'صخب ونساء وكاتب مغمور' توقظ الذاكرة الرمادية

شخصيات سلبية مهمة في الفعل الدرامي السردي

الرواية التي أيقظت ذاكرتي الرمادية وهي تنقلني إلى زمن المحنة والجوع والحرمان كاشفة عن وجوه الحياة في زمن الحصار. زمن البحث في النفايات عن قوت الإنسان اليومي. زمن الباذنجان الأحادي الوجود. زمن احتيال الإنسان على أخيه الإنسان. زمن أرامل قتلى الحروب اللائي تحولن إلى عاهرات يمارسن البغاء. زمن تهويمات وكوابيس وفنطازيا الشباب في البحث عن ملاذ افتراضي عن منبع الوجود القاهر في وطن الحزب الواحد والديكتاتور الأوحد.

بهذه الحيثيات وضعنا علي بدر في دراما من البناء السردي في حلم وبكاء ومفارقات وسرور وحرمان وآمال ضائعة تتجلى اسمى الغايات في تحقيقها تاركا شخوصه تتحرك وتنتقل في أمكنة تمثل محور حياة المجتمع البغدادي وصبغتها القاتمة في زمن واحد لا ثاني له وهو زمن الحصار منذ الاستهلال وحتى الخاتمة.

اتخذ السارد منطقة الكرادة أيقونة للتعايش بين مكونات الشعب العراقي المذهبية والعرقية ويسرد لنا بشيء من التفصيل على مرجعية هذه المنطقة التاريخية مارا ببعض الأحداث فالبطل هو كاتب مغمور ورث استديو من جده يقع في منطقة الكرادة محاولا أن يجعل من هذا الاستديو طقسا ملائما للكتابة، حيث يضع الغليون في فمه تشبها بالكتاب العظام ويضع مصباحا أمامه ظنا منه ان هذه الوسائل ستمكنه من كتابة رواية والتي ستفتح أمامه باب الشهرة والمجد.

وهناك شخصيات سلبية مهمة في الفعل الدرامي السردي وهي شخصية وليد المحتال الذي يعتاش على طرق خداعة للناس وحسن مظهره المزيف والكذب المتواصل من أجل خلق علاقات اجتماعية ينتفع من خلالها.

سعاد التركمانية ممثلة الإعلانات الشهيرة، وتحولاتها من عشيقة لأحد كبار الضباط في حكومة الزعيم قاسم إلى عاهرة في الفنادق الرخيصة، تماري، بفضائحيتها وحركاتها الإيحائية وزواجها من رائد الطحان بائع الطحين والمليونير فيما بعد من أجل المال.

عباس الذي يتعرف على عيشة المغربية، ويعيش معها قصة حب صاخبة عبر الرسائل. وتنتهي بالفشل وعدم تمكنه من السفر إلى طنجة المدينة التي تراوده في أحلامه ويقظته بعد أن ابتاع محل بيع الساعات الذي يملكه بغية الحصول على مبلغ من المال يمكنه من السفر إلى طنجة والزواج من عيشة المرأة المغربية التي شاهدها وأحبها عندما كانت موفدة إلى العراق للمشاركة في بطولة للرياضة النسائية، وتنامى هذا العشق عبر الرسائل ولكن بالاعتماد على البطل المحوري (الكاتب المغمور) الضليع بالثقافة الفرنسية والأدب الفرنسي حيث إن عباس ذلك البليد الابله لا يتمكن من كتابة سطر واحد فكيف به أن يكسب ود عيشة المغربية بكل بساطة؟ تحقق هذا الود عن طريق الكاتب المغمور وفيما بعد تكتشف عيشة ان كاتب الرسائل هو الكاتب المغمور وليس عباس الساذج.

هنا بدأت قصة عشق أخرى ولكن بين الكاتب المغمور وعيشة الذي قرر أن يبيع الاستديو من اجل أن يحظى بفتاة أحلامه ويسافر إليها في طنجة المدينة التي تحمل رائحة الشرق والغرب. ولكن لم يتحقق هذا الحلم بمجرد سفره باحثا عن تلك المرأة ولكن دون أثر لوجودها، فلغة الوهم تغلبت على الحقيقة والهاجس الحالم مفضلا العودة الى احضان الوطن وإلى الدار الذي ولد وترعرع به .

فالرواية تظهر التعدد المذهبي، واختلاف الإثنيات واللغات التي تختلط في شارع واحد، وعلى خلفية حياة الناس نشهد ثورات الشيوعيين والقوميين، الانقلابات العسكرية، صراع الفئات الاجتماعية والطبقية في العراق.