صالات السينما في بغداد لا تجد من يرتادها

بغداد
سميراميس، شحنة اثارة لكي تبقى دار العرض حية

يمرر عبد الامير كريم ريشته باسطا ذراعه على لافتة سينمائية عملاقة منصوبة على جدار مشغله الذي تعمه الفوضى، في زقاق مطل على شارع السعدون في حي السينمات في بغداد.
اختار هذا الفنان توظيف موهبته في رسم اللافتات الاعلانية للافلام التي لم تعد تستقطب الكثير من المشاهدين، باستثناء فتيان يبحثون عن رعشة الاحاسيس. وتحتل الاثارة بالتالي واجهات صالات السينما، سعيا لاجتذاب ما تبقى من المشاهدين.
يضع الفنان اللمسات الاخيرة على اللوحة القماشية التي تمتد على مساحة بضعة امتار مربعة. يظهر فيها مقاتل يشبه بعضلاته البارزة البطل رامبو، وهو يثب ببسالة مسددا سلاحا متطورا ومحاطا بحوريتين ساحرتين.
اسم الفيلم المصنف من الدرجة الثانية "ملائكة من الفولاذ"، وقد ترجم حرفيا الى العربية، في حين تترجم اسماء الافلام عادة بتصرف حتى تتكيف مع الاذواق المحلية.
هكذا اعطي فيلم "شو غيرلز" (فتيات الاستعراض) عنوان "فتاة الليل"، في حين يتحول فيلم "سكي سكول" (مدرسة التزلج) الى "حب على الجليد". اما "ادالتيري" (الزنا)، فيترجم بكثير من الحشمة الى "رحلة الحب".
فالحب والعنف والاباحية هي كل ما تبقى لدر ارباح ضئيلة على مستثمري صالات السينما القلة في بغداد الذين ما زالوا يقاومون، ولو بدون الكثير من القناعة، موجة الاشرطة المقرصنة التي يتناقلها العراقيون بحرية تامة وتعرض عليهم اخر الافلام الغربية.
على لافتة اعلان فيلم "درس خصوصي"، بحسب الترجمة المحلية لفيلم مجهول المصدر لم يكن من الممكن العثور على اي اثر له في السينما العالمية، يظهر مدرسون في جلسات مليئة بالايحاءات، يتبادلون نظرات مفعمة بالرقة.
باميلا اندرسون في فيلم "بارب واير" (اسلاك شائكة) الذي اضحى في بغداد "لا تناديني حبيبتي"، تطل على واجهة سينما السعدون بصدرها العارم وهي ترمق المارة بنظرة ملتهبة وتحمل بين يديها مسدسا بارزا بين قفازيها الاسودين، وكأنما توجه اليهم دعوة مبطنة الى رعشات رخيصة في كنف القاعات المظلمة.
يقول سمير كامل، وهو موزع افلام يستثمر صالات سينما في الموصل (شمال) وانتقل منذ اربع سنوات الى بغداد، ان "الاباحية هي النوع الوحيد الذي يجتذب المشاهدين حاليا".
ويضيف بحسرة، جالسا في مكتبه الفسيح المزين بالملصقات وآلات العرض القديمة، ان "العائلات هجرت نهائيا صالات السينما، في حين تكفلت اجهزة الفيديو العادية والرقمية بالباقي".
يستعرض كامل باعتزاز تاريخ عائلته الذي يتطابق مع تاريخ السينما في العراق. يروي مفاخرا "والدي كان من استورد اول فيلم صامت في مطلع القرن العشرين. وهو الذي شيد سينما سميراميس، التي لا تزال حتى الان بمقاعدها الالف والثمانمئة كبرى صالات بغداد".
وبالرغم من كل ذلك، لا ينال المشاهد مبتغاه. فمقص الرقابة الذي تسهر عليه وزارة الثقافة يبقى متيقظا لاقتطاع كل المشاهد التي لا تنال استحسانه.
وليس من النادر اختصار فيلم مدته ساعة ونصف الساعة، في 45 دقيقة، ما يحمل صالات السينما عموما على عرض فيلمين بسعر واحد للتعويض على المشاهدين.
وذكر كامل ان العراقيين لم يتهافتوا لمشاهدة فيلم "تايتانيك"، موضحا ان نسخة مقرصنة عن هذا الفيلم الذي احرز نجاحا ضخما في باقي انحاء العالم، كانت متوافرة في بغداد حين كان الفيلم يعرض في الولايات المتحدة.
وقرر شقيقه ممتاز كامل الذي يستثمر صالة سميراميس، التوقف عن توظيف الاموال في هذا القطاع. ولم يعد يفتح سوى قسم من الصالة لاستقبال المشاهدين النادرين، من اجل المحافظة على المقاعد المريحة من المخمل الاحمر القاني التي يشير اليها بفخر.
ويعترف رسام اعلانات الافلام انه لا يشاهد اطلاقا الافلام التي يرسم ملصقاتها، بل ينجز عمله انطلاقا من صور فوتوغرافية يجيزها الرقيب.
يقول انه يطلق العنان لمخيلته، مشيرا الى ان انجاز لوحة الاعلان لا يستغرق اكثر من نصف نهار. وهو يتقاضى ما يوازي 25 دولارا للوحة، ما يؤمن له عيشا افضل مما لو واصل عملا ابداعيا في مجال الرسم.