صراع المواجهة الحضارية، رؤية لمحمد نجيب التلاوي

مراجعة: أحمد فضل شبلول

ثلاث وعشرون رواية عربية، هي المصادر الأساسية لكتاب "الذات والمهماز ـ دراسة التقاطب في صراع روايات المواجهة الحضارية" للدكتور محمد نجيب التلاوي، الذي صدر عن سلسلة "دراسات أدبية" بالهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة (248 صفحة).
لقد شغل موضوع المواجهة الحضارية المؤلف، مثلما شغل المثقفين والروائيين العرب من قبل، لاسيما في العصر الحديث، منذ اصطدام الذات بالمهماز الاستعماري. وعندما توافر عدد لا بأس به من الأعمال الأدبية، خاصة الروائية المكتوبة في عقدي السبعينات والثمانينات الميلادية السابقة، وجدت هذه الأعمال من يعكف عليها ويدرسها، ذلك أن الرواية ـ كما يرى التلاوي ـ ليست نصا، وإنما هي ممارسة نصية مفعمة بالفكر والفن والحياة، وهي الأقدر على تجسيم هذه الموضوعات. لكنه في الوقت نفسه، يبدأ من روايات الرواد "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، و"أديب" لطه حسين، وينتهي بروايات التكنيك الجديد مثل رواية "أصوات" لسليمان فياض، مرورا بـ"عودة الذئب إلى العرتوق" لإلياس الديري، و"هابيل" لمحمد ذيب، و"أشجار البراري البعيدة" لدلال خليفة، وغيرها من الأعمال.

الآخر أصبح مهمازا يحفز الذات العربية

إن المؤلف يقصد بالمهماز في بحثه هذا، الآخر غير العربي، والأوروبي خاصة، الذي أصبح مهمازا يحفِّز الذات العربية ويحركها، مثل سوزي ديبون في "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، والمرأة النمساوية في "فيينا 60" ليوسف إدريس، والمومس الأمريكية في "نيويورك 80"، وإليزابيث في "محاولة للخروج" لعبد الحكيم قاسم، وسيمون في "أصوات" لسليمان فياض، وسكاريا في "وداعا يا أفاميه" لشكيب الجابري، وصابين ومدام دي مرسيه في "هابيل" لمحمد ذيب، وغيرها.
وهو يقصد بالذات، الحضارة العربية الإسلامية بعمقها الإسلامي الغائر في التاريخ، وبسطحيتها في الواقع المعاصر.
وعلى الرغم من أن "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" لرفاعة الطهطاوي يعد أول عمل يقترب من الآخر مثاقفة، ويشكل بداية مبكرة للذات في فضاء الآخر في العصر الحديث، إلا أنه لا يعد عملا روائيا، وإنما اعتمد على الحكي المميز لأدب الرحلات. ومن هنا لا يضعه المؤلف في حسبانه عند الحديث عن الذات والمهماز.

حدة المواجهة بين الذات والآخر

ومع بداية القرن العشرين تزداد حدة المواجهة بين الذات والآخر. فإذا كان القرن التاسع عشر قد شهد توحدا ملحوظا بين المثقفين العرب، فإن القرن العشرين قد شهد حدة الخلاف بينهم، في طريقة تعاملهم مع الآخر / الأوروبي الذي سيصبح مهمازا في الروايات العربية الخاضعة للدراسة في الكتاب. ويرجع المؤلف ذلك إلى غيبة المشروع الحضاري، التي انعكست على الصراع الروائي داخل تلك الأعمال.
لقد جاءت الروايات المدروسة لترصد منظور الذات للآخر عبر تاريخ الصراع الحضاري برؤية فنية انعكست عليها انقسامات التبعات الإيديولوجية والفكرية للمثقفين العرب (الذات) في غيبة ذلك المشروع الحضاري المعاصر.
ويشير المؤلف إلى أن تلك الانقسامات جاءت، وتفرقت، على النحو التالي: أصوليون ـ ليبراليون ـ علمانيون.
وهو ينتقد في مجال تقسيمه هذا كل فئة من هذه الفئات الثلاث: فالأصوليون يقيسون الغائب على الشاهد، أو الماضي على الحاضر، والليبراليون يحلمون أكثر مما يفكرون، ولا تاريخ لهم. والعلمانيون العرب وقعوا في تبعية للآخر أشد إيلاما، وتعني الإقرار الضمني بمفهوم الاستلاب الحضاري.

الصراع ومفهوم الذات للآخر

ومن ثم فقد دار الصراع الروائي في أغلب الروايات حول تلك الانقسامات، ومفهوم الذات للآخر في إطارها المرجعي. لذا وجدنا ثلاثة مستويات للصراع في تلك الروايات: المستوى الأول لم يستطع الأبطال تحديد الهوية، ووقعوا في عبثية وغربة واغتراب، وكان الصراع داخليا لهؤلاء الأبطال، وهو أمر ساعد على فشل مواجهتهم للآخر مثلما نجد في روايات (أديب لطه حسين، وبدوي في أوروبا لجمعة حماد، والعبور إلى الحقيقة لشعاع خليفة).
والمستوى الثاني، كانت الهوية غائمة عند البطل، لكن المواجهة مع الآخر قد أوقفته على الحقيقة ليجدد الهوية، ويعلن عنها بشكل فني غير مباشر، مثلما نجد في روايات (عودة الذئب إلى العرتوق لإلياس الديري، وفيينا 60 ليوسف إدريس، والثنائية اللندنية لسميرة المانع، وأشجار البراري البعيدة لدلال خليفة، والحي اللاتيني لسهيل إدريس، وهابيل لمحمد ذيب).
أما المستوى الثالث، فأبطاله يتمتعون بنضج وثقافة وتميز مكنهم من تحديد الهوية، ومن ثم جاءت ردود أفعالهم مصبوغة بقناعة مسبوقة، وبهوية واضحة المعالم، مثلما نجد في روايات (نيويورك 80 ليوسف إدريس، والربيع والخريف لحنا مينه، وإلى الجحيم أيها الليلك لسميح القاسم، والوطن في العينين لحميدة نعنع، وموسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح).

الصراع من منظور الذات

غير أن مستويات الصراع من حيث القوة والضعف قد تباينت من رواية إلى أخرى، من خلال معادلتين، الأولى: معادلة الذات (الفرد) في مواجهة الآخر (الجمع) من خلال فضاء الآخر، والثانية: الآخر (الفرد) في مواجهة الذات (الجمع) من خلال فضاء الذات.
ويلاحظ أن الروائيين ركزوا على الذات أكثر من تركيزهم على الآخر، لذلك جاء الصراع من منظور الذات، حيث امتد الآخر في ذواتهم بقهر ولَّد حقدا دفينا ملؤه القوة والاستعلاء في مواجهة ذات ضعيفة مقهورة، فلم تتعد مقاومة الآخر (الأوروبي المستعمر) حدود التعبير عن الأماني والحقد كمرحلة أولى، ثم الانتقام كمرحلة ثانية. ولما تجسد (المستعمر) في صورة إسرائيل كانت المقاومة ثالثة.

رواية سميح القاسم تقلِّل من شأن الذات العربية

وتعبر رواية (إلى الجحيم أيها الليلك لسميح القاسم) المنشورة عام 1978عن هذه المرحلة الثالثة. وقد سبق سميح القاسم أقرانه للتعبير عن المواجهة الكائنة بين الذات والآخر. ويأخذ المؤلف على صاحب الرواية تقليله من شأن الذات العربية والسخرية منها والرثاء لها، بداية من جيش الإنقاذ سنة 1948 وحتى عهد السادات ـ قبيل كتابة الرواية ـ حيث غيب الفاعلية العربية متجاهلا حرب 1973 وغيرها، ليصعد مباشرة بشكل رامز فيلقي بآمال الحل لقضيته عند الشيوعيين الروس.

الدكتاتورية والديمقراطية

وإذا كان المؤلف قد تحدث في التقاطب الأول عن المُستعمَر (بفتح اليمم الأخيرة) في مواجهة المُستعمِر (بكسر الميم). فإنه في التقاطب الثاني يبحث عن العلاقة بين الدكتاتورية والديمقراطية حيث تحررت شعوب المنطقة العربية من قبضة يد استعمارية لتقع في قبضة يد ديكتاتورية تحطمت معها الآمال بسبب حكم العسكر أو الحكم الملكي.
وكان لقاء المثقفين مع الآخر الأوروبي في عدد من هذه الروايات مجرد وسيلة لإظهار حجم الكبت والشوق إلى الحرية والديمقراطية، ويتمثل ذلك في روايات (الثنائية اللندنية لسميرة المانع، والربيع والخريف لحنا مينة، وهابيل لمحمد ذيب).
ويرى المؤلف أنه لو دققنا النظر مع الروايات العربية على المستوى الإقليمي سنجد أن أكثر الروايات التي عنيت بهذا التقاطب (الدكتاتورية في مقابل الديمقراطية) هي روايات الشوام، وأن الروايات التي مازالت تجسد فوارق التقاطب في (الكبت والحرية) هي روايات الخليج العربي (مثل أشجار البراري البعيدة لدلال خليفة، والعبور إلى الحقيقة لشعاع خليفة).

الروحي والمادي

أما التقاطب الثالث فكان الروحي في مقابل المادي. وقد جاءت رواية "عصفور من الشرق للحكيم" الصادرة عام 1938 برؤية مبكرة للمادي في مقابل الروحي في موضوع المواجهة الحضارية، إلا أن الصراع ـ كما يراه المؤلف ـ جاء ضعيفا لسببين: الأول يتمثل في المعالجة الرومانسية لهذه المواجهة، والآخر تمثل في العرض المباشر جدا لاسيما في الحوار المطول بين عاشق الشرق (الطالب أو المفكر) والمثقف الروسي (إيفان).
وفي هذا الإطار هناك روايات (قنديل أم هاشم ليحيى حقي، ومسرواية نيويورك 80 ليوسف إدريس، والسابقون واللاحقون لسميرة المانع).
وعلى الرغم من الفارق الزمني بين بطل يوسف إدريس، ومحسن بطل توفيق الحكيم، إلا أن كلا منهما ينتصر لحضارته ونشأته، ويحلل الجانب الروحي، محسن برومانسية وحماس، وبطل يوسف إدريس بجدل وحوار ومنطق استفز به المومس الأمريكية.
لقد تمدد البعد الروحي قويا داخل (الذات) العربية وبعمق صعب معه التخلص من هذا التكوين.

الدهشة من الآخر مازالت قائمة

وكان التخلف في مقابل التطور هو التقاطب الرابع، حيث الدهشة التي تصيب أبطال الروايات العربية، والتي تمثل إقرارا صريحا مبكرا بحدود التخلف والتطور.
وإذا كان الفارق الزمني يقترب من قرن من الزمان بين "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" لرفاعة الطهطاوي، و"بدوي في أوروبا" لجمعة حماد، على سبيل المثال، فإن الدهشة من الآخر مازالت قائمة تمثل عملا مغريا لرصد المفارقات للتطور والتخلف بيننا وبين الآخر الأوربي.
إن هذه المساحة الزمنية الكبيرة لم تغير من نبرة وملامح الدهشة، مما يدل بشكل عملي على مساحة التخلف والجمود خلال قرن من الزمان، ومازالت مساحة من التباعد قائمة بحجمها أو تزيد مما يخلف دهشة ما.
وهنا يتوقف المؤلف عند ثلاثة أعمال صورت التخلف المُحدق بالذات العربية بشكل مباشر، وهي: (قنديل أم هاشم ليحيى حقي، وأصوات لسليمان فياض، ومدن الملح ـ التيه لعبد الرحمن منيف).

تقاطب الفضاء الروائي بين الذات والآخر

وفي مجال تقاطب الفضاء الروائي، جاءت بعض الروايات محملة ببعد مكاني محدود ومباشر نحو: (الحي اللاتيني، موسم الهجرة إلى الشمال، عصفور من الشرق، قنديل أم هاشم، الوطن في العينيين، الثنائية اللندنية، بدوي في أوربا، وداعا يا أفاميه، نيويورك 80، فيينا 60، الضفة الثالثة، مدن الملح، أشجار البراري البعيدة) وهو ما يمثل 80% من مجموع الروايات مصدر الدراسة، وهو ما يشكل أيضا، إعلانا مبدئيا عن الحجم التأثيري الكبير لفضاء النص الروائي. ويرى المؤلف أن تحديد المكان يمثل تحديدا للحضارة. وعلى هذا يقوم بدراسة الذات وفضاء الآخر، والآخر وفضاء الذات.
ومن خلال الذات وفضاء الآخر يدرس المؤلف رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، حيث يلعب التقاطب الفضائي في الرواية دورا أساسيا في تكوين الصراع وفي إذكائه، فالبطل (مصطفى سعيد) كان ابن بيئته الشرقية، ولم يتخل عن تكوينه المكاني والحضاري في رحلته الثلاثية (السودان ـ لندن ـ السودان). لقد تمدد المكان في ملامح مصطفى سعيد، وفي فعله ورد فعله.
وفي رواية "بدوي في أوربا" لجمعة حماد، يحمل البطل (سويلم) معطيات مكانه البدوي إلى ألمانيا.
أما تقاطب الفضاء الروائي في رواية "أشجار البراري البعيدة" للقطرية دلال خليفة، فيتمثل في أن البطلة (نورة) تحمل معها كمًّا من المحاذير الأخلاقية، وكمًّا من العادات والتقاليد التي نشأت عليها، وكان هذا زادها في غربتها.
وفي رواية "عودة الذئب إلى العرتوق" لإلياس الديري يشكل تقاطب الفضاء الروائي صراعا جديدا متميزا، لأن البطل (سمران الكوراني) حمل تشظياته وأحزانه وعقده النفسية وهزائمه من الفضاءين (فضاء الذات في الوطن، وفضاء الآخر في باريس). فذكرياته في الفضاءين ملؤها التعاسات والهزائم، إلا أن الوطن يجذبه بحب فطري وحنين ذكرياته مع (مرتا / لبنان) أو على حد تعبيره "الجذر الإنساني النقي الفقير المستضعف في حمأة الحرب الأهلية ـ اللبنانية".
ومن وجهة نظر المؤلف فإن التقاطب الروائي في رواية "فيينا 60" ليوسف إدريس، كان أكثر فاعلية من "نيويورك 80".
أما عن الآخر وفضاء الذات، فيقصد به المؤلف تلك الروايات التي اتخذت من فضاء الذات العربية مكانا لأحداث رواية من روايات المواجهة الحضارية.
وعلى هذا الأساس يدرس الروايات التالية: (قنديل أم هاشم ليحيى حقي، وداعا يا أفاميه لشكيب الجابري، وأصوات لسليمان فياض، وإلى الجحيم أيها الليلك لسميح القاسم، ومحاولة للخروج لعبد الحكيم قاسم، ومدن الملح ـ التيه لعبد الرحمن منيف).
ولعلي انتهز هذه الجزئية لأذكر المؤلف د. محمد نجيب التلاوي برواية "البيضاء" ليوسف إدريس، التي اتخذت من القاهرة مكانا للمواجهة الحضارية مع سانتي اليونانية بطلة الرواية. كما أن هناك روايتي "الشاطئ الآخر" و"زمان الوصل" لمحمد جبريل.

العنف المتبادل بين الذات والآخر

ويخرج المؤلف بنتيجة مهمة في هذا الفصل من كتابه "الذات والمهماز"، وهي أن العنف كان متبادلا بين الذات والآخر، فإذا كانت الذات قد مارست العنف في روايات (موسم الهجرة إلى الشمال، الوطن في العينين، أصوات، عودة الذئب إلى العرتوق) فإن الآخر قد أعاد سيرة الأسلاف والأجداد، ومارس العنف أيضا مثل (سكاريا) واعتدائه على (نجود) في رواية (وداعا يا أفاميه) ومثل (الغرباء) وقتلهم لـ (مفضي الجدعان) في رواية (مدن الملح ـ التيه)، ومثل الممارسات القمعية الإسرائيلية في (إلى الجحيم أيها الليلك).

البطل والبطل المضاد

أما عن التقاطب في الشخصيات الروائية، فيلاحظ أن الشخصية جاءت تابعة للحدث في روايات الرواد الأولى. ولما برزت رواية الشخصية نظر النقاد لشخصية البطل نظرة (الإنسان الخارق). ثم وقع النقاد في شرك الإصرار على الربط بين الشخصية الروائية والمؤلف نفسه. وعموما لن نجد في روايات المواجه الحضارية صورة البطل الأسطوري القديم الذي استمدَّ صفاته من القوى الإلهية لأن البطل في هذه الروايات شخصية تتمتع بطبيعة دياليكتيكية.
وقد درس المؤلف في هذا الفصل من الكتاب التقاطب النوعي للشخصيات الروائية، حيث البطل (الذات) ينقسم إلى بدوي (أمي)، وطالب، ومثقف (رجل أو امرأة). أما البطل المضاد (الآخر) فهو عادة مثقف (رجل أو امرأة).
ويعد البدوي (الأمي) نموذجا وحيدا في الروايات المدروسة، وهو موجود في رواية "بدوي في أوروبا" لجمعة حماد. أما (الطالب) فموجود في الروايات (عصفور من الشرق، وأديب، وأشجار البراري البعيدة، والعبور إلى الحقيقة، والحي اللاتيني، والسابقون واللاحقون، والعبور إلى الحقيقة).
ويذهب المؤلف إلى أن نموذج الطالب في هذه الروايات افتقر إلى التلون الأيديولوجي أو التمذهب، لكنه تفرغ تفرغا تاما لمواجهة المهماز / الآخر، ولم يتفرع الصراع إلى قضايا أخرى داخلية، كما سنجد مع بطولة (المثقف) بعد الاستقلال.
أما البطل المثقف، فسنجد أن رحلته إلى الآخر محملة بدوافع سياسية محلية. وسنجد هذا البطل في روايات (الوطن في العينين، والربيع والخريف، وعودة الذئب إلى العرتوق، وإلى الجحيم أيها الليلك، وهابيل، والضفة الثالثة).
ويلاحظ أن شخصية (المثقف) هي التي استأثرت بأكبر عدد من التجارب الروائية ـ مصدر الدراسة ـ التي تناولت موضوع المواجهة الحضارية بنسبة 15 : 3 أي بنسبة 3 : 1 وجاء الطالب في المرتبة الثانية. كما يلاحظ أن المثقف المستعير لمبادئ الآخر يتنازل عنها بسرعة أمام أقل المغريات حتى لو كانت (مومسا) أو مراهقة.
كما نلاحظ أن هناك درجة كبيرة من المصداقية والتشبث بالمبادئ التي استقاها المثقف من حضارته العربية ونشأ عليها، الأمر الذي يصعب من مهمة التنازل عند بعض الأبطال. مثل بطل "نيويورك 80 " الذي رفض دعوة المومس الأمريكية، بل قاومها مقاومة حسية عندما تعلقت بنصفه السفلي، ثم يستكمل مقاومته بالحوار العقلاني والمنطقي حتى اضطرها إلى الهروب وهي في قمة ثورتها وضيقها.
كذلك نلاحظ تشبث بطلة "السابقون واللاحقون" ثم "الثنائية اللندنية" بما نشأت عليه من أخلاق على الرغم من تخلي حبيبها (العربي) عنها في أوروبا. وكذلك نلاحظ تشبث (نادية) بطلة "الوطن في العينين" بحرية الوطن.
ويلاحظ أن البطل (المثقف) قد ضمَّن مواجهاته القضية الفلسطينية، لأن المواجهة مع إسرائيل مواجهة حضارية (أكون أو لا أكون) مصيرية قبل أن تكون مواجهة عسكرية.
أما عن البطل المضاد، فتكمن فاعليته في أنه المهماز الحقيقي الذي يبعث فينا أولى خطوات الإصلاح التي ينبغي أن تبدأ بنقد الذات كما قال المنظرون.
وسنجد أن البطل المضاد قد جاء في صورة رجل، وفي صورة امرأة. غير أن صورة الرجل جاءت في عملين فقط من الروايات مصدر الدراسة، هما (الوطن في العينين لحميدة نعنع، وأشجار البراري البعيدة لدلال خليفة). ويلاحظ أن صاحبة الروايتين هي المرأة، وقد اختارتا الرجل بطلا مضادا.

المرأة تسيطر على البطولة المضادة

عدا ذلك فقد سيطرت المرأة على البطولة المضادة في روايات المواجهة الحضارية. ويذهب المؤلف إلى تفسير ذلك بأنه: إبراز النظرة الأيروسية المعتمدة على إغراءات الجسد الجنسية، وأن المرأة الأوروبية هي أقصر وسيلة وأسرعها للتعبير عن معنى الحرية الشخصية التي يفتقر إليها البطل العربي، وأن المرأة يمكن أن تكون بديلا عن الأم / الوطن في المنفى أو الغربة، وأن المرأة مجال رحب لتعويض مركب النقص الحضاري، وذلك بتحقيق انتصار فحولة ذكورية محملة بدفء الشرق ولونه، ويتحرك هذا الفعل لمعنى المثاقفة. وأخيرا أن المرأة كرمز يمكن أن يتسع لمسافة الإسقاط النضالي والأيديولوجي.

فشل مشروع المثاقفة

وعموما فقد فشل مشروع المثاقفة بين البطل والبطل المضاد في تلك الروايات، بسبب أن كل طرف يريد الآخر بطريقته الحضارية الخاصة.
ففي رواية "فيينا 60 ليوسف إدريس" ـ على سبيل المثال ـ يتطلع (درش) بفراسته نحو الآخر النسوي حتى فاز بسيدة نمساوية ناضجة هيأت له مناخ الإنجاح والمثاقفة. وبعد إتمام الممارسة بينهما، يكتشف كل طرف أنه نال الآخر بطريقته الخاصة، فدرش تخيل أنه مع زوجته، والسيدة النمساوية عاشت لحظاتها مع درش وقد امتلأت مخيلتها بصورة زوجها، وأصبحت المثاقفة مظهرا مفرغا من كل محتوى، ليبقى الشرق شرقا والغرب غربا.
وعلى أية حال فإن البطل المضاد مثَّل شخصية روائية بسيطة التكوين على الرغم من مهمازيتها، فلم نجد شخصية مركبة ولا معقدة وغاب البعد السيكولوجي عن شخصية (البطل المضاد). ولعل السبب ـ كما يرى المؤلف ـ يعود إلى حجم استحضار (البطل) لها، وهو استحضار غير متعمق، ولأن الشخصية المضادة تعيش نجاحها وواقعها وحريتها وحضارتها المتطورة، فلماذا تنطوي على عقد وأبعاد مركبة تركيبا نفسيا معقدا، ويبدو أن شخصية (البطل المضاد) تركت هذه الأمور لشخصية (البطل)، ولذلك تمايزا فتقاطبا وتولَّد الصراع.

الشكول الفنية لروايات المواجهة الحضارية

أما عن الشكول الفنية لروايات المواجهة الحضارية، فقد تغلب البناء التقليدي بنسبة تصل إلى 90%، ومعنى هذا أن الشكل السيري (الأوتوبيوجرافي) قد فرض نفسه على الروايات ـ مصدر الدراسة ـ ولذلك أعلن عن شكل تقليدي يقوم على خط طولي (البطل) فيخترق الرواية من بدايتها إلى نهايتها، بينما انفلتت محاولات روائية قليلة جدا ـ نسبة 10% ـ من شرنقة البناء السيري التقليدي ليعزف أصحابها على شكول روائية مستحدثة مثل (تيار الوعي، الأصوات، المسرواية)، كما رأينا في الروايات (أصوات لسليمان فياض، هابيل لمحمد ذيب، نيويورك 80 ليوسف إدريس).
إن انخفاض النسبة، أو ندرة التجديد الشكلي والحداثي في بناء روايات المواجهة الحضارية، كأنه إعلان غير مباشر عن تقوقع الذات وعدم رغبتها الجادة في التطوير والتحديث، فواقع المواجهة الحضارية مملوء بالهزائم والانقسامات، مما يستهلك الجهود استهلاكا داخليا، بحيث لم تعد الذات قادرة على الحركة الإيجابية نحو الآخر.

التقييم العام: الروايات لم تقدم ما هو منتظر منها

إن التقييم العام لروايات المواجهة الحضارية يقول: إنها لم تقدم ما هو منتظر منها في هذا الموضوع الحيوي، لأننا لم نلتق بمشروع حضاري، ولم تقدم حوارا مع الحضارات الأخرى، ولم تعبر إلا عن شريحة اجتماعية محدودة (المثقف) ولذلك لم تحرك الروايات الوعي الجمعي.
ومن ناحية أخرى لم تنجح الروايات في تقديم صورة صادقة عن الآخر الحضاري، واكتفت التجارب الروائية بانتقاء شخصيات محددة وجعلت منها رمزا للآخر، وهو أمر لم يبلغ من الدقة منتهاها، ولم تقدم الروايات صيغة مقبولة لكيفية التعامل مع الآخر، هل بالمثاقفة والملاحقة، أم بالحوار أم بالصراعات المتجددة؟
وتبقى الملاحظة العامة أن روايات المواجهة الحضارية آخذة في التناقص. ويبقى التعليل لماذا هي آخذة في التناقص؟
إنه بحث علمي على مستوى عال من الجدية والمنهجية التي لم يحد عنها د. محمد نجيب التلاوي، طوال رحلته الإبداعية النقدية والفكرية بين الذات والمهماز. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية