صرخة في وجه المستقبل

بغداد
غلاف يروي قصة الازمة في العراق

شهدت المكتبة العربية عددا من الكتب تتناول الواقع القريب من الحاضر لكنها تعكس وجهة نظر كاتبيها، أو كتاب يعرضون وجهة نظر حكامهم حتى أن القاريء العربي لا يشغل نفسه بقراءتها لذلك فهو يعرف إسما أو إثنين فقط من الذين تصدوا للجانب السياسي ونشهد ابتعادا تاما عن الحيادية في تناول الشخصية أو الحدث..
"هكذا حكموا العراق" كتاب يشبه تحقيقا صحفيا، أو تحقيق صحفي موسع صار كتابا، يتعلق موضوعه الأساس حول الحاكم الحقيقي للعراق منذ سقوط النظام العراقي حتى يومنا هذا، وهو أول كتاب يتصدى للحاضر المؤلم بكل الجرأة في الطرح والتوثيق والتعليق بلغة شفافة وتحليل رصين. مادته الأساسية اعتمدت على محاضر اجتماعات مجلس الحكم الذي تأسس في 13/تموز 2003 بالإضافة الى الأحداث المهمة التي وقعت وتصريحات عدد من السياسيين ذات العلاقة المباشرة بالوضع العراقي.
قسم المؤلف الكتاب الى فصول، فبعد الإهداء والشكر لمن شاركوا في حصول المؤلف على المحاضر والمراجع للكتاب ومصمم الغلاف تأتي المقدمة يخبرنا فيها الكاتب أن كتابه الذي يقدمه للقاريء يعتقد "أنه عمل ضروري في هذه المرحلة باعتباره وثيقة ورؤية يستشف منها القاريء ما سينطوي عليه المستقبل من أحداث ستعصف بالعراق". وفي الفقرة الأخيرة من مقدمته يقول: "ان تحليل ما لدينا من محاضر الاجتماعات يعتمد أساسا على التخلص من الحوارات والمداخلات الاعتيادية التي تغني موضوع المناقشة، لكن كل ما يخرج عن الثوابت المتعارف عليها – هنا نشير الى ثوابت لا يحق لمجلس الحكم مناقشتها وتناولها مثل المواطن العادي نظرا لوجودة في العمل السياسي والتنظيم الحزبي والتجربة الحياتية وتقدير حجم المسؤولية – فعلينا الاشارة لها، وبعد جمع المؤشرات – كلٌّ في محورها – تتكون الصورة الواضحة سواء للحالة العراقية أو لعضو المجلس، ومن أجل التوثيق فاننا نضع المؤشرات لكل حالة يتم تناولها وسيرى القاريء أحيانا كثيرة أنه ليس بحاجة لنقدنا أو لتعليقنا، وهذا ما أشرنا إليه أنه يبعث على المرارة والأسى".
الفصل الأول حمل عنوان "العراق في منعطف" وهو تمهيد يرسم صورة واضحة المعالم للعراق والعراقيين قبل الحرب وأثناءها مع تصوير دقيق للفوضى العارمة والخراب الذي اجتاح البلاد معتبرا ذلك مقصودا من الجانب الأمريكي بالإشارة الى وزير الدفاع رامسفيلد الذي نال شهادته العليا في فلسفة تحقيق الأهداف عن طريق خلق حالة الفوضى .. ثم يخصص الكاتب الفصل التالي لتعيين بول بريمر حاكما للعراق مشيرا الى النوايا التي كانت تقف وراء اختياره، وفي نهاية الفصل يتحدث عن شخصيتين سياسيتين هما أياد علاوي الذي حاول منذ وصوله العراق الى كسب أعوان النظام السابق ود. أحمد الجلبي الذي كان ينفذ اتفاقاته مع الأمريكان الذين أرادوا أن تظهر صورتهم للعراقيين على أنهم محتلون وليسوا محررين.
"تأسيس مجلس الحكم" هو الفصل التالي يأتي فيه المؤلف على تفاصيل ما جرى من تحركات ولقاءات وعرقلة أمريكية لأنها كانت تريده مجلسا استشاريا فقط وقد حققت ذلك فسوف يطلعنا عليه المؤلف في فصول لاحقة، وضع الكاتب أسماء أعضاء المجلس مع تعريف موجز لكل منهم.
من الفصل المعنون "القومية والطائفية في مجلس الحكم" يبدأ المؤلف مهمته كحارس للتاريخ بمحاكمة الكلمة والفعل ويبدأ مهمته كعراقي تدفعه الغيرة على بلده الذي وُلِدَ وترعرع فيه، علما أنه ابتعد عن الأسلوب الحكائي والسردي مختارا طريقة البحث العلمي في طرح مواضيعه وصولا الى الاستنتاج الذي يظهر فيه الحس الانساني المتفوق فيؤشر في هذا الفصل البداية الحقيقية لمأساة الانسان العراقي وهو يرى بلده موضوعا على طاولة مجلس الحكم استعدادا لعملية الذبح؛ وبمرارة تبعث على السخرية نقرأ الفصل اللاحق المعنون "التسعة المبشرة" ويقصد بهم أعضاء هيئة الرئاسة لمجلس الحكم، يليه فصل "تعيين الوزراء" ثم فصل "المجلس يبحث عن نفسه" موضحا إدراك المجلس لفشله في لعب أي دور، ومن أجل معرفة الأسباب وضع الكاتب الفصلين اللاحقين وهما "سلطة بريمر على مجلس الحكم" و"ممارسات قوات التحالف وسلطة الائتلاف".
لن يتمكن القاريء من ترك هذا الكتاب جانبا قبل الإنتهاء من قراءته نظرا للكم الهائل من المعلومات الخافية عن الناس والوصف الدقيق للوضع وللشخصيات، وقد عمد الكاتب الى الغوص عميقا فيما امتلكه من محاضر الاجتماعات ليطلعنا في الفصل التالي على "مهازل مجلس الحكم" ليعلن ضمنيا براءته من الأحزاب والسياسيين العراقيين حيث يأتي فصل "الملف الأمني" الذي يمثل نتيجة موضوعية لما سبقه، فكل محاولات مجلس الحكم لتحسين الوضع الأمني باءت بالفشل. يتبعه فصل يحمل اسم ممثل الأمين العام للأمم المتحدة الى العراق "سيرجيو دي ميللو" فيعلن الكاتب أن هذا الإنسان كان أحرص على العراق من العرب والعراقيين أنفسهم، وقد اغتالته الأيدي التي لم تكن تريد دورا لأية جهة في العراق سوى الولايات المتحدة فقضى نحبه في حادث تفجير مقر الأمم المتحدة في العراق.
كأي صحفي ينشد الحقيقة يضع المؤلف ملابسات اللحظة الأخيرة في اختيار أول رئيس جمهورية للعراق حيث كان الكاتب متواجدا في مقر المجلس. ونصل الى الخاتمة أو الاستنتاج التي وضع لها عنوانا هو "حصاد الأوراق" اذ يؤكد المؤلف في طرحه أن أمريكا هي المسؤولة عن تدهور الوضع الأمني لكي تحارب الإرهاب على أرض العراق، ونقرأ الفقرة الأخيرة التي وضعها المؤلف على الغلاف الثاني للكتاب حيث يقول:"أوراق كثيرة كان حصادها مرارة وأسى كبيرين، العراق بأهله وتاريخه أصبح ساحة لمعركة لا علاقة له بها، ولأن اللعنة حلَّت عليه بما اقترفه النظام البائد من ظلم، ها هي ساحة المعركة تتقسّم، لكننا بعد حصادنا هذا نتمنى أن يتوقف نزيف الدم، هذه يوغسلافيا شهدت الحالة ذاتها فلتكن لنا عبرة منها، وهذه تشيكوسلوفاكيا تقسّمت لكن شعبيها استحقا الورود لأن المحبة كانت حاضرة في التقسيم" ..
يشتمل الكتاب على عدد من الصور والوثائق في ملحق خاص بالكتاب. المؤلف: سيف الخياط
الحجم: القطع المتوسط
عدد الصفحات: 300
طبع الكتاب على نفقة مؤلفه في مؤسسة السفير للتوزير والتحضير الطباعي وفرز الالوان في بغداد