صادق الصفواني يكشف أهم الأدوار التاريخية التي لعبتها المعارضة اليمنية في مصر

مصر أسهمت في إيجاد تيار يؤمن بالمبادئ القومية والتحررية

تتناول هذه الدراسة "المعارضة اليمنية في مصر على حكم أئمة آل حميد الدين 1938-1962" للباحث د. صادق الصفواني تاريخ المعارضة اليمنية في مصر خلال فترة حكم آل حميد الدين (1918-1962) التي تعد وفقا للمؤلف فترة خصبة لما شهدته اليمن من أحداث تاريخية داخلية وخارجية، مع العلم بأنه سبق ظهور حركة معارضة يمنية داخل شطر اليمن الشمالي المستقل - نطاق حكم آل حميد الدين - دعت أولاً إلى إصلاح نظام الحكم الملكي الإمامي، وحينما لم تجد تجاوباً اتجهت للعمل السياسي المعارض، ثم تطورت إلى العمل الثوري بهدف الإصلاح لا التغيير الجذري، إلا أن المعارضة في الداخل كانت كثيرًا ما تُقمع من سلطة المملكة اليمنية، وكثيرًا ما كان يطارد رموزها. فلجأ عدد منهم إلى مصر؛ غير أن نظام السلطة الملكي حينها كان عائقا لحركتهم، وكان أكثر ما يسمح لهم بالكتابة ونصح النظام في اليمن عبر الصحف والمجلات المصرية.

ورأى الصفواني في دراسته الصادرة عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر أنه بعد قيام ثورة 23 يوليو/تموز 1952؛ فكرت المعارضة اليمنية في الاستفادة من التغيير. كما سمح النظام في مصر لها بالتحرك سياسيا. وتعزز الموقف بموافقة السلطات على تكوين فرع (الاتحاد اليمني) في القاهرة، وإصدار المعارضة اليمنية صحيفة (صوت اليمن) لسان حال المعارضة. والسماح لرموزها بالكتابة في بعض الصحف المصرية، وإلقاء الخطب، والأشعار، الناقدة للوضع في اليمن؛ عبر إذاعة (صوت العرب). كما سمحت للمعارضة أيضاً بتكوين (مؤتمر الطلاب اليمنيين الدائم في مصر). والتفاعل مع التيار القومي الثوري التحرري.

وقال إن أكثر أوقات نشاط المعارضة اليمنية في مصر فيما بين عامي 1955-1962، رغم المد والجزر بين النظاميين في اليمن ومصر وتأثر المعارضة بتلك العلاقة، حيث كان يعزز هذا العمل التنظيمي والسياسي في معظم الأحيان بدعم القيادة المصرية بكل الوسائل المتاحة، حتى تم للمعارضة الإسهام بشكل فعَّال في مساعدة المعارضة في الداخل، في التخطيط للثورة، وقيام النظام الجمهوري عام 1962. ودخول اليمن حقبة تاريخية جديدة. أسهمت في نقل الشعب من مرحلة التخلف والجهل إلى حياة العصر، والعمل على محاولة بناء الدولة الحديثة القائمة على المؤسسات. وكان من أهم ثمار نضالها قيام الوحدة اليمنية عام 1990، وتحقيق الديموقراطية، والتعددية السياسية.

جميع هذه النقاط وضعها الصفواني تحت مجهر تحليلي تاريخي، بهدف رصد الأنشطة والتطورات التاريخية والفكرية. وكشف أهم الأدوار التاريخية التي لعبتها المعارضة اليمنية في مصر في الساحتين اليمنية والمصرية، وكشف بعض الغموض الذي اكتنف هذه الأحداث التي لم تدرس من قبل الباحثين السابقين والمهتمين الذين تناولوا بشكل جزئي أو بسيط بعض هذه النقاط التاريخية. وانطلاقاً من أهمية دور المعارضة اليمنية في مصر، وما حققته من نجاحات صبت في صالح الشعب اليمني يمكن القول بأنها كانت من أهم دوافع اختيار الموضوع.

كما أن الدراسة قامت برصد نشاط المعارضة اليمنية في مصر حسب التسلسل التاريخي، مع تتبع نمو وعي المعارضة فكرياً وسياسياً من خلال توقف الباحث عند تحليل بعض وثائق ومنشورات وأدبيات ومطبوعات المعارضة. فضلاً عن تحليل بعض المواقف، وردود الفعل. فالدراسة حاولت الجمع بين العرض التاريخي للأحداث، والتطور الفكري والسياسي للمعارضة.

وكشف الصفواني أن المعارضة اليمنية على حكم آل حميد الدين اتبعت أساليب مختلفة، بعضها متداخلة وبعيدة عن التخطيط؛ فقد كان من أهم وسائلها استخدم المفهوم الإسلامي للمعارضة، الذي يعد تطوراً لمفهوم الحسبة في النظام الإسلامي، المرتكز على الاهتمام بصفات الحاكم وشخصيته، ودوافع إزاحته وطرق تغييره، وشروط انتخاب غيره، ووسائل الضغط التي تدفع الحاكم إلى تبني الإصلاحات، لا المفهوم الديموقراطي الغربي في المعارضة الذي يخول للمعارضة المنافسة وتبادل الأدوار في الحكم سلماً مع السلطة.

وكانت المعارضة اليمنية على العموم محرَّمة، ولا تعترف بها السلطة؛ فنظام آل حميد الدين رغم أنه كان يقوم على النظرية السياسية الهادوية الزيدية التي من أهم شروطها الخروج على الحاكم الظالم؛ إلا أن آل حميد الدين للتخلص من تلك الشروط جعلوا الحكم ملكيا وراثيا وما تمسكهم بشعار الإمامة الزيدية وألقابها إلا للتمسك بالحق الإلهي في الحكم، فكانت سلطة آل حميد الدين لذلك تعد المعارضة خروجاً عن الطاعة وهو مذهب أهل السنة. لهذا سعت المعارضة عند تعرضها للبطش والتنكيل من الحكم في شمال اليمن إلى إيجاد مواطن في الخارج للتنديد بحكم آل حميد الدين. حيث استغلت التناقضات التي بين بعض الدول ومملكة آل حميد الدين. وكذا استغلت قوانين تلك الدول التي تسمح بممارسة بعض مظاهر المعارضة، فكانت مصر أحد أهم تلك المواطن التي تعد بالنسبة للعالم العربي والإسلامي - وعند اليمنيين على وجه الخصوص - واحدة من قلاع الفكر الإسلامي الحديث، ومركزاً ثقافياً وتنويرياً، فضلاً عن كونها سبَّاقة في النهوض والتقدم وسبَّاقة في استخدام التجارب السياسية الحديثة. سواء في العهد الملكي الدستوري أو النظام الجمهوري.

وأوضح الصفواني أن الشعب اليمني كان ينظر إلى مصر على أنها الجديرة بوراثة المكانة القيادية للأمتين بعد سقوط الدولة العثمانية، وكانت الجماهير العربية تعد مصر جسراً لإحداث نهوض في الوطن العربي ومنهم اليمنيون. لهذا كان الشعب اليمني وعلى وجه الخصوص الشريحة المثقفة وفئة المعارضة تأملان في أن تتعمق العلاقات اليمنية – المصرية لتسهم في جر اليمن إلى الإصلاح والنهوض والتقدم.

وكم كان التفاؤل سائداً في نفوس اليمنيين عند انضمام اليمن إلى الجامعة العربية عام 1945، وتوقيعها المعاهدات مع مصر، وكذا عندما رأوا تبادل البعثات والخبرات بين البلدين، وزاد من ذلك التفاؤل قيام ثورة يوليو/تموز 1952 بمبادئها القومية والتحررية، ثم توقيع اليمن ميثاق جدة إلى جانب مصر والسعودية، وإعلان اتحاد اليمن مع الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، الأمر الذي عمَّق العلاقة بين الشعبين والشعور بالمصير المشترك.

وهذا ما أكده إسهام مصر الفعَّال بدفع المعارضة اليمنية ليتهيأ الشعب اليمني لاجتثاث حكم أسرة آل حميد الدين بقيام ثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962 وإعلان النظام الجمهوري والوقوف إلى جانبه. ولا شك في أن الدور البارز الذي لعبته المعارضة اليمنية اللاجئة في مصر بالذات في تحفيز مصر قيادة وشعباً للإسهام بذلك الدور إلى جانب شعب اليمن.

ولفت الصفواني إلى أن المعارضة اليمنية في مصر مرت بعدة مراحل تاريخية. اتضح أن ميلادها بدأ بخروج النعمان والزبيري. فقد كان أحمد محمد نعمان رئيس الجمعية اليمنية السرية في اليمن، الذي خرج إلى مصر عام 1938 فاراً؛ نتيجة اكتشاف السلطات لأمر الجمعية واعتقال زملائه، وقيام السلطات المحلية بتنحيته عن إدارة المدرسة، ومضايقته. كما كان الدور البارز أيضاً في ميلاد المعارضة اليمنية في مصر لمحمد محمود الزبيري الذي قاده الخلاف السياسي بين آل حميد الدين وآل الوزير إلى معارضة آل حميد الدين؛ فقد كان تعاطفه مع آل الوزير ومدحه الملك عبدالعزيز بن سعود دافعاً لخروجه إلى مصر مع عبدالله بن علي الوزير للمعارضة. فتفاعل مع النعمان وبعض الزملاء الطلبة اليمنيين من أبناء القسم المحتل والمستقل في تكوين كتيبة الشباب اليمني، الذي يعد أول تنظيم يجمع أبناء اليمن من مختلف المناطق (شماله المستقل وجنوبه المحتل) وداعٍ للإصلاح والنهوض باليمن، بالذات المملكة اليمنية.

وأضاف الصفواني أن المظاهر التي اتبعتها المعارضة اليمنية في مصر قبل ثورة 1948 كانت تقليدية؛ فهي لم تتبن الخيار البرامجي أو التنظيم السياسي المعلن. ووجد أن المعارضة اليمنية في مصر تفاعلت مع المعارضة اليمنية في الداخل والخارج بعد عام 1944 بشكل إيجابي. وكان من أهم مظاهر المعارضة في مصر هو إصدار كتيب برنامج الأمر بالمعروف، والكتابة في الصحف، والمجلات، وإلقاء الخطب، والقصائد الشعرية. ومحاولة استغلال تجمعات المناسبات لتبادل الآراء واستقطاب المزيد من الساخطين، ونقد حكم الإمام يحيى لرفضه القيام بالإصلاحات.

وكان الدور البارز في قيادة المعارضة اليمنية في مصر في هذه المرحلة لمحمد صالح المسمري ويحيى زبارة وأحمد الحورش ومحيي الدين العنسي الذين نجحوا في إيجاد عدة وسائل كانت متاحة لمعارضة حكم آل حميد الدين. ومن تلك الوسائل إصدار صحيفة الصداقة وإصدار كتيب اليمن ظاهرها وباطنها، وكتيب اليمن المنهوب المنكوب. والكتابة في مجلة الرابطة، التي اتضح أنها أسهمت وبشكل كبير في خلق وعي شعبي في شريحة المثقفين والتجار والمهاجرين بالقضية اليمنية ومساوئ الحكم في اليمن، مما زاد في نمو وتطور الحركة الوطنية، وفي ازدياد الدعم الشعبي للمعارضة.

وتبين أنه كان من أهم نتائج ذلك النشاط هو شراء المطبعة وسعي أبناء الإمام للتصالح مع المعارضة في القاهرة وعدن، ومن النتائج أيضاً انشقاق أسرة آل حميد الدين بانضمام سيف الحق إلى المعارضة، وإيجاد تعاطف الجامعة العربية مع المعارضة، واستقطاب الإخوان المسلمين في مصر وأمينه العام حسن البنا للوقوف إلى جانب المعارضة.

وأشار الصفواني إلى أن المعارضة اليمنية في مصر تمكنت من استغلال العمق السياسي بين الدول العربية في العلاقات القائمة بين الجامعة والنظام في اليمن من ناحية، والعمق الديني بين الإخوان المسلمين وعلاقتهم بالإمام من ناحية أخرى في نشر القضية اليمنية إعلاميا على مستوى واسع، مما أكد قوة المعارضة اليمنية عموماً؛ فاندفع الإخوان إلى الساحة اليمنية انطلاقاً من رؤياهم بعيدة النظر، عبر بعثة المعلمين المصريين في اليمن والسياسي الجزائري الفضيل الورتلاني لتحويل المعارضة اليمنية من القول بالمطالبة بالإصلاح والتغيير إلى الفعل. فكانت النتيجة اغتيال الإمام يحيى وقيام ثورة 1948 الدستورية ثم فشلها وإعدام جميع رموز المعارضة اليمنية التي عادت من القاهرة إلى اليمن.

وتبين أن من أهم نتائج فشل الثورة هي انكماش المعارضة اليمنية عموماً والمعارضة اليمنية في مصر على وجه الخصوص ولعدة سنوات. وتبين إنه لم ينج من رموز المعارضة اليمنية في مصر من السجن وإعدامات الإمام أحمد إلا مجموعة قليلة أبرزهم: يحيى زبارة وعبدالهادي الهمداني وسلّام فارع.

وأكد الصفواني أن مصر أسهمت منذ ثورة يوليو/تموز 1952 في إيجاد تيار يؤمن بالمبادئ القومية والتحررية المناهضة للرجعية والاستعمار، فأفسحت المجال ليتغلغل الطلبة اليمنيون الدارسون في مصر في الأيديولوجيات الفكرية الحديثة في بادئ الأمر. مدركة دور الاختلافات الفكرية والاختلاف في الرأي ووجهة النظر والصدام بين تلك التيارات في زيادة وعي اليمنيين سياسياً. كما اهتمت القيادة المصرية بالدارسين في المجال العسكري فبثت فيهم الفكر القومي وروح العصر؛ الأمر الذي ساعدهم في التأثير في زملائهم في الداخل؛ فكان لها عظيم الأثر في قيادة التحول ومن ثم التغيير. وكانت المعارضة السياسية في صفوف الطلبة اليمنية في مصر ظاهرة جديدة. خاصة في صفوف طلبة بعثة الأربعين الدارسين في مدينة حلوان، الذين درسوا العلوم الحديثة، ولمسوا الفرق بينها وبين العلوم التقليدية في اليمن. وكذا الأجواء السياسية والثورية في مصر إلى جانب التنافس السري بين التيارات والأيديولوجيات على تقديم برامج أفضل، تهدف لحل قضايا الشعب، وتزيد من إدراك الشعب في أن الحكومات تأتي لخدمة المواطنين.

وقال الصفواني "كان من نتائج انخراط الطلبة اليمنيين في مصر في مختلف التيارات السياسية والتأثر بالحركة القومية أن نظروا إلى حركة الأحرار ووسائلها في المعارضة بأنه نهج عفا عليه الزمن, وأنه نهج غير قادر على قيادة التغيير. وتبين أيضاً أنه نتج عن ذلك الانخراط التقاء أفكار بعض الطلبة من أبناء اليمن شماله المستقل وجنوبه المحتل حول رؤيا واحدة لحل قضية اليمن في الشطرين وهي محاربة تمزيق اليمن ومحاربة الاستبداد والاستعمار وصولاً إلى تحقيق الوحدة اليمنية، وهو ما جاء في تكوين المؤتمر الطلابي الدائم في مصر عام 1956 الذي عبَّر عن تلك المواقف المصيرية لليمن بشكل واضح وصريح.

واتضح أن معظم الطلبة انخرطوا في مختلف التيارات منها التيار الشيوعي وكان من أبرز الطلبة: خالد فضل وإبراهيم صادق وعمر الجاوي وأبو بكر السقاف. وفي التيارات القومية ومنها الحركة الناصرية كان أبرز من تأثر بها من الطلاب هم: عبدالله جزيلان وعبدالرحيم عبدالله وقايد محمد سيف. وانخرط في حركة القوميين العرب بعض الطلاب أبرزهم: فيصل الشعبي ويحيى الإرياني، وفي حزب البعث بعض الطلاب منهم محسن العيني وعبدالله الكرشمي ومطهر الإرياني، وأبرز من تأثر من الطلاب بالتيار الديني (الإسلام السياسي) هما: عبدالمجيد الزنداني وعبده محمد المخلافي.

وخلص الصفواني إلى أن معظم الطلبة الذين انخرطوا في التيارات أو غيرهم ممن درس في مصر نمت عندهم الروح الوطنية، وكانوا يبدون شعوراً ساخطاً لما كان عليه وضع اليمن من تخلف واستبداد واستعمار وانقسام. إذ أصبحوا بعد إكمال تعليمهم في مصر إلى جانب الجيش وأحرار الداخل هم اللبنة الأساسية في قيام ثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962، وفي تثبيت النظام الجهوري وفي إرساء دولة المؤسسات.

كما أسهموا بشكل فعَّال في طرد الاستعمار البريطاني من الجنوب، وصولا إلى قيام الوحدة اليمنية والتعددية السياسية عام 1990، وهي من أهم ثمار مراحل النضال اليمني الطويل، ولا يزال بعض هؤلاء الرواد يواصلون العطاء لليمن وصولاً لبناء دولة ديموقراطية لا مركزية قادرة على النهوض والمنافسة في الساحة الإقليمية والدولية.