صحفيون يمنيون يتهمون الحكومة بفرض 'حالة الطوارئ' على الإعلام

صنعاء
على الرقيب اولا.. ثم لك

في خطوة اعتبرها مراقبون "استباقية" لتفريغ الانتخابات الرئاسية من مضمونها التنافسي، وعودة إلى ما قبل إعلان قيام دولة الوحدة اليمنية، أصدرت وزارة الإعلام بناء على توجيهات عليا قرارا يلزم إدارة المطابع بالقيام برقابة مسبقة على ما تطبعه من صحف، وإيقافها في حالة مخالفة المادة (103)، ومنها التعرض بالنقد المباشر والشخصي لرئيس الجمهورية، رغم أن الرقابة المسبقة ألغيت مع السماح بالتعددية الحزبية والصحفية عام 1990.
واعتبر علي الجرادي المسؤول الإعلامي والثقافي بنقابة الصحفيين اليمنيين الإجراء بأنه يتنافى مع حرية التعبير، مشيرا إلى أن مثل ذلك الإجراء يمثل رقابة مسبقة على ما تنشره الصحف.
وقال الجرادي "ليس العدل في نص القانون، وإنما أصبح مرتبط بالمزاج"، مؤكدا أن النقابة ستتخذ إجراءات إزاء مخالفات وزارة الإعلام للقانون والدستور الذي كفل حرية التعبير بكل الوسائل. ووصف مسؤول نقابي الوضع الصحافي منذ نحو سنة بالمخيف، وقال الإجراء بأنه نوع من الإرهاب، وأكد أن مستقبل الوضع الصحفي في اليمن أصبح مخيفا.
وجاء قرار وزارة الإعلام بعد أن أوقفت ست صحف يمنية معارضة ومستقلة مشهورة بنقدها الجريء للممارسات التي تقوم بها الحكومة ورئاسة الجمهورية، الأسبوع الماضي نظرا لتوقف المطبعة التي تطبع فيها غالبية تلك الصحف لأسباب غير معروفة، وبعد طلب صحف حزبية وأهلية بترخيص من الوزارة بالطباعة في مطابع أخرى بعد توقف صحف "الشورى" و"الوحدوي" و"النداء" و"الأمة" و"الحرية" عن الصدور عندما أعلنت مطابع الجيل توقفها لأسباب غير معروفة، اتهمت السلطة من قبل المعارضة بالوقوف وراء ذلك.
وأعرب عدد من مدراء مطابع الصحفي في العاصمة صنعاء، طلبوا عدم الكشف عن أسمائهم، عن استغرابهم لقرار الوزارة، وقال مدير أحد المطابع في اتصال مع وكالة "قدس برس" "لم تتلق المطبعة مثل هذا القرار منذ عام 1990، وبهذا القرار أصبحنا مكلفين بقراءة الصحيفة وهذا يعني تأخر طباعتها عن وقتها المحدد".
وكشف عن تلقي المطبعة رسائل من مكتب وكيل وزارة الإعلام تضمنت أسئلة حول الصحف التي تطبع فيها. أما عصام السياغي مدير مطابع صنعاء فقد نفى أن تكون مطبعته تلقت توجيهات من وزارة الإعلام بهذا الشأن باستثناء إشعار واحد هو عدم طباعة صحيفة معارضة.
وقال سامي غالب رئيس تحرير صحيفة النداء وعضو مجلس نقابة الصحفيين إن الإجراء خطير وغير مقبول، كونه يمثل فرض رقابة مسبقة على الصحيفة، ودعا غالب الصحفيين للوقوف تجاه ما تتعرض له الصحافة اليمنية من انتهاكات، ووضع حد لمثل تلك الممارسات.
وأضاف "تطبيق نص المادة (103) من قانون الصحافة يعيدنا إلى ما قبل الوحدة وما كانت عليه الصحافة من وضع في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم".
وتلزم المادة 103 من قانون الصحافة والمطبوعات كل من العاملين في الصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية وبصفة خاصة المسؤولين في الإذاعة المسموعة والمرئية وكل من صاحب الصحيفة ورئيس التحرير المسؤول وصاحب المطبعة ودور النشر والصحفيين بالامتناع عن طباعة ونشر وتداول كل ما يمس العقيدة الإسلامية أو يحقر الديانات السماوية والعقائد الإنسانية، ويتعارض مع المصلحة العليا للبلاد أو ما يؤدي إلى إثارة النعرات القبلية أو الطائفية أو العنصرية أو المناطقية أو السلالية أو تلك التي تعمل على بث روح الشقاق والتفرقة بين أفراد المجتمع أو ما يدعو إلى تكفيرهم وترويج الأفكار المعادية لأهداف ومبادئ الثورة اليمنية أو المساس بالوحدة الوطنية أو تشويه التراث والحضارة اليمنية والعربية والإسلامية، والإخلال بالآداب العامة وما يمس كرامة الأشخاص والحريات الشخصية بهدف الترويج والتشهير الشخصي.
كما تحظر بث وقائع الجلسات غير المعلنة لهيئات سلطات الدولة العليا ووقائع التحقيق أثناء مرحلتي التحقيق والمحاكمة وتعمد نشر بيانات أو أنباء أو معلومات أو أخبار غير صحيحة بهدف التأثير على الوضع الاقتصادي وإحداث تشويش أو بلبلة في البلاد والتحريض على استخدام العنف والإرهاب أو نشر الإعلانات المتضمنة عبارات أو صوراً تتنافى مع القيم الإسلامية والآداب العامة أو قذف وتشويه سمعة الأشخاص أو الاعتداء على حقوق الغير أو تضليل الجماهير، وكذلك إعلانات المستحضرات الطبية والتجميلية والمواد الغذائية دون إذن من الجهة المختصة.
وأكدت على منع التعرض بالنقد المباشر والشخصي لشخص رئيس الدولة ولا أن تنسب إليه أقوالاً أو تنشر لـه صوراً إلا بإذن مسبق من مكتب الرئيس أو وزارة الإعلام ما لم يكن هذا القول أو التصوير تم في حديث عام للجمهور أو في مقابلة عامة، لا تسري هذه الأحكام بالضرورة على النقد الموضوعي البناء.
وكانت ست صحف معارضة ومستقلة توقفت الأسبوع الماضي عن الصدور وسط اتهامات للسلطة بالوقوف وراء ما حدث، ونفى وكيل وزارة الإعلام في تصريح سابق أن تكون وزارته وراء توقف صحف المعارضة.
وكانت مصادر إعلامية تحدثت عن ضغوط رسمية على مطابع الجيل التي تطبع فيها تلك الصحف أدت إلى توقف صحف الثوري لسان الاشتراكي اليمني، والشورى التابعة لاتحاد القوى الشعبية والأمة التابعة للحق، والنداء الأهلية، والحرية الأهلية.
وتأتي هذه الإجراءات التي يصفها الصحفيون بحالة طوارئ ضد الصحفيين بعد أن دعت صحيفة الثورة الحكومية إلى محاسبة كل من يشكك بالإنجازات القائمة وحقائقها الماثلة مثل الوحدة اليمنية والديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية وحرية الرأي وحقوق الإنسان ومشاركة المرأة وبناء سد مأرب واستخراج النفط وتحريز الوطن بالحدود وبناء الإنسان بالتعليم.
وكانت مصادر سياسية كشفت عن أن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح أعرب أثناء لقائه قيادات أحزاب المعارضة عن استيائه من أداء الصحافة الحزبية وحذر الانفصاليين والملكيين من محاولة إشعال الحرائق مجددا.
وقالت المصادر إن معظم حديث الرئيس صالح مع المعارضة دار حول ما اعتبره أزمة الصحافة الحزبية، التي وصفها بأنها نالت من شخصه.
وكانت صحيفتا "الشورى" التابعة لحزب اتحاد القوى الشعبية قبل أن تقوم عناصر مقربة من الحكومة بالاستيلاء على مقر الحزب وإعفاء قيادته من مهامها، و"الثوري" التابعة للحزب الاشتراكي اليمني، تناولتا في أعدادهما السابقة مواضيع جريئة، أبرزها فتح ملف المسؤولين الذين يعملون في حقل التجارة، وتطرقت بالأرقام والأسماء عن شخصيات رفيعة جدا تمارس التجارة، في مخالفة صريحة للدستور اليمني الذي يحرم الجمع بين العملين.
ونشرت صحيفة "الثوري" مقالا تحت عنوان (هرمونات العبودية... لا خصومة بيننا وبين الرئيس بل بلد كان يمكن أن يكون أفضل بدونه) قال فيه الصحفي نايف حسان "يا أخوة ليس من المنطقي أن يحكمنا شخص كعلي عبد الله صالح 27 سنة، وتحرموننا حتى من حق السخرية منه".
ويشير نايف إلى أن الخلط بين انتقاد الرئيس والإساءة إليه الهدف منه "تشريع قانون يجرم تناول رئيس الجمهورية، وذلك لا يهم بالنسبة لنا، للرئيس أن يسن القانون الذي يريد، فالأمر سيكون دافعاً إضافياً لتوسيع مساحة حرية التعبير، وإن تم التضييق على الصحف المحلية فسنلجأ للنشر في الخارج، وفي حال اتساع المضايقات فالهجرة ستكون خياراً جيداً لفضح النظام بشكل أوسع".
ويضيف "ليس بيننا وبين الرئيس خصومة، بيننا وبينه بلد كان يمكن أن تكون أفضل بدونه، الرجل جاثم على أنفسنا 27 سنة، شخص أحتكر المناصب والثروة لأسرته وقبيلته، وانتهكت الحقوق"، ويؤكد أن البلد يعيش أزمة وبحاجة للمكاشفة وبدء عمليات إصلاح شاملة "والجماعة يطبلون ويدافعون عن الرئيس الرمز".
في ذات العدد والصحيفة كتب الصحفي نبيل سبيع، مقالا بعنوان (درس مجاني) حول المستشار الألماني جيرهارد شرودر وما يوجه له من نقد عن فشله في زيجاته، ويضيف "يمنياً لم توجه انتقادات أو حتى إشارة لزيجات رئيس البلد ومع أن نقداً خفيفاً حاول فقط الاقتراب من سياسة الفساد والتوريث والقمع التي ينتجها، تم الحديث ويتم، عن الإساءة للرئيس وشتمه، الرجل الذي أساء للبلد منذ 27 عاماً، غدا ضحية فجأة"، ويستطرد "هنالك حديث عن الشخصنة منذ بدأت الكتابات ضد التوريث قبل عام وشهرين تقريباً، حديث غزير ولكنه فقير طبعاً".
وسبق للصحفي سبيع أن نشر في صحيفة "الثوري" ذاتها مقالة أشار إلى ما وصفه باستعداء الرئيس صالح للقوات المسلحة والأمن ضد الصحفيين عقب حملة التوريث العام الماضي، وقال في تعليقه على ما تعرض له من قذف ولوالدته في صحيفة محسوبة على حزب الرئيس "بالنسبة لي، يافندم، إشارة إلى الرئيس صالح، أطمئنك بأنني لن ألتفت لكتائب سلاحفك الصحفية إن بالجملة أو التجزئة أولاً لأنهم مجتمعين لا يزنون جرام وسخ تحت ظفر، وثانياً لأني سأخرج كل كلمة قذف طالت أو قد تطال أمي من (جشايب) اطلاع فخامتك رسمياً وديمقراطياً طبعاً". (قدس برس)