"صاروخان" أحد رموز الكاريكاتير السياسي

مكتبة الإسكندرية بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير وجمعية القاهرة الخيرية الأرمينية العامة تحتفل بمرور 120 عامًا على ميلاد فنان الكاريكاتير الأرمني.


جمعة فرحات يعتبر صاروخان مؤسس الكاريكاتير المصري، حيث إن كل المحاولات التي سبقته كانت رسمًا عاديًا وليست كاريكاتيرا


أهمية توثيق أعمال صاروخان باعتباره أحد أهم صناع الكاريكاتير

يعد الفنان الأرمني ألكسندر صاروخان (1898 ـ 1977) أحد رموز الكاريكاتير السياسي خاصة الذين شكلت ريشاتهم خصوصية الكاريكاتير المصري، وصل إلى مصر عام 1924 وكانت موهبته في الرسم قد تبلورت عبر الدراسة والعمل، وصل في وقت كانت فيها الصحافة المصرية تشهد ازدهرا ثريا وولادات مهمة لصحف ودوريات ومجلات وانفتاحا على مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والفنية والثقافية، وقد كان لقاؤه بالكاتب الصحفي الشهير محمد التابعي عام 1927 رئيس تحرير روزاليوسف تحولا رئيسيا في مسيرته كرسام كاريكاتير، حيث صحبه التابعي معه إلى "آخر ساعة" ثم أخبار اليوم.
وقد احتفلت مكتبة الإسكندرية بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير وجمعية القاهرة الخيرية الأرمينية العامة، بمرور 120 عامًا على ميلاده، حيث أقامت ندوة شارك فيها د.سامح فوزي رئيس قطاع الإعلام والاتصال، والرسام جمعة فرحات رئيس الجمعية المصرية للكاريكاتير، وسيلفيا نارديان حفيدة الفنان صاروخان، وعبدالله الصاوي الباحث في تاريخ وذاكرة الكاريكاتير. حيث أكد فوزي أن هذه الاحتفالية تأتي تقديرًا لقيمة صاروخان الفنية، ودوره في ازدهار فن الكاريكاتير في مصر، وكذا أهمية توثيق أعمال صاروخان باعتباره أحد أهم صناع الكاريكاتير، كما أن أعماله تعتبر جزءًا من ذاكرة المجتمع المصري وشاهدة على اللحظات السياسية الفارقة في تاريخ مصر. 
واعتبر جمعة فرحات صاروخان مؤسس الكاريكاتير المصري، حيث إن كل المحاولات التي سبقته كانت رسمًا عاديًا وليست كاريكاتيرا. وأشار إلى أنه كان صاحب ريشة عظيمة، واتسمت رسوماته بالحيوية وكأنها تتحرك. وقد تتلمذ على يده عدد كبير من الفنانين، كما أن زملاءه تأثروا بفنه تأثرًا كبيرًا، لافتًا إلى أنه استطاع أن يغير قواعد الرسم وبعث روحًا جديدة للإبداع من خلال فنه.

وأعربت سيلفيا نارديان عن سعادتها بإقامة هذا الحدث الذي يحتفي بصاروخان وإبداعاته، مؤكدة أن عام 2019 هو عام صاروخان، فقد شهد نشر مذكراته باللغة الأرمنية، إلى جانب إقامة معرض عن حياته وأعماله. وقالت إن وجود صاروخان في مصر كان له دور كبير في نجاحه وتحقيق طموحاته، فبالرغم من أنه أتى لمصر وعمره 26 عامًا ولم يعرف اللغة إلا أنه انصهر في المجتمع بسرعة، كما أن المجتمع المصري ساعده على الاندماج لما يتسم به من كرم وتسامح وانفتاح على الآخر.
عرض عبدالله الصاوي مجموعة كبيرة من الصور النادرة عن حياة صاروخان وأعماله، وأعرب عن سعادته لعرض هذه الصور لأول مرة بمكتبة الإسكندرية، لافتًا إلى أنها تأتي في إطار مشروع لتوثيق الكاريكاتير المصري.
وتضمنت الصور عددا كبيرا من أعمال صاروخان الشاهدة على تاريخه ومسيرته في مصر، ومنها أول رسم كاريكاتير لصاروخان عام 1924 وتناول أزمة الدقيق والعيش في مصر، وأول ظهور لشخصية المصري أفندي في روزاليوسف، وأول غلاف لمجلة آخر ساعة، إلى جانب عدد من الكتب والمجلات التي أصدرها صاروخان ومنها كتاب "هذه الحرب"، ومجلة "لا كارافان"، ومجلة السينما الأرمينية.
وأكد الصاوي أن صاروخان استطاع أن يعبر عن المشهد السياسي المصري والروح الوطنية من خلال الكاريكاتير، فقدم أعمالا كثيرة عن ثورة يوليو وحرب أكتوبر، وبورتريهات لقادة وزعماء مصريين كسعد زغلول ومحمد نجيب وجمال عبدالناصر وغيرهم. 
وشهدت الاحتفالية إقامة معرض فني تضمن عددا من الأعمال التي شاركت بالمسابقة الدولية "صاروخان يعود من جديد" والتي شارك فيها 180 فنانًا. 
وفي إطار الاحتفالية قدم الباحث في العلوم السياسية د.ممدوح مبروك كتيبا تتبع في مسيرة حياة صاروخان، انطلاقا من ولادته ونشأته وتجلياته وظهور موهبته في الرسم لأول مرة وانتهاء بوصوله مصر وبداية مشاركاته الكاريكاتيرية في الصحف المصرية، يقول مبروك " ولد ألكسندر هاكوب صاروخانيان في أول أكتوبر عام 1898 ببلدة أرادانوج الواقعة أقصى شمال شرق تركيا التي كانت تقع ضمن مقاطعة باطوم؛ إحدى المناطق الإدارية في إقليم ما وراء القوقاز التابع للإمبراطورية الروسية. كان صاروخان الابن الثالث لأب كان يعمل تاجرا للأقمشة، في العام 1900، قرر الأب الانتقال إلى عاصمة المقاطعة باطوم حتى يتسنى له العمل في تجارة النفط، بعد أن أصبحت باطوم ميناء رئيسيا على البحر الأسود، وفي باطوم ولد ابن ثان للأسرة هو ليفون. قام ألكسندر وأخوه ليفون بمحاولتهما الأولى في الرسم وهما طفلان صغيران، حيث كان يشجعهما الوالد الذي لم يكن يجيد الرسم هو نفسه. وحين جاء الوقت المناسب ألحق ابنه ألكسندر بالمدرسة الروسية في المدينة، وكان يوجد بهيئة تدريسها مدرس روسي للرسم، وكان هذا المدرس أول المشجعين الحقيقيين لألكسندر. ثم انتقل الأب هاكوب بأسرته المكونة من زوجته وثلاث بنات وولدين إلى إسطنبول لتأسيس تجارة في النفط القوقازي. ومع بداية العام الدراسي "1909 ـ 1910" التحق الأخوان ألكسندر وليفون بمدرسة الآباء المخيطاريين، وفي هذه الفترة قاما بتأسيس صحيفة أسبوعية منزلية مكتوبة بخط اليد، وكان ليفون هو الذي يقوم بجمع المقالات وتأليفها ثم تحريرها وكتابة النصوص يدويا، أما ألكسندر فكان هو الذي يقوم برسم الصور الكاريكاتورية. 

fine arts
الأخوان صاروخان

ويضيف مبروك أنه في العام 1912 عاد الأب إلى باطوم تاركا صاروخان وأخاه ليتما تعليمهما بالقسم الداخلي في مدرسة الآباء المخيطاريين، ثم يعودا إلى باطوم ليلحقا بالأسرة. لكن الحرب العالمية الأولى حالت دون تحقيق ذلك؛ حيث إنها فجرت حربا مسعورة ضد الأرمن، فتم تهجير وتشريد 2.3 مليون منهم ممن يقطنون تركيا، بالإضافة إلى نقل 1.5 مليون آخرين، لذا لم يجد صاروخان وأخوه مفرا إلا أن يحبسا نفسيهما داخل مدرسة الآباء المخيطاريين مع عدد قليل من التلاميذ والمدرسين لأن المدرسة منحتهم قدرا من الحماية. وعندما انتهت الحرب قام صاروخان بتحويل اسم العائلة من صاروخانيان إلى صاروخان، وعمل مترجما للغات الروسية والتركية، والإنجليزية بالجيش البريطاني ثم موظفا لإحدى الشركات لمدة قصيرة، وأخيرا استطاع نشر رسومه الكاريكاتيرية في بعض الجرائد والمجلات الأرمنية، وأهمها صحيفة "جافروش".
ويحكي مبروك قصة انتقال صاروخان إلى مصر بعد دراسته للفنون بمعهد الفنون الجرافيكية بفيينا، ويوضح "تعرف صاروخان في فيينا على عبدالقادر الشناوي الذي قصدها لدراسة فنون الطباعة؛ حيث كان ينوي إنشاء مطبعة في مصر وإصدار صحيفة أو مجلة أهلية، وكان يبحث في تلك الفترة عن فنان كاريكاتوري جيد يأخذه معه إلى مصر ليرسم في صحيفته أو مجلته، وقد أعجب الشناوي كثيرا بصاروخان وقرر إحضاره إلى مصر. وعندما عاد عبدالقادر الشناوي إلى مصر أرسل إلى صاروخان تذكرة سفر، ووصل بالفعل إلى الاسكندرية في أغسطس/آب 1924 ولم يجد أحدا بانتظاره، وبعد سلسلة من المفارقات وجد صاروخان نفسه في بلد غريب، لكن الشناوي عاونه حتى اقتنص صاروخان فرصة عمل كمدرس رسم بمدرسة كالوسيديان ببولاق مع بداية العام الدراسي 1924 وبعد هذا التاريخ خرج عبدالقادر الشناوي من حياة صاروخان.
ويشير مبروك إلى أن القاهرة كانت في تلك الفترة تضج بالعديد من الأرمن الذين شكلوا جالية ضخمة فرضت نفسها على الساحة الاقتصادية والاجتماعية، فتعرف صاروخان على عدد كبير منهم مثل: محرري الصحف والمجلات والتجار وبعض الحرفيين، لكن أهمهم هو الزنكوغرافي أرام بربريان الذي كان يقوم بإعداد كليشيهات أغلب الصحف والمجلات الصادرة بالقاهرة بجميع اللغات. وكانت ورشة بربريان بمثابة ملتقى غير رسمي للصحفيين وأصحاب الصحف ودور النشر، ومن الورشة التي كانت تعقد في عابدين عرف الناس صاروخان رساما كاريكاتيريا متميزا، زينت إبداعاته العدد الأول من مجلة «السينما الأرمنية» الذي صدر 24 يناير/كانون الثاني 1924 ولم يضيع وقته، وظل يرسم يوميا حتى تمكن من تنظيم معرضين لرسومه الكاريكاتورية في القاهرة والإسكندرية، ولاقى خلالها نجاحا ملحوظا. 
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1927 كان اللقاء الأول بين صاروخان ومحمد التابعي في ورشة بربريان، ففي تلك الفترة كان محمد التابعي؛ رئيس تحرير مجلة "روزاليوسف" طامعا في دفع المجلة إلى الاهتمام أكثر بالسياسة، وكان في حاجة إلى رسام كاريكاتير موهوب يستجيب لموقف المجلة السياسي المناصر لحزب الوفد آنذاك، خاصة أن رسام المجلة الأصلي وهو الأسباني سانتس كان يرسم النكت على غلافها الأمامي، لكن سانتس كان رساما أساسيا لمجلة الكشكول ذات التوجهات السياسية المضادة تماما لتوجهات روزاليوسف، أما صاروخان فكان يرغب في نشر رسومه في مجلة واسعة الانتشار مثل روزاليوسف، فأخذ يرسم وجوه الزعماء السياسيين بمساعدة التابعي وتشجيعه. وبالفعل رسم صاروخان أول غلاف للكاريكاتور السياسي على غلاف العدد 118 من روز اليوسف الصادر في 22 مايو/آيار 1928 كما ظهر أول كاريكاتور سياسي له منفذ بالحبر الأسود على الصفحة السابعة من العدد 1932.
ويلفت مبروك إلى أن صاروخان منذ العام 1932 استطاع أن يكون من أوائل الرسامين الذين قدموا شخصية نمطية كاريكاتورية في مصر تعبر عن العقل والمزاج العام للشعب المصري، وهي شخصية "المصري أفندي"، ولم يكن صاروخان يعرف شيئا عن الشخصيات المصرية، ولم يكن يعرف اللغة العربية، فاقتبس شخصية المصري أفندي من صورة للرسام الإنجليزي ستروب في "الديلي إكسبريس". وكانت الصورة لرجل قصير يضع على رأسه القبعة، ويمسك في يده مظلة، وقام التابعي والسيدة روزاليوسف بتحوير هذه الصورة، فاستعمل الطربوش بدلا من القبعة، واستعمل المسبحة بدلا من المظلة. كانت شخصية المصري أفندي في كاريكاتور صاروخان تعبر عن طبقة الموظفين في مصر ولعبت دورا هائلا في السياسة المصرية في ذلك الوقت، وخاصة في المعارك مع الزعماء ورجال السياسة. 

وفي العام 1934 احتد الخلاف بين محمد التابعي وروزاليوسف، فخرج التابعي من المجلة ومعه صاروخان لتأسيس مجلة "آخر ساعة"، وكان هو رسامها الأول، حيث زين المجلة برسومه الجميلة من أول عدد صدر في 15 يوليو/تموز 1934. وفي عام 1946 تنازل محمد التابعي عن مجلة "آخر ساعة" للأخوين علي أمين ومصطفى أمين، اللذين ألحقاها بصحيفة "أخبار اليوم" ليؤسسا مؤسسة صحفية كبرى هي "دار أخبار اليوم". 
انتقل صاروخان مع التابعي إلى أخبار اليوم، فظهرت أول صورة له على الصفحة الثالثة لهذه الصحيفة في عدد السبت 27 أبريل/نيسان 1946، وتمثل هذه الصورة موكب محرري كل من آخر ساعة وأخبار اليوم وقد اتحدوا في ركب واحد، وهكذا انضم صاروخان إلى زميله الرسام محمد عبدالمنعم رخا الذي كان يرسم على صفحات أخبار اليوم منذ بداية تأسيسها. 
وظل صاروخان يرسم في دار أخبار اليوم حتى وفاته في أول يناير/كانون الثاني عام 1977 تاركا لنا حوالي عشرين ألف صورة كاريكاتورية، وعددا من الكتب منها "العام السياسي 1938" وصدر بالقاهرة عام 1939، وكتاب "هذه الحرب" الذي صدر 1945 وهو يتناول الحرب العالمية الثانية بالكاريكاتير.
ويلفت مبروك إلى أبرز السمات الفنية التي تمتعت بها ريشة صاروخان، أولا قدم صاروخان شخصيتين هما "مخضوض باشا الفزعنجي"، و"إشاعة هانم"، وذلك إبان الحرب العالمية الثانية. وقد اختفت هاتان الشخصيتان بعد الحرب، أما الشخصية الثابتة التي قدمها صاروخان فهي "المصري أفندي" عام 1929 وهي من ابتكار محمد التابعي. وثانيا استخدم المباشرة والتقرير بسبب عدم احتياجه لوسائل إقناع ملتوية يمرر بها أفكاره، حيث إنه مجرد منفذ لأفكار قياداته الصحفية ومال إلى استخدام الحوارات الطويلة متأثرا في ذلك ببداياته الأولى التي قضاها في روزاليوسف. ثالثا لم يمل إلى استخدام العناصر التيبوغرافية الثقيلة في رسومه، وإنما استخدم خطوطا عصبية بالريشة لم تتغير منذ بداياته الفنية الأولى، كما مال إلى ملء مساحة الرسم دون عناية بالفراغ فيه. رابعا أظهر قدرة كبيرة في رسم البورتريه، وقد برع منذ بداياته الفنية في رسم البورتريه السياسي، ويتضح ذلك ذلك في رسمه لوجهي إسماعيل صدقي ومحمد محمود وغيرهما.