صراع الإعلام العراقي

من يصدق هذا الموضوع؟

تصورت الأمر مزحة من زميلتي الاكاديمية في كلية الإعلام حين أخبرتني أن المجمع التلفازي والاذاعي المخصص للتدريب العملي لطلاب الكلية، مهدد بالإغلاق بسبب مطالبة هيئة الإعلام والاتصالات تسديد مبلغ عشرة ملايين دينار كأجور الطيف الترددي والخدمات الإدارية، والكلية لا تملك المبلغ، وغير معترفة به من حيث المبدأ!

مجمع تدريبي طلابي يهيئ رجال إعلام المستقبل، مطلوب منه ان يدفع ملايين الدنانير من أجل السماح له مزاولة مهام تدريب الطلبة. من يصدق هذا الموضوع؟

قبل عام كنتُ في كلية الاعلام في زيارة عمل واطلاع. صحبني عميد الكلية الصديق د. هاشم حسن، مع عدد من أساتذة الكلية الكرام الى صرح جميل هو عبارة عن مبنى أنيق جدا يمثل ستوديو مزودا بكل مستلزمات البث الاذاعي والتلفزيوني، يفوق بأجهزته وستوديوهاته ما هو متوفر في بعض فضائيات معروفة موجودة ببغداد والمحافظات.

وجدتُ الطلبة في فرح غامر وهم يتنقلون بين أجزائه من كاميرات ومكملات الانارة، وميكروفونات ومتطلبات الديكور. يتدربون على كيفية الجلوس أمام الكاميرا والتعامل معها والتعامل مع القارئ الآلي (الأوتوكيو) وآليات تقديم النشرات الإخبارية التلفزيونية وإدارة الحوارات التلفزيونية أثناء الأخبار، والصياغة السليمة للأسئلة الصحفية والعمل مع التقنيين في مواجهة المشكلات الطارئة والمداخلات أثناء نشرات الأخبار وفن إعداد البرامج الحوارية، والبث المباشر وكافة المهارات الأخرى. والحال ذاته مع اذاعة الكلية.

بربكم، هل مثل هذا النشاط التدريبي الطلابي، يحتاج من كلية الاعلام، دفع مبالغ إلى هيئة أمامها مئات من الفضائيات والاذاعات التي يمكن ان تستحصل منها مبالغ، هي أضعاف مضاعفة مما تطالب به من كلية الاعلام؟

يبدو ان الهيئة تغافلت، عن حقيقة، أن هذا المجمع الحضاري، يقوم بمزاوجة طلبة كلية الاعلام بين دراستهم النظرية والتدريب العملي، لاسيما أن هناك بونا شاسعا بين الإعلام كدراسة نظرية والإعلام كممارسة مهنية، وان معظم التخصصات الإعلامية في الجامعات كانت حتى وقت قريب تركز على الجوانب النظرية فقط، لذلك نجد أن خريجي الإعلام كثيراً ما يُصدمون بواقع العمل الميداني في المؤسسات الإعلامية، فما درسوه شيء، وما يواجهون من واقع بيئة العمل شيء آخر، لذلك انتبهت كلية الاعلام الى هذه المعضلة، فسعت الى توفير هذا المجمع التدريبي، لرفع مستوى الخريجين الذين يمتلكون الخبرة النظرية، الممتزجة بالتدريب العملي عبر امتلاك المهارات التحريرية في صياغة الخبر وكتابة التقرير والمقابلة الصحفية المرئية عبر استخدام الصورة وإعدادها ليستطيع المتدرب إنجاز تقرير متكامل دون الحاجة إلى مساعدات فنية وتقنية.

إن القائمين على المؤسسات الإعلامية سواء الصحافة أو الإذاعة او التلفزيون دائمو الشكوى عند تعيين الخريجين الجدد، من ان هؤلاء الخريجين يحتاجون الى فترة تأهيل طويلة تمتد أحياناً إلى عام كامل، حتى يصبح أحدهم قادراً على الاعتماد على نفسه في أداء مسؤولياته.

نأمل من هيئة الاعلام والاتصالات، الغاء مطالباتها المالية، وتعزيز تعاونها مع هذا المجمع، والسعي الى توسيع دائرة تردداته وتحويل بث اذاعة كلية الاعلام الى (اف، ام) حتى تشمل محيط بغداد تشجيعا لمواهب الطلبة وتحقيق طموحاتهم المستقبلية، فهذا المجمع يقدم ورش عمل ودورات تدريبية حول صناعة الإعلام، من شأنها تعزيز التفاعل بين إعلاميي المستقبل والتجارب العملية في مجال الإعلام بمختلف مستوياته وتحدياته في عالم متغير، حيث يعمل هذا المجمع التدريبي على توفير فرص عمل لخريجي الإعلام من خلال الارتقاء بمهاراتهم الضرورية وتطويرها لتمكينهم من المشاركة بجودة مهنية وتقنية عالية في سوق العمل الاعلامي.

فهل تغيّر الهيئة قرار مطالباتها المالية وتحوله الى مبادرات لتطوير اذاعة وتلفزيون كلية الاعلام؟ نأمل ذلك .. ونحن بالانتظار!