صالونات سياسية متحركة تجوب شوارع تونس

السياسة.. حديث الشارع في تونس

تونس - لا يحتاج الصحافي الذي يزور تونس لاكثر من رحلتين او ثلاثة مع سائقي التاكسي ليفهم توجهات الراي العام ويشكل في ذهنه صورة عفوية وغير منمقة لواقع البلاد في مهد "الربيع العربي".

سائقو التاكسي في مرحلة ما بعد الثورة تكاثرت اعدادهم في العاصمة التونسية وغيرها من المدن، بشكل يوحي لك بان هذه المهنة اصبحت من اهم الانشطة المستوعبة للشباب العاطل عن العمل وخاصة منهم اصحاب الشهادات الجامعية الذين أخرجهم التعليم الجامعي مباشرة الى الشارع دون ضمانات شغل او حتى فكرة بسيطة عن اسلم المسالك لدخول معترك الحياة.

الاغرب هو ان بعض سائقي التاكسي لا فكرة لهم ايضا عن افضل الطرق لبلوغ الوجهات التي تريدها في العاصمة ونواحيها. وقد تجد نفسك وانت الزائر الغريب ترشد سائق التاكسي الى الطريق من المطار الى فندق الشيراتون او من وسط المدينة الى ضاحية سيدي بوسعيد بجمالها الاخاذ.

تسأل بعض سائقي التاكسي الذين وخط الشيب شعرهم عن السبب في وجود سواقي تاكسي لا علاقة لهم بمهنة السواقة، فتختلف الاجابات حسب الميول السياسية للسائق. وهي ميول اصبح كل سائق تاكسي يعبر عنها بلا خوف او وجل.

يقول سائق التاكسي المتعاطف مع حركة النهضة الاسلامية ان اغراق السوق بسائقي التاكسي غير الاكفاء هو من صنع مسؤولي "العهد البائد" في السنوات الاخيرة لحكم بن علي. هؤلاء حسب قوله كانوا كانوا لا يترددون في تشغيل الشباب العاطل عن العمل حتى ولو كان ذلك دون تدريب او تاهيل.

تساله لماذا، يقول لك ان الهدف كان مكافاة المتعاطفين مع الحزب الحاكم او ان المسؤولين السابقين في المحافظات كانوا يمنحون التراخيص لسائقي الاجرة مقابل دفع اتاوات تذهب الى خزائن "التجمع" (الحزب الذي كان يراسه بن علي والذي تم حله مباشرة بعد سقوط النظام).

البعض الاخر يقول لك ان وهن السلطة وغياب الردع جعل الكثيرين من الافراد يقودون سيارات تحمل كل مواصفات سيارات الاجرة الا التراخيص القانونية اللازمة لها. ويردف قائلا: "خبزة!"، يعني بذلك ان الشاب المسكين الذي لم يجد شغلا احتاج ليتحايل على القانون حتى يحصل على قوت يومه.

لكن حتى اذا كان سائق سيارة الاجرة دخيلا على المهنة فلا داعي ابدا للانزعاج. فالرحلة عادة مشوقة وتنتهي دون مشاكل حتى وان تاه صاحبنا في الطريق. والحق يقال ان معظم سواق التاكسي في العاصمة التونسية يعرفون طريقهم وزيادة. بل ان كلهم تقريبا، اضافة لكفاءتهم في التعامل مع الاختناق المروري، وهم اصحاب مواقف سياسية يدافعون عنها ولهم تظلمات كثيرة يعبرون عنها للراكب اذا ما سأل وحتى إن لم يسأل.

كثيرون يقولون لك ان شاغلهم هو الامن، لذا اضحوا يتوقفون عن العمل مع اول الليل. واذا اشتغلوا ليلا فلا ينقلون على متن سياراتهم الا من يستثيقونه من الركاب. وهم لا يذهبون الا الى الوجهات التي يرونها آمنة.

يقول احد السواق "لم يعد بامكانك التعويل على دوريات للشرطة أو الحرس لتخلصك من اي مازق قد تقع فيه مع حريف او حريفة". آخرون يشتكون ايضا من ارتفاع الاسعار وضعف المقدرة الشرائية.

قال احدهم "لقد طلقنا الثمار فهل نطلق الخضروات ايضا؟" والبعض يتهم الحكومة بالتقصير، قائلا انه كان من المفروض ان تعول الحكومة الحالية على الكفاءات لا على المحاصصة السياسية في تعيين الوزراء وكبار المسؤولين.

لكن يبقي هناك من ينحي باللائمة على المعارضة متذمرا "لم يتركوا هذه الحكومة المسكينة تعمل". وهناك من ضاق ذرعا بالسياسة والسياسيين جميعهم". ويقول لك مستنكفا من مختلف الاحزاب دون تمييز "كلهم يجرون وراء الكراسي ولا تهمهم مصلحة المواطن البسيط".

كل واحد من سواق التاكسي أيضا ناقد تلفزيوني ومعلق لا تغيب عنه شاردة او واردة. واذا كانت رحلتك معه صباحا فجهز نفسك كي تستمع لتحاليله بخصوص الحوار التلفزيوني الذي شارك فيه البارحة هذا السياسي او ذاك.

فهذا "لم يكن مقنعا" حسب رايه. وذلك "اضاع فرصة ثمينة كي يصمت" والاخر "بهيم موش زعيم" (أي "حمار وليس زعيما" بالعامية التونسية). اما السواق الشباب يطعّمون كلامهم بما طالعوه على "فيسبوك" من كلام ينتصر لهذا القيادي او يبرر مواقف الاخر.

تكاد كل النقاشات لا تخرج من دائرة الجدل السياسي. ولم يعد هناك من يتحمس لفريق رياضي دون اخر. او من يحدثك عن آخر فيديو كليب لنانسي عجرم. عالم التاكسيات التونسية اليوم هو عالم سياسة لا يعلو فيه على صوت النقاشات التي لا تنتهي سوى صوت الراديو وهو يذيع آخر الاخبار على اسماع ركاب وسوّاق غوتهم جميعا السياسة حتى وان لم يقنعهم بالضرورة اهلها.