صراع مع الرئيس ام على الرئيس... في لبنان

كانت السنة 2015 من اصعب السنوات على لبنان في غياب رئيس للجمهورية وفي ظلّ اهتراء مستمرّ، بل بشكل يومي، للمؤسسات يرافقه عجز عن ايجاد حلّ حتّى لمشكلة النفايات. باتت كلّ المؤسسات التابعة للدولة اللبنانية مهدّدة في غياب ايّ رؤية لمستقبل.

هل يستسلم لبنان لقدره في وقت بدأ اللبنانيون يفهمون لماذا كان اغتيال رفيق الحريري ورفاقه ولماذا كانت الإغتيالات الأخرى وصولا الى تفجير الدكتور محمّد شطح؟ كان كلّ اغتيال موجّها الى البلد كلّه والى عاصمته بيروت. في مثل هذه الأيّام قبل عشر سنوات، اغتيل الأخ والصديق والزميل جبران تويني بعد ستّة اشهر من اغتيال اخ وصديق آخر هو سمير قصير. لم يكن اغتيالهما مباشرة بعد اغتيال رفيق الحريري ورفاقه، على رأسهم باسل فليحان، رجل العلم والمعرفة والإقتصاد، سوى استهداف لبيروت واهلها. انّه الحقد على بيروت وعلى جريدة "النهار" التي ارتبط اسمها ببيروت. مطلوب بكلّ بساطة القضاء على كلّ ما يرمز الى بيروت. كان جبران وسمير جزءا لا يتجزّأ من "النهار" من روح "النهار" التي انتهت، الى حدّ ما، للأسف الشديد باستشهاد جبران وسمير.

اكثر من ذلك، مطلوب ان لا تقوم قيامة للبنان في يوم من الأيّام وان تصبح بيروت مدينة بائسة، بل ضاحية من ضواحي طهران!

في ظلّ حال الإهتراء اليومية، ثمّة حاجة الى التفكير في كلّ ساعة ودقيقة في كيفية حماية لبنان ومنع امتداد الحريق الإقليمي اليه. هنا يصحّ طرح السؤال الآتي: هل من الأفضل الصراع مع الرئيس، في حال انتخاب رئيس معروف بميوله، ام الأفضل الصراع على الرئيس في ظل وجود طرف معروف يمتلك قدرة استخدام السلاح لمنع انتخاب رأس للجمهورية بطريقة ديموقراطية تليق بلبنان واللبنانيين؟

من الواضح ان لبنان امام خيارين احلاهما مرّ. لكنّ ذلك يجب ان لا يمنع من التفكير الهادئ في كيفية حماية البلد في وقت تعيش المنطقة في ظل تجاذبات لا سابق لها، حتّى في ظل الحرب الباردة.

هناك قبل كلّ شيء الوضع السوري. عاجلا ام آجلا، سيفيق اللبنانيون على وضع جديد يتمثّل في التعايش مع وجود مليون ونصف مليون سوري في بلدهم الصغير. يحصل ذلك في وقت اختلط الحابل بالنابل في الداخل السوري. هناك نظام سقط، لكنّه يصرّ على التمسك ببقايا سلطة من اجل تحقيق هدف واحد وحيد هو تفتيت سوريا ولا شيء غير ذلك. سيترتب على لبنان المحافظة على نفسه وعلى كيانه وعلى حدوده الدولية، فيما الواضح ان الإيراني والروسي يعملان على انتزاع قطعة لكلّ منهما من سوريا.

تطرح المعضلة السورية تساؤلات في غاية الخطورة على اللبنانيين، بما في ذلك "حزب الله" الذي لا يزال يكابر رافضا الإعتراف بأنّه ادخل نفسه، كما ادخل لبنان في حرب لا فائدة منها. لا يمكن لهذه الحرب سوى ان تعود بالويلات عليه وعلى لبنان، بما في ذلك استدعاء "داعش" الى اراضيه فضلا عن اثارة الغرائز المذهبية طبعا.

في مقدّم التساؤلات المطروحة، بسبب المعضلة السورية، هل من خيار آخر امام الحزب سوى العودة الى لبنان والتصرّف بطريقة تؤكّد انّه استوعب اخيرا انّ سلاحه لا يفيد في شيء بمقدار ما انّه خطر عليه وعلى ابناء الطائفة الشيعية الكريمة والطوائف الأخرى.

مرّة اخرى يصحّ التساؤل هل يمتلك "حزب الله" حرية قراره كي يكون في الإمكان الرهان على استيعابه المعادلة التي تقوم على انّه يمكن يرى مصلحته في لبنان المزدهر القادر على مواجهة التحديات الإقليمية بعيدا عن الشعارات الفارغة والمزايدات التي لا معنى لها عن "مقاومة" و"ممانعة" و"جيش وشعب ومقاومة"؟

في النهاية ما علاقة المقاومة، اذا كان من مقاومة، بالحرب التي يتعرّض لها الشعب السوري من منطلق مذهبي ليس الّا... او من منطلق المصالح الروسية التي تشمل منع الغاز الخليجي من الوصول الى اوروبا عبر الساحل السوري؟

هناك حال غليان في المنطقة كلّها. من المفيد ان يفكّر اللبنانيون في كيفية البقاء خارجها. صحيح ان ذلك امر في غاية الصعوبة، لكنّ الصحيح ايضا انّه ليس امرا مستحيلا. هناك بلدان يسيران في اتجاه التفتيت هما سوريا والعراق. وهناك توتر تركي ـ روسي يرافقه بدء المسؤولين الأتراك الحديث عن خطورة السياسة ذات الطابع المذهبي التي تلجأ اليها ايران. هناك فوق ذلك كلّه تفكير تركي في كيفية الحصول على مكاسب معيّنة في حال تقسيم العراق وسوريا. تركيا لا تزال في الموصل العراقية وفي حلب السورية، على الرغم من الكلام الرسمي عن سحب قسم من قواتها من الأراضي العراقية... المستباحة ايرانيا!

متى تمعنّا بكل هذه التطورات المحيطة بلبنان والمترافقة مع وجود ادارة اميركية تختزل كلّ ازمات الشرق الأوسط بالملفّ النووي الإيراني، يبدو ضروريا التسبيح بحمد الله في كلّ لحظة.

هناك بكلّ بساطة وضع في غاية التعقيد، بل يزداد تعقيدا كلّ يوم. كيف التعاطي مع هذا الوضع بوجود سياسيين لبنانيين قلّة منهم تعرف شيئا عن الشرق الأوسط وخريطته، فيما هناك قوّة فاعلة، هي "حزب الله"، منغمسة كلّيا بكلّ مشاكل المنطقة وازماتها وتعتبر نفسها طرفا فيها، من اليمن الى البحرين وصولا الى سوريا والعراق.

من هذا المنطلق، يبدو الهدوء ضروريا وتبدو الحاجة اكثر من ايّ وقت الى البحث عن مخارج. هل من مخرج في ظلّ اصرار ايران على التعويض عن خسائرها في سوريا عبر التمسّك اكثر فاكثر بالورقة اللبنانية؟ من الصعب الإجابة عن السؤال، لكنّ من السهل تصوّر وجود سباق بين الإهتراء الداخلي اللبناني والإهتراء الداخلي الإيراني وحتّى الروسي.

لم يعد بعيدا اليوم الذي تكتشف فيه ايران انها لا تمتلك الوسائل التي تضمن لها الإستمرار في مشروعها التوسّعي، لا في سوريا ولا في لبنان ولا في اليمن ولا حتّى في العراق.

ما ينطبق على ايران ينطبق ايضا على روسيا، لا لشيء سوى لان مستقبل النظامين في البلدين يقرّرهما سعر النفط والغاز الذي يتهاوى. في النهاية، اقتصاد البلدين يقوم على النفط والغاز ولا شيء آخر غيرهما. هل من فشل اكبر من هذا الفشل للنظامين المشاركين في الحرب على الشعب السوري؟

كم لدى لبنان من القدرة على الصمود في وجه الإهتراء؟ هل الوقت يعمل لمصلحته ام لا؟ هل الصراع مع رئيس موجود في بعبدا افضل من الصراع على رئيس يستأهل الوصول الى بعبدا؟