا عليه اولا حتى لا يكون تقييمهم مبني على الاحكام المسبقة وعلى الجهل بابسط حقائقه. وهذا للاسف ما لاحظته في اغلب المقالات التي تتعرض للشيعة.
الكتابة عن الشيعة وأيران بهذا الاسلوب غير الموضوعي لا تتسبب في اثارة الفتنة فقط بل وتتسبب في تغييب الحقيقة وتشوه وعي طلاب المعرفة في اليمن حول مذهب اسلامي ينتمي اليه الملايين. محمد ناصر البخيتي