صادق العظم: جينات العرب تهوي بهم الى ولاءات بدائية

دمشق
.. والعولمة انفلتت من عقالها

قال المفكر السوري صادق جلال العظم إن ثمة خوفا في أوساط المثقفين العرب الآن مما يبدو انحلالا أو تحللا باتجاه الولاءات ذات الطابع العشائري والمذهبي والإثني في العالم العربي.
واشار العظم إلى "وجود نقاشات في عدد من الصالونات الفكرية حول مواضيع مثل المجتمع المدني والعلمانية والقومية، ومدى تماسك ما كان يسمى الدولة القطرية وتمكنها من مواجهة هذا الانحدار نحو الطائفية والمذهبية".

و جاء ذلك في الندوة التي عُقدت مؤخرا في دمشق حول كتاب "الدولة القومية خلافا لإرادتها" للكاتب الألماني كارستن فيلاند.

وقال العظم إن الكتاب يحتفظ براهنيته كونه يناقش مسألة هامة هي مسألة الإثنيات التي قلما يجري النقاش حولها في العالم العربي، رغم أهميتها، مشيرا إلى أن الكتاب يقدم وجهة نظر أوروبية لإنسان غربي عاش في عدد من الدول التي تحوي تنوعا طائفيا وإثنيا كبيرا كالهند والباكستان وبلدان يوغسلافيا السابقة.

وأضاف العظم "ما يأتي به كارستن يجعلنا أكثر قدرة على أن نضع نقاشاتنا ومشاكلنا في سياق أوسع، في سياق ما يجري على مستوى العلاقات الدولية والصراعات السياسية التي تميل إلى تسييس بعض الفوارق الإثنية أو الدينية، أو تحويل العمل السياسي إلى شيء طائفي أو اثني أو ديني، وهذا جانب مخيف جدا من الكتاب."

وأشار العظم إلى أن بعض الدول الإسلامية والعربية تشهد ارتدادا إلى مستويات تحت القومي وتحت المدني، أو ما يسميه فيلاند "العودة إلى ولاءات أولية أو بدائية" و"العمل على تحويل ما يمكن اعتباره فوارق طبيعية بين الأفراد والمجموعات والطبقات إلى مركز لهوية ضيقة، وإلحاق ذلك بسياسات الهوية الضيقة هذه، مع إفقار كامل لهوية الإنسان أو المواطن."

وأكد أن هذه الفوارق تقوم بذاتها وبعد ذلك تتحول بعد التركيز العالي على الوعي فيها إلى فوارق لذاتها، وهو ما يؤدي لاحقا إلى الحروب الأهلية والصدامات.

وتابع "على سبيل المثال ينحدر مصطلح السلم الاجتماعي إلى فكرة التعايش بين طوائف ومذاهب، أيضا المساواة بين المواطنين ذات الطابع الاجتماعي والسياسي تنحدر إلى المحاصصة التي تحل محل الفكرة الديمقراطية التي تقوم على أساس فكرة المواطنة، وحتى الديمقراطية تنحدر إلى فكرة التوافقية، أي هناك عشائر وطوائف ومذاهب تتوافق بين بعضها، وهذه قد تمنع من نشوء الديكتاتورية، لكنها لن تصنع ديمقراطية مواطنين."

وقال العظم "قد يصل المرء في لحظات الضعف إلى استنتاج أننا نحن العرب في جيناتنا البيولوجية، غير قادرين على أن نرتفع فوق الولاءات ذات الطابع العضوي الأولي أو البدئي."

وأشار إلى وجود بعض التفسيرات لهذه الولاءات أو "السيرورة الانحدارية التي نشخصها" في العالم العربي، أولها هو التهميش السياسي والاجتماعي والثقافي لفئات في المجتمع (طوائف أو مجموعات إثنية) من قبل فئات أخرى مسيطرة، و"هذا التهميش له عواقب خاصة على المدى الطويل، وقد يؤدي إلى اللجوء للعنف ومطالب بالتقسيم، وانطواء على الذات وعدم الإحساس بالمشاركة."

وأضاف "ثمة تفسير آخر هو أنه مع انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة، التي كان فيها منطق متعال يحكم كثير من التوترات المحلية أو الصراعات الكامنة أو الحروب الأهلية الممكنة، فلتت هذه الصراعات والحروب وفق مزاجها، مما أدى إلى ظهور الصراعات الإثنية وغيرها في عدد من الدول مثل الصراع في رواندا بين الهوتو والتوتسي وغيرها."

ولفت العظم إلى وجود تفسير ثالث يتمثل بـ"انفلات العولمة من عقالها"، والذي أدى إلى هجوم دول المركز على دول الأطراف، مما أدى بدوره إلى نوع من ردود الفعل الدفاعية ذات الطابع المحافظ من أجل الحفاظ على النفس والذات، وشيء من الهوية المحلية، وبالتالي أصبح هناك نوع من الالتفاف حول فوارق بسيطة، والتي كانت فوارق طبيعية تم تسييسها فتحولت لمركز للصراع أو الهوية، وأفرزت بدورها "هويات جديدة ذات طابع ضيق".

وأضاف "كارستن كان واضحا جدا في كتابه في نقد الدول الغربية، لكن أنا لا أوافقه بأن الإنسانوية أفلست، بل الدول الغربية التي أدانها هي التي همّشتها، واستبعدتها وأهملتها، وهذا ليس إفلاسا بقدر السياسات الكلبية للدول العظمى التي تقرر المسارات، باستخفافها بالإنسانوية."

وأشار العظم إلى أن الدول الغربية أو المقرِّرة تبنت النموذج الإثني لأنه الأسهل في التعامل مع بقية العالم، مشيرا إلى التلاعب بالفوارق والإثنيات في عدد من الدول (العراق ويوغسلافيا السابقة وبعض الدول الإفريقية).

وأضاف "ولكن لا أريد أن أصل إلى نتيجة إفلاس النموذج الإنسانوي العلماني الذي أبعدته سيادة الولايات المتحدة في العراق وهمشته كليا."

وحول دور حركات التحرر العربي في الانحدار الحالي نحو الولاءات الإثنية والطائفية، أكد العظم أن مفهوم العروبة الذي تبنته هذه الحركات نسي كليا مدى التنوع الطبيعي والطائفي والإثني في العالم العربي، لكنه أشار إلى أن الوعي الذي تشكل مع حرب السويس حول الأقليات والطوائف الموجودة في العالم العربي، وقيام حكومات وأنظمة في العالم العربي تعتمد على مذهب أو طائفة أو علاقات عشائرية، لا يمكن أن تتحمل مسؤوليته حركات التحرر العربي.