صاحب 'عالم صوفي': لو عدت لكتابتها لضمنتها فلسفات العرب والصين والهند

أبوظبي ـ من محمد الحمامصي
الحمامصي يحاور الكاتب النرويجي

الجلوس والحوار مع جوستاين غاردر الكاتب النرويجي الشهير صاحب روايات "عالم صوفي"، و"سر الصبر" وغيرهما من الأعمال العالمية التي حققت إقبالا عربيا كبيرا، متعة لبساطته وتلقائيته وصراحته، فمن قرأ "عالم صوفي" ذات الأبعاد الفلسفية العميقة ومخططها الفكري، قد يتخيل صورة أخرى لشخصية كاتبها بخلاف الصورة التي جلس بها وتحدث حول تجربته.

جوستاين الذي درس الفلسفة وتاريخ الأفكار في منطقة برغن ودرسها لما يزيد على عشر سنوات، ليقرر بعد نجاح روايته "عالم صوفي" أن يتفرغ للكتابة الأدبية، حل ضيفا على معرض أبوظبي للكتاب في دورته الـ 21 المنعقدة الآن وحتى 20 مارس/آذار الجاري، حيث أقيمت له أكثر من جلسة نقاشية.

وتعتبر رواية "عالم صوفي" من أهم المراجع الفلسفية الشاملة، وهي رواية في تاريخ الفلسفة تضم في جنباتها تطور هذه الحركة منذ تساؤلات الإنسان الأولى وحتى تكوّن علم الفلسفة "كعلم قائم بحد ذاته".

"ميدل إيست أونلاين" التقت جوستاين في حوار خاص، بدأته بالسؤال عن الظروف التي أحاطت بكتابة روايته الأولى "عالم صوفي"، حيث قال "بدأت أكتب هذه الرواية كنصوص منفصلة تدريسية لطلابي، منها ما هو متعلق بحقوق الإنسان والفلسفة والمجتمع والفن، وهذا الأمر كان غير ممتع، لذا أدخلت قصة الفتاة التي عادت إلى المنزل ووجدت رسائل تنتظرها في البريد الإلكتروني، الأمر الذي مكنني من إعادة خلق النصوص لتصبح عالما روائيا".

وأضاف "بعد النجاح الذي حققته رواية (عالم صوفي) بدأت أدرس فكرة التخلي عن تدريس الفلسفة، والذهاب إلى عالم الأدب، وبالفعل توقفت عن تدريس الفلسفة، ولكني لم أتخل عن خبراتي الفلسفية، بل على العكس، أخذت تجاربي مع المعرفة والحياة كلها لأوظفها، وهنا بدأت رحلة الكتابة تتشكل، وعندما كتبت رواية (سر الصبر)، أدركت بأني في المستقبل سأتفرغ للكتابة".

قال "هذه قصة خيالية، وفي داخلي كنت أتأمل وآمل أن تُعرف هذه القصة الخيالية في كل أنحاء العالم، وعندما كتبته كنت أكتبه لتلاميذي، ولكنه فتح الطريق لبقية كتبي".

وردًّا على سؤال حول توقفه عن تدريس الفلسفة قبل أم بعد رواية "عالم صوفي" قال "بعدها، ولكن عندما بدأت كتابتها توقفت عن التدريس لعام كامل، وبعد أن انتشرت بشكل هائل ـ كالنار في الهشيم ـ لم يعد لدي أي وقت للتدريس، وتوقفت كلياً عن ممارسته، فـ "عالم صوفي" دفعتني للسفر إلى مختلف أنحاء الأرض، كان هناك دعوات مستمرة ومتتالية لمناقشة هذه الرواية، وقد استغللت ذلك في تعميق رؤاي وأفكاري عن ثقافات وحضارات العالم".

وأكد جوستاين أنه عندما كتب رواية "عالم صوفي" لم يكن يتوقع أن تصبح من أكثر الكتب مبيعا وانتشاراً في العالم، أو أن يُترجم إلى ما يزيد على 50 لغة، أو أن تحصل على كل هذه الجوائز العالمية التي حصلت عليها، كل ما حصل كان مفاجئاً بالنسبة لي.

ويحكي جوستاين "في البداية أخبرت زوجتي أن هذا الكتاب (عالم صوفي) لن يحقق لنا أي مردود، ولكني سأكتبه، لأني راغب في ذلك، وهذا ما حصل، فطلبت مني أن أكتبه بسرعة حتى أتفرغ لكتاب غيره يمكن أن يوفر مردوداً مالياً لنا للعيش".

وحول رؤيته بعد ذلك في أعماله الروائية الأخرى، قال "أعتقد أني لم أغيّر عقلي وتفكيري، ولكن أوضاعي تغيّرت، أصبحت شهيراً في أنحاء العالم، ووضعي المادي أصبح أفضل، وهو التغيير الوحيد الذي تعرضت له".

وأوضح جوستاين "لقد كتبت هذا الكتاب قبل عشرين سنة، ولو عرفت أنه سيُترجم لتسعة وخمسين لغة، وسيكون من أشهر الكتب لكنت كتبته بطريقة أخرى".

وأضاف "كنت سأكتبه بإحدى طريقتين، أولهما: أنني لم أكن سأسميه رواية حول تاريخ الفلسفة، بل رواية حول تاريخ الفلسفة الغربية فقط، والطريقة الأخرى كنت سأضمنه فلسفات أخرى، كالفسلفة الهندية والعربية وغيرها من الفلسفات التي لم أتناولها، ربما لذلك كتبت في مؤلفاتي المنهجية كتباً حول الفلسفة الهندية والصينية، كما كتبت كتاباً عن الإسلام".

وتساءل جوستاين: "هل الأسئلة الفلسفية هي نفسها عبر التاريخ؟" وأُجاب: "بعض الأسئلة الفلسفية هي نفسها أبدية، ولكن أفضل وأهم سؤال فلسفي اليوم لم يتم ذكره في الكتاب، هو كيف يمكن أن نحافظ على الحياة في كوكبنا، فأهمية البيئة وأهمية المحافظة على الكوكب ليست موجودة في الكتاب".

وحول اختلاف المدرس عن الروائي على مستوى الرؤية والمسئولية الأدبية، قال: "لا يوجد اختلاف في المسئولية، فقط الأستاذ يكون قادرا على رؤية الطالب أمامه فيزيائياً، أما القارئ فلا يستطيع الروائي رؤيته ولكن يشعر به، ويشعر في نفس الوقت بالمسئولية تجاهه".

وكشف جوستاين عن دهشته وعجبه الشديد من أن تكتسح روايته العالم العربي، وتلقى هذا الإقبال والاهتمام الكبير، وقال "أشعر بالعجب الشديد تجاه هذا، ولو كنت أعرف أنها ستحظى باهتمام القارئ العربي لكنت ضمّنتها أشياء عن الفلسفة العربية وعراقتها، فهناك تجربة غنية في الفلسفة العربية، والتي لم أشر إليها في كتابي، وربما يقوم غيري بكتابة كتاب يتضمن هذه الفلسفات".

وجاء رد جوستاين حول قراءته للرواية العربية ونجيب محفوظ صريحا "لم أقرأ نجيب محفوظ، ولكني قرأت كل أعمال العرب في القرن الثاني عشر، وجزءا لا بأس به من تراثهم خاصة التراث الصوفي".

وأضاف "كُتبت كتاب (سر الصبر)، و(فتاة البرتقال) وغيرهما وحرصت أن تنتمي لكل الثقافات العالمية، حيث أطرح الأسئلة الكبرى التي تحيط بالبشرية، من مثل: "من أين نجيء؟"، "لماذا نحن على ما نحن؟ .. إلخ".