صحفيو تونس يخوضون 'أمّ معاركهم' ضد دكتاتورية النهضة

بالمرصاد لنظام استبدادي قيد النشأة

تونس ـ يقود الصحفيون التونسيون "معركة شرسة" ضد حكومة حركة النهضة الإسلامية التي يقولون إنها "تستخدم أساليب ممنهجة" لـ"تركيع الإعلام" و"وضع يدها عليه" بهدف "تدجينه" و"تكميم الأفواه الحرة" التي تناضل من أجل كشف الحقائق للشعب التونسي حول مختلف القضايا بكل "مهنية" و"جرأة" و"حيادية" وبعيدا عن "إملاءات" حكام تونس الجدد.

ويشدد الصحفيون الذين نفذوا إضرابا يوم الثلاثاء هو الثاني من نوعه خلال حوالي سنة على أن "الحريات الصحفية التي هي جزء من حرية الرأي والتعبير أصبحت مهددة في ظل تزايد الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون والإعلاميون سواء من خلال الاعتداءات عليهم أو من خلال الزج بهم في السجون لأسباب واهية".

وأعلنت نقابة الصحفيين التونسيين أن نسبة المشاركة في الاضراب العام 90 في المئة. وقال منجي الخضراوي الكاتب العام للنقابة الوطنية للصحافيين التونسيين (مستقلة) إن "نسبة المشاركة في الاضراب تجاوزت 90 في المئة، وهي نسبة غير نهائية".

وهذا ثاني اضراب في تاريخ الصحافة التونسية، والثاني أيضا منذ وصول حركة النهضة الاسلامية الى الحكم نهاية 2011.

وفي 17 تشرين الاول/اكتوبر 2012 نفذ الصحافيون اضرابا عاما احتجاجا على ما سموه محاولات حركة النهضة "وضع يدها" على الاعلام.

وبرأي الصحفيين التونسيين فإن "معركتهم" التي أطلقوا عليها "أم المعارك" مع حكومة حركة النهضة، هي "معركة مصيرية" لأنها تتعلق بحرية الرأي والتعبير التي شهدت خلال الفترة الأخيرة عمليات تضييق خطيرة نتيجة الأزمة الخانقة التي تتخبط فيها البلاد.

وتقول رئيسة النقابة الوطنية للصحفيين نجيبة الحمروني "إن النضال من أجل حرية الصحافة وحرية التعبير هو مسار متكامل لأن هناك إرادة سياسية تعمل على تدجين الصحفيين لتجعل منهم بوق دعاية أو تزرع فيهم الخوف"، مضيفة أن "الصحفيين التونسيين تنتظرهم مسيرة طويلة من النضال من أجل الدفاع عن الحريات الصحافية لأن هناك مشروع لضرب أهم مكسب من مكاسب ثورة 14 يناير وهو حرية الرأي والتعبير".

وتزايدت خلال الأشهر الأخيرة وتيرة انتهاك الصحفيين التونسيين بحسب التقرير الأخير لمركز تونس لحرية الصحافة.

وتلقى عدد من الصحفيين والإعلاميين تهديدات بالقتل ما جعلهم يطالبون السلطات بتأمين حماية أمنية لهم مثل الإعلاميين سفيان بن حميدة وسفيان بن فرحات اللذين يعملان بقناة "نسمة" الفضائية الخاصة.

وترجع الحمروني "هجمة السلطة" على قطاع الإعلام إلى "عدم وجود خيار ديمقراطي يحترم جميع الحريات" وإلى "نزعة الحكام الجدد إلى بناء نظام استبدادي يبدأ بتكميم الأفواه ويصادر الحريات الصحفية مستخدما في ذلك مختلف الأساليب بما فيها سجن الصحفيين".

لذلك تؤكد نقيبة الصحفيين التونسيين على أن حرية الإعلام هي "شأن وطني" يتجاوز الصحفيين والإعلاميين ليشمل مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والمدنيين.

ويلاحظ الصحفي زياد الهاني أنه "لا يمكن فصل مسألة الحريات الصحفية وحرية الرأي والتعبير عن المنظومة السياسية التي تنتهجها الحكومة، لأن المسألة تتعلق بخيارات سياسية يبدو أنها تخشى الديمقراطية وترفض التعاطي مع التونسيين كشعب ناضج سياسيا يستأهل أن ينعم بحريته".

ويشدد الهاني الذي سجن الجمعة الماضي وأفرج عنه الاثنين بكفالة مالية، على أن "المعركة التي يخوضها الصحفيون هي معركة كل القوى الديمقراطية ومعركة كل التونسيين لأنها معركة انتصار للحرية على إرادة القمع والاستبداد".

ويلقى الصحفيون التونسيون مساندة قوية من قبل منظمات المجتمع المدني والنشطاء الحقوقيون.

فقد أعرب الناشط والمحامي عبد الناصر العويني عن "استغرابه" من "استعمال القضاء والسجون في تكميم الأفواه"، مشيرا إلى أن "هذا أمر خطير" ودعا إلى "ضرورة وقوف الجميع من مجتمع مدني وقضاة وإعلاميين ومواطنين للدفاع عن حرية التعبير كمكسب رئيسي من مكاسب الثورة ليتم احترام الحريات واحترام أسس الديمقراطية".

أما الحقوقي خميّس قسيلة فقد اعتبر أن "حرية التعبير تدخل في قلب الحريات العامة والحريات الفردية"، مطالبا كل القوى الحية بالدفاع عن حرية الإعلام التي "تشهد هجمة كبيرة تستهدف كل الإعلاميين على جميع المستويات".

وقال الرئيس الشرفي للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان مختار الطريفي إن "حرية الصحافة هي من الحريات الأساسية التي ناضل من اجلها الشعب التونسي ومن حق المواطن أن يتمتع بحرية الصحافة التي تعكس التعبير الحر".

وتعتبر حركة النهضة وسائل الإعلام بما فيها العمومية "معادية" لتوجهات الحركة و"متحاملة"عليها و"منحازة" للمعارضة العلمانية".

وكان رئيس الحركة راشد الغنوشي وصف الإعلام بأنه "حزب معارض". وهدد عامر العريض القيادي بحزب النهضة بالتفويت في المؤسسات الإعلامية العمومية للقطاع الخاص.

غير أن أداء وسائل الإعلام لم يكترث بهكذا تهديدات ونجح أغلبها في رسم خط تحرير مهني ومستقل ما ساعدها على فتح ملفات "حرجة" أزعجت كثيرا الحكام الجدد.

ويقول المحللون إن حكومة النهضة تحاول رسم خطة لإرباك أداء الإعلام بعد أن تحول إلى منبر تناقش فيه قضايا تحاول الحكومة التكتم عليها مثل الإرهاب وتهريب السلاح وفشل الحكام الجدد في إدارة الشأن العام.

ويضيف المحللون أن الإعلام "بات مزعجا لحكومة النهضة ومحرجا لها" خلال الأزمة التي تمر بها البلاد بعد أن "كسر حاجز الصمت"، وتحدى الحركة الحاكمة ليوصل صوت المعارضة إلى التونسيين ما ساعد على تعميق اقتناع التونسيين بفشل الحكومة.

وعلى الرغم من إحداثها لوسائل إعلام مرئية ومكتوبة خاصة بها فقد فشلت حركة النهضة في مواجهة "جرأة" الإعلاميين التونسيين الذين استبسلوا في تقديم صورة البلاد كما هي، وهي صورة تحرج كثيرا حركة النهضة التي تحاول إقناع التونسيين بنجاحها في الحكم.

وفي ظل تمسك الصحفيين التونسيين بالدفاع عن حرية الإعلام بصفة خاصة وحرية الرأي والتعبير بصفة عامة من جهة وإمعان السلطة في سياسة تركيع القطاع من جهة تنذر العلاقة بين الطرفين بمزيد من التشنج والتوتر. وهما تشنج وتوتر قد يشتدان خلال الفترة القادمة خاصة في ظل المساندة التي يلقاها الصحفيون التونسيون من قبل نشطاء المجتمع المدني والمعارضة.