صحيفة فرنسية جديدة لبث الروح في سوق الورق المريضة




فوتورينو يجمع رومانسية الروائي بتوق الصحفي

لندن - يدخل يوم الأربعاء الصحفي والروائي الفرنسي إريك فوتورينو سوق الصحافة المريضة بمطبوعة ورقية أسبوعية باسم "لي 1" تحمل معها حزمة من التساؤلات عن سوق ورقية لم تبد عليها علامات الشفاء.

وتنطلق الصحيفة الأسبوعية الجديدة بتصميم مبتكر أشبه بمطوى ينفتح بين يدي القارئ حتى يصل عرضها إلى 84 سم وطولها إلى 63 سم، وهو حجم ضخم، ويحتاج إلى براعة كبيرة في التعامل معه حتى يتمكن من إيجاد مكانته في الأسواق.

واستفاد فوتورينو الذي سبق وأن ترأس تحرير صحيفة "لوموند"، من تصميم لوغو صحيفة "آي" اللندنية العمودي التي صدرت قبل عامين ليختار الرقم "1" اسما لها في لوغو عمودي أيضا يمتد على ارتفاع غلاف الجريدة التي تبدو بهيئة مجلة.

وأعلن فوتورينو الحاصل على جائزة "الفيمينا" عن رواية "قبلات سينمائية" عام 2007، أن صحيفته الجديدة لن تشبه أي جنس من الأجناس الصحفية الموجودة على الساحة العالمية، فهي بمثابة سابقة في تاريخ الصحافة الورقية.

وقال مؤسس الأسبوعية التي توزع كل يوم أربعاء إن "الصحيفة ستتطرق في كل عدد إلى قضية ساخنة تجمع وجهات نظر متعددة لكتاب وفنانين وشعراء وباحثين بهدف فهم واستشعار العالم القادم".

وأكد أنها ستكون في شكل غير مسبوق ومطبوعة على ورق عالي الجودة يولد الرغبة في مطالعتها في أقل من ساعة، خاصة وأن القراء لم يعد لديهم الوقت الكافي للمطالعة.

وتحتوي الصحيفة على مطوية يتم التعامل معها كخارطة طريق، وكلما قلبنا صفحاتها يتضاعف حجمها إلى أن تصبح ملصقا ضخما، وتستعمل على امتداد أعدادها صورا وإشارات وخرائط ونصوصا تتكون من حوالي 45 ألف علامة.

وستقتحم المطبوعة الأكشاك ونقاط بيع الصحف في التاسع من أبريل الجاري بـ 250 ألف نسخة، لكن يبقى الهدف الأساسي لفوتورينو هو تحقيق توازن مالي واقتصادي إذا بلغ حجم المبيعات 300 ألف نسخة.

ويأتي صدور المطبوعة الورقية في وقت تعاني الصحافة الفرنسية، أسوة بالصحافة العالمية، من أزمة متصاعدة في تراجع كميات التوزيع، بعد تغير سلوك القراء مع انتشار الصحافة الإلكترونية.

وتعاني الصحف الفرنسية من الكساد الورقي في مواجهة التطور المتصاعد للمواقع الإلكترونية، وسبق أن طلبت من غوغل دفع رسوم على الأرباح الطائلة التي يجنيها من خلال الإحالة إلى صحف أو مجلات فرنسية.

وسوّى محرك البحث العملاق خلافه مع وسائل الإعلام الفرنسية التي تتهمه بالاحتكار، عبر زيادة عائدات الإعلانات الإلكترونية للناشرين الفرنسيين وإنشاء صندوق بقيمة ستين مليار يورو لتمويل بحوث تطوير النشر الرقمي الفرنسي.

وأعطى الاتفاق الذي وقعه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند ورئيس شركة غوغل أريك شميدت في قصر الاليزيه، وكالة الأنباء الفرنسية والناشرين منصات إعلانية عبر الإنترنت يسهم محرك البحث في تقديمها للمستخدمين.

وتعيش ليبراسيون صحيفة يسار الوسط الفرنسية، تهديدا من نوع آخر في حرب مع نفسها، عبر التخلي عن كادرها التحريري ونقله إلى مبنى آخر وإنتاج المحتوى الإخباري مما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي.

فوتورينو يجمع رومانسية الروائي بتوق الصحفي

ودب خلاف عميق بين محرري الصحيفة التي أسسها الفيلسوف جان بول سارتر مع أربعة آخرين عام 1973، مع المستثمرين، وأُتهم المالكون بالسعي إلى استثمار الاسم التجاري لتحقيق الإرباح في مشاريع آخر شيء فيها العمل الصحفي.

وفي خضم أزمات الصحف الفرنسية يعبر إريك فوتورينو، بحس يجمع رومانسية الروائي بتوق الصحفي، عن ثقته بنجاح مطبوعته الجديدة.

ويرى المتابعون أن فوتورينو لا يتعلم من أخطاء سوق الورق المريضة، لكن ثقته متأتية من دعم الممول لصحيفة "لي 1".

ويمول الصحيفة الأسبوعية رجل الصحافة البالغ من العمر 89 عاما، هنري هيرموند، الذي سبق له أن مول صحيفة "ماتين دي باريس" المتوقفة عن الصدور، وقد حقق ثروته من قطاع العقارات.

ولا ينوي فوتورينو الاعتماد على الإعلانات في تمويل مطبوعته بل على عائدات المبيعات.

وأثار الإعلان عن الصحيفة حزمة تساؤلات عن جدوى صدورها في وقت توقفت أشهر الصحف والمجلات الفرنسية متخلية عن ميدان السباق مع الصحافة الإلكترونية.

ويرى متابعون أن "جرأة" إريك فوتورينو تستحق الثناء أكثر من الإحباط، وقد تبث الروح في سوق الورق المريضة وتستمر في الصدور.

وتتكون لجنة تحرير "لي 1" من المساعد السابق لفوتورينو في صحيفة لوموند، فوران غريلسامير، ومن عدة شخصيات مرموقة مثل هلين تيوليه، المدرسة في كلية العلوم السياسية والمختصة في العلاقات الدولية، ولوب وولف، المختص في الإحصاء والإدارة وجوليان كليمونت، الحائز على الدكتوراه في الإنثروبولوجيا.

ويضم الفريق أيضا المحرر المعروف في دار "غاليمار" لويس شيفالييه، الذي سيتولى اقتراح شاعر جديد في كل عدد، فيما سيتولى المعلق السابق في "غراند جورنال" وتلفزيون "كانال+" والمختص في الفلسفة أوليفيه بوريول، تقديم إضاءة فلسفية على القضية التي يعالجها في كل أسبوع.

كما يستعين فوتورينو بستة شباب، من بينهم مختص في الإنثروبولوجيا ومختص في الإحصاء وآخر في الفلسفة.

وإيريك فوتورينو روائي وصحفي فرنسي درس بكلية الحقوق بجامعة لاورشيل ثم بمعهد الدراسات السياسية بباريس، وعمل صحفيا عام 1984 بصحيفة ليبراسيون، وفي عام 1986 التحق بجريدة لوموند ثم أصبح رئيس تحريرها عام 1998، وفي يناير 2008 أصبح رئيس مجلس إدارة مجموعة "لافلي لوموند"، قبل أن يحصد جائزة "الفيمينا" عن رواية "قبلات سينمائية".

ويتزامن صدور صحيفة "لي 1" مع احتفاء فوتورينو بصدور كتابه الجديد "الضارب في أرض فاس" عن منشورات كالمان- ليفي.

ويتجول فوتورينو في هذا الكتاب في فاس المدينة التي شهدت ميلاد ونشأة "والده البيولوجي"، ويكتشفها بعشق لا يخلو من نبرة نقدية، وسبر أغوار بعض من تاريخها عبر مكونها اليهودي الذي ينحدر منه "أبوه المغربي".