صحفية تركية معارضة تروي مأساة الأرمن الإنسانية

أنت ملتزم بحب وطنك مهما أثقل قلبك بالجراح

يأتي هذا الكتاب "الجبل العميق.. رؤية إنسانية معاصرة حول المسألة الأرمينية" للكاتبة الصحفية التركية المعارضة اجى تملكران والذي ترجم أخيرا بالقاهرة وصدر عن دار صفصافة بترجمة ميسرة صلاح الدين، ليوكب إقرار البرلمان الألماني قانونا رمزيا باعتبار مقتل "1.5 مليون أرمني" على يد القوات العثمانية عام 1915، قبل مئة عام "إبادة جماعية"، وليصبح أيضا مجموع الدولة التي تقر بالإبادة الجماعية للأرمن على يد العثمانيين 20 دولة بينها فرنسا وروسيا.

يقدم الكتاب رؤية بانورامية للقضية الأرمينية، تجمع ما بين العمل الصحفي الاستقصائي والسرد القصصي الإنساني. وهو عبارة عن سلسلة مقالات كانت قد بدأتها الكاتبة عام 2006 عقب االتوتر الذي نشأ في العلاقات التركية الأرمينية، وتزامن ذلك مع بدء مناقشة البرلمان الفرنسي قانون "تجريم الإبادة الجماعية للأرمن"، ثم اغتيال الصحفي والناشط التركي الأرميني هرانت دينك.

تروي اجى تملكران حكاية هذا الكتاب في مقدمتها حيث تشير إلى أن ما بدأ باعتباره عملاً صحفيًّا بسيطًا انتهى بمقتل صديقها الصحفي هرانت دينك، وهو تركي - أرميني ومن دعاة الحوار الهادف بين الأتراك والأرمن.

وتقول: "لقد قطعت تركيا العلاقات الدبلوماسية مع أرمينيا في عام 1993 وأغلقت الحدود معها، ولكن بالرغم من ذلك فقد انخرط المثقفون والمنظمات غير الحكومية في كلا البلدين في حالة من التبادل الثقافي وأطلقت العديد من الدعوات لفتح الحدود، وباعتباري كاتبة مخضرمة في صحيفة "ميليت" التركية كلفت بالسفر إلى أرمينيا لتسجيل انطباعاتي في سلسلة من المقالات نشرت فى مايو/آيار 2006 بعنوان "أرمينيا جارتنا الأكثرَ بُعدًا".

وتضيف "تجربتي في أرمينيا أعطتني شغفًا أكبر لمعرفة مدى تأثير النزعات القومية الوطنية في عرقلة الحوار المتعلق بالقضية الأرمينية، أرسلتني صحيفة "ميليت" إلى فرنسا لمقابلة القادة البارزين في مجتمع الأرمن النازحين المهاجرين "الشتات" في خريف 2006، وفي الوقت الذي كان فيه البرلمان الفرنسي يناقش قانون "تجريم إنكار الإبادة الجماعية للأرمن" نشرت بعض هذه المقالات في ديسمبر/كانون الأول 2006، وبعد ذلك بشهر تقريبًا في 19 يناير/كانون الثاني 2007 قتل هرانت دينك رميًا بالرصاص أمام مكتبه بوسط مدينة اسطنبول، وتكريمًا لهرانت قررت أن أؤلف كتابًا يحتوى على مادة من المقالات الصحفية وكذلك بعض المواد التي جمعتها من أميركا: مقرَّ معظم الصاخبين والنشطاء في الحقل السياسي من النازحين الأرمن".

وتلفت إلى الأسباب التي دفعتها للعمل على هذا الكتاب، وترى أنها تنقسم إلى شقين: الأول من الناحية العملية وهو إعطاء الأتراك صورة حقيقية وشاملة عن المسألة الأرمينية، وكذلك وجهات نظر مختلفة حول روايات ومشاعر الأرمن في أرمينيا نفسها وخارجها.

والثاني على المستوى الشخصي حيث بدا لي أهمية الاعتراف والتعبير عن حجم المشاعر التي حملت بها، والتي جعلت العملَ أقلَّ موضوعية، ولكنَّه أكثر تبصرا بالحقيقة، أكثر مما يمكن لأي كاتبٍ غربي أن يُدرَكَه.

الكتاب مقسم إلى ثلاثة أجزاء الأول بعنوان "أيتها الشابَّة.. على الأقل نملك روحاً"، والثاني "مخدر بالاتهامات المستمرة"، والثالث "أود أن أقوم برحلة لأتعرف على الأتراك أيضا"، ويندرج تحتها عشرون مقالا سرديا.

تقول المؤلفة مخاطبة المرأة الأرمينية تحت عنوان "أنا لم أسرق جبل أَحَد": الآن ماذا أستطيع أن أقول لك يا أختي الأرمينية؟ ماذا أستطيع أن أقول؟ هل ترغبين في اعتذار؟ إن الاعتذار الذي يأتي من الغرباء ليس حقيقيًّا، إنه اعتذارٌ رخيصٌ لا معنى له في هذا التوقيت؛ "أنا آسفة" عبارةٌ ربما يمكن أن تكتب على السماء كالدخان المتصاعد من الجراح المنسية والتي لا نسامح من ارتكبها.

هنالك هؤلاء الشباب الألمان الذين كبروا وهم يشعرون بالعار حتى من لغتهم، بل إنهم ذهبوا لمستعمرات اليهود في إسرائيل للتكفير عن ذنب ارتكبه أجدادهم. هل هذا هو نوع الاعتذار الذي تريدينه؟ هل يجب أن يولد أبنائي أيضًا وهم يحملون نفسَ الذنب؟ هل تدرين يا أختي، أن الأطفال في بلادي لا زالوا يعذبون؟ هل تدرين أن الناس الذين يطالبون باحترام حقوق الإنسان مازالوا يقتلون؟ أختي العزيزة، كيف تتوقعين من بلاد لا تستطيع أن تواجه الحاضر أن تشعر بالذنب على ما ارتكبته من جرائم على مر العصور كما تفعلين؟".

وتضيف "إنني لن أتلاعب بالكلمات، ولن أحرفَ الحقيقة. سأسردها كما هي. إن المذبحة التي تنتحبين عليها ما هي إلا نقطةُ البدايةِ في تاريخ بلادي، حيث أصبح القتل الجماعي أمرًا اعتياديًّا. نعم يا أختي، لقد كان ذلك في صيف 1915 عندما بدأت بذور الموت المخبأة تنبت، وبدأ أجدادُك وجداتك في الهجرة خارج الوطن وتفرقوا في البلاد.

لقد حمل قومُك قتلاهم على الأكتاف لمسافات طويلة قبل أن يستقروا في أراضٍ بعيدة، ويصبح الألمُ هو العمودَ الذي يرفع سقفَ منازلكم والذي تلتصقون به، وأصبح همُّ آبائك هو الحفاظَ على هذا الجُرحِ الذي حرص الآخرون على طمسه، وكلما حاولوا طمسَهُ أكثر كلما التصقتم به أكثر. لقد كان خوفُ قومي من فقد بلادهم هو السبب في حدوث حالة فقدانِ ذاكرةٍ اختياري. هذا هو ما قيل لنا نحن أيضاً".

وحول الأجواء في تركيا عقب اغتيال الكاتب التركي الأرميني هرانت دينك، تقول: "كانت ردة الفعل العنيفة التى تسبب بها موت هرانت قد وصلت إلى ذروتها، وأصبح النقاش العقلاني أصعب كثيرًا من أي وقت مضى. صعود أحزاب الإسلام السياسي والجيش واشتباكات المتعصبين في الجنوب الشرقي قد تثبط أي شيء.

في هذا المناخ السياسي المتفجر، يبدو أن هذه البلاد ليس لديها نية لمناقشة القضية الأرمينية والرجوع إلى مشكلة متجذرة في الماضي.

وفي ليلة اجتماع المثقفين قال أحدهم "يجب أن ننظم أنفسنا لمواجهة أي مكروه يحدث لأحدنا، كنا في غاية الخوف ولكننا كنا أكثر خوفًا على بلادنا، إنها البلاد التي أحببناها والتي ما زلنا نبحث عن حلول لمشكلاتها. ولكن أي بلاد هذه؟ إنها لم تعد البلاد التي عرفناها في الماضي، إنها تتحطم أمام أعيننا لقطع صغيرة جدًا، أين سنذهب عندما تتحطم تلك القطع الصغيرة؟ أين يمكننا أن نكون؟ هل سنتحول نحن أيضًا إلى أبناء الأشباح كاللبنانيين والعراقيين والإيرانيين الذين يجوبون أوروبا؟ هل سنصبح مثل الأرمن؟

في أحد الأيام قام مجموعة من تلاميذ المدارس بجرح أصابعهم ورسم العلم التركي بدمائهم. هذا العلم الذي يقطر دماءً قد تم وضعه في برواز وإرساله إلى رئيس هيئة الأركان. بعدها بدأت صورتي في الظهور في الصحافة بكثرة عندما كتبت مقالاً يعارض ما حدث "هذا العلم أحمر بما فيه الكفاية ولا حاجة للمزيد من الدماء".

كانوا يصفون صورتي دائما بـ "المرأة البشعة"، وعندها أدركت أنني أحب هذه البلاد ولكنها لا تحبني. كنت خائفة جدًا هل يمكن أن يحب شخص ما بلاده في هذه الظروف؟!

وهنا أدركت معنى الشعور بالانتماء، حتى إذا حاولوا قتلى فإنني ما زلت بموطني، مهما كانت طبيعة هذا الوطن، حتى إذا تحول إلى رماد. لقد كان هرانت على حق؛ يستطيع الوطن أن يتخلى عنك ولكنك لا تستطيع أن تتخلى عن الوطن. أنت ملتزم بحب وطنك مهما أثقل قلبك بالجراح.