صاحب 'لا طريق إلى الجنة': لا رواية بلا بطل مكتمل الفرادة

الفائز بجائزة نجيب محفوظ 2015

أعلنت جائزة نجيب محفوظ للأدب لعام 2015 التي تنظمها دار نشر الجامعة الأميركية في حفل أقيم بقاعة إيورات بحرم الجامعة الأميركية بوسط القاهرة فوز الروائي اللبناني حسن داود عن روايته "لا طريق إلى الجنة" الصادرة عن دار الساقي، حيث أجمع أعضاء لجنة تحكيم الجائزة: د. تحية عبدالناصر، د. شرين أبو النجا، د. منى طلبة، د. همفري ديفيس، د. رشيد العناني، في حيثيات كل منهم عن الرواية أنها رواية جديدة مختلفة.

قالت عضو لجنة التحكيم، د. تحية عبدالناصر إن الرواية تتميز بسرد جوهر شخصية رجل دين في قرية في جنوب لبنان وصراعه مع المرض والموت والقدر، وتتميز بسردها الدقيق لتفاصيل الحياة اليومية وتأملات الراوي لتقليد أسرة عريقة حتى يتخلى الراوي عن إرثه "العباءة والعمامة" الذي ورثه عن أبيه ويمضي في حياته.

تتناول الرواية موضوعا جديدا في الرواية العربية وبأسلوب يبوح بكل ما يدور في أعماق النفس، يسلك الراوي البطل طريقا من حالة العجز والأزمة الوجودية التي يعيشها إلى التحرر الذي يبدو سمة جديدة وطريقا آخر".

ورأت د. شيرين أبو النجا أن إيحاءات الرواية تشبه أسلوب مارسيل بروست في دقتها، كل فقرة تشبه طبقة رقيقة من الواقع، تقدم ببساطة شديدة تكشف عن المشاكل والأسئلة التي ثيرها كل حدث بيكل تركيباته. الأسلوب الصافي الهادئ النقي يعطي هذه الرواية صوتا متميزا.

وأوضح د. همفري ديفيس أجواء الرواية مؤكدا فرادتها، وقال: "السرد على لسان المتكلم، هذا السرد المفصل البطئ المتأمل لكل شاردة في الحياة اليومية للراوي، أو في تيار وعيه، يعكس رتابة الحياة التي قادها كرجل دين في قرية لبنانية صغيرة، حياة خلت ومازالت وقت الحدث الروائي تخلو من أي إثارة أو تغير أو أمل.

تبدأ الرواية لحظة مرض خطيرة وجراحة منتظرة وتوجس من عواقبها، ومن تلك اللحظة يبدأ التأمل الدقيق الرتيب المتأني ليس فقط للحظة الراهنة ولكن أيضا للحياة الماضية التي أدت إليها.

يبدو الرجل أسير قدر تعس زامنه حياته كلها، فهو لم يرد أن يكون إماما لكن أباه أجبره على مواصلة التقليد الأسري القديم، ودبر له زوجا لم يكن له شأنه في اختيارها وقعت معه أسيرة حياتهما التعيسة، فلا يبدو بينهما أي تعاطف أو تحابب، وأنما فقط يسيران حياتهما معا. وفوق ذلك فقد رزقا بابنين ولدا أصمين أبكمين، ولا يوفقان لتدبر تعليم خاص لهما. إمعانا في جو التعاسة والأسر القدري، فإن أبا الراوي العجوز يقطن معهم في بيتهم، وهو مريض مشلول لا يتكلم ولا يقدر على رعاية نفسه، لكنه ذو ماض مجيد في القوة والقيادة والتحدي للسلطات كرجل دين، مما يزيد في الكآبة المحيطة بوضعه الحالي الذي آل به إليه الزمن وتحولاته".

وقالت د. منى طلبة إن الرواية رواية نفسية بديعة تنفذ إلى معضلة الزمان والإنسان في المجتمع الديني، عبر حكاية أسرة رجل دين شيعي يتوارث أبناؤها إمامة المسجد فيما يشبه التقليد الذي يحفظ مقاما في الدنيا طريقا إلى الجنة في الآخرة، لكن استمرار هذا التقليد في الزمان وصولا إلى الفردوس اللازماني يوازيه في المقابل حياة عليلة الجسد والروح وعجز عن التواصل بين الجد الذي أعيته الشيخوخة وعتو التسلط وبين الابن الراوي الذي يرفض ميراث الإمامة الدينية وقد نهش السرطان جسده وبين الحفيدين الأبكمين اللذين لا يخلوان من براءة وعنف في آن.

في هذا الاطار تسري تفاصيل الأحداث ملمة بهذه الأسرة العليلة الجسد والروح عبر نسيج السرد البسيط الذي غزل الكلمات والعبارات كأنفاس يسيرة عميقة تتراوح ما بين شهيق باطني وزفير مشهود، تكشف عما تجنه الأنفس من تطلع لتعاطف القلوب وتغير الزمان ربما من خلال طريق ومعنى جديد للجنة".

وجاءت كلمة الروائي الفائز حسن داود عقب تسلمه للجائزة من رئيسة الجامعة د. ليزا اندرسون، أشبه بالشهادة حول الرواية حيث قال "في سبعينيات القرن الذي انقضى، وكان أبي في منتصف أربعينياته أعلن لي عن خوفه من تضاؤل أعداد رجال الدين، قال لي إن يوما سيأتي، سيكون قريبا بحسبه، لن يجد الناس فيه شيخا أو سيدا يقيم عقود الزواج أو يدفن الميتين، لم يكن أبي مؤمنا بشكل خاص، إذ أنه لم يكن يصلي أو يصوم، مرتاحا هكذا لتفوضه أمي بأداء هذه الفروض بانتظام، خمس مرات في اليوم بما خص الصلاة.

أما فيما خص شهر رمضان فكنا نبدو عائلة متدينة من الخارج، إذ كنا نجتمع حول الطاولة، من كان صائما منا ومن لم يكن صائما منتظرين جميعا أن نسمع دوي مدفع الإفطار حتى نبدأ في تناول الطعام. ربما كان يسعى إلى إقناعي بالذهابي إلى النجف لأعود منها بعد سبع سنوات أو ثماني مرتديا الجبة والعمامة. لا بسبب تقواه، المنصوص عنه أعلاه، بل ربما لمعرفة مبكرة حصلتها من أن علينا أن نكمل دراستنا تبعا لحاجة السوق. وأنا إن أطعته في ذلك سأكون عند تخرجي إماما لثلاث قرى أو أربع، طالما أن المراكز ستكون شاغرة كلها".

وأضاف داود "لم تكن صورة رجل الدين ذات جاذبية في ذهني، فلنتذكر صورة المأذون كيف كانت في السينما المصرية، آنذاك، كان العالم كله ذاهبا في اتجاه آخر مخالف لما يقترحه عليّ أبي. كنت أعرف مثلا أن كثيرين كانوا يذهبون إلى النجف ولا يمكثون فيه طويلا، ولم يكن ذلك جديدا أو وليد السنوات من السبعينيات، بل كان قد بدأ منذ عقود سبقت، بين هؤلاء التاركين الجبة والعمامة، من صاروا فيما بعد كتابا معروفين، لعبوا أدوارا في الأحزاب العلمانية، القومية والشيوعية.

لم يكن هذا حال السيد بطل رواية "لا طريق إلى الجنة" هو الذي كان يحلم بدراسة الطب في بلد أجنبي، ويحب عبدالحليم حافظ، ويترنم بأغانيه، أجبر على أن يرضخ، أن يكمل تقلدا في عائلته الدينية مستمرا ربما من مئات السنين، كان أبوه السيد الشيخ هو أيضا، يرى أن توقف العائلة عن توليد رجال دين يشبه انقطاع النسل، وغرق السلالة في النسيان.

ذلك الرجل الذي يفترض فيه أن يكون رجل منبر وإماما يؤم بالناس. اتيح لي أن أشاهد انسحابه التدريجي عن كل شيء حوله. تأخر كثيرا في تسليم مفاتيح الجامع إلى سواه، وحين فعل لم يستطع تغيير لباسه الديني فظل مرتديا إياه، على الرغم من أنه لم يعد رجل دين".

وقال داود "أتخيله أحيانا جسما ممددا على ذلك الجسر الفاصل بين ما كانته سنوات السبعينيات وما صار إليه الحال بعد ثلاثين سنة من ذلك.

لا أنكر أن من بين دوافعي لكتابة الرواية هو دهشتي من تلك الانعطافة في مجرى الزمن، زمننا الديني أقصد، وتكذيبه للسياق الذي كان واعدا بمتابعته. لا أنكر دهشتي تلك، لكنني أقول إن ما دفعني إلى كتابة الرواية هو الرجل نفسه، أزمته وهشاشته، كونه عاش حياة لم يردها وذهب في طريق كانت رغبته أن يسير بعكسها، وكونه دفع دفعا إلى أن يكون إماما فيما تعوزه القوة ليكون أبا.

كتبت الرواية له وعنه أولا وأخيرا، غير راغب أبدا في إعلاء موضوعه عن وجوده الشخصي ـ أقصد أن أستند إلى كوننا نشهد هذا الحضور الطاغي للدين، من أجل أن تلتحق الرواية برهنية موضوعه ـ السيد هو هو وليس متطابقا مع أشخاص يماثلونه.

لن تكون رواية إن لم يكن بطلها فردا مكتمل الفرادة. وهذا يلائمني، بل إنني لا أجيد غيره، وأنا أعرف عن نفسي، إنني لا أعود أفهم شيئا عن أي أمر من لحظة ما يتحول موضوعا عاما".