صاحب 'رقصة شرقية' كائن فردي النزعة

أبوظبي ـ من محمد الحمامصي
ما الذي ينقص الرواية؟

صدرت له روايتان؛ الأولى "نيجاتيف" عن دار ميريت عام 2004 وحملت ملامح الأعمال الأولى، مما حدا بالبعض الى أن يصفها بأنها كانت تمريناً على الكتابة، لكنها لفتت إليه الأنظار. ثم صدرت روايته الثانية "رقصة شرقية ـ طقوس ميلاد وغياب ابن الرفاعية المنتظر" عن دار العين في منتصف 2010، وتقع في 600 صفحة من القطع المتوسط، وتصدرت خلال فترة وجيزة المشهد الروائي المزدحم بالأعمال الممتازة، وفرضت حضورها الطاغي، ونافست ضمن الروايات المرشحة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، ووصلت إلى القائمة الطويلة، ثم القصيرة، مع خمسة أعمال ذات مستوى فني عال وقال عنها الناقد محمد بدوي إنها "رواية مكتظة وضخمة، ويجب أن تقرأ بعناية وتأن كافيين لإدراك كافة جوانبها".

خالد البري من مواليد سوهاج بصعيد مصر عام 1972 وتلقى تعليمه الأولي بإحدى مدارس الراهبات بأسيوط، ثم التحق بكلية الطب جامعة أسيوط، وتعرض للاعتقال نتيجة انخراطه في إحدى الجماعات الإسلامية، ثم أفرج عنه، وحصل على بكالوريوس الطب من جامعة القاهرة عام 1996، ويعمل حاليا في إذاعة "بي بي سي العربية" بلندن، التي يعيش فيها منذ 1999 وكان معه هذا الحوار خلال حضوره لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الـ 21 حيث يشارك في أكثر من لقاء مع كتاب القائمة القصيرة للبوكر.

• بداية نود أن تلقي الضوء على بداياتك في الكتابة وما أحاطها من أجواء، أيضا المرتكزات الثقافية التي انطلقت منها والتي تحددت على ضوئها رؤيتك؟

** بدأت الكتابة بكتاب "الدنيا أجمل من الجنة" وهو عبارة عن تجربة شخصية لي في صفوف الجماعة الإسلامية.‬ في هذه الفترة كنت قد انتقلت فكريا من المرجعية الإسلامية إلى المرجعية الإنسانية منذ سنوات، وهو ما حدد المرتكز الثقافي الذي اعتمدته في كتابتي بوجه عام‫:‬ ليس في الدنيا حق مطلق ولا شر مطلق، بل كل الأمور نسبية تختلف باختلاف زاوية النظر‫.‬

• أشرت في أكثر من حديث إلى أن روايتك "رقصة شرقية" أعدت كتابتها أكثر من مرة، وشهدت فترة كتابتها الكثير من التغيرات على الأقل في حياتك .. هل لك أن تضعنا في أجواء كتابة هذه الرواية؟

** بدأت كتابة الرواية في عام ٢٠٠٤، في فترة كان اهتمامي فيها بالفن التشكيلي هو الاهتمام الأكبر،‬ كنت في المرحلة الأولى أدرس الفن الكلاسيكي في إطار دارستي لتاريخ الفن التشكيلي‫، ووجدت نفسي، على غير ما أنا عادة، متأثرا بشدة بفن ما قبل الفن الحديث، أي ما قبل النصف الثاني من القرن التاسع عشر‫، مأخوذا برمبرانت وبيتر بول روبينز وليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو ورافاييل وغيرهم. وأردت كتابة رواية تتلمس الخصائص الشكلية لهذا الفن ولا سيما العناية بالتفاصيل. لكنني لم أكن راضيا عن الرواية أبدا، حتى وإن كنت راضيا عن بعض المشاهد فيها، كنت أشعر أنها تفتقد إلى الغرض، إلى الفكرة الأصلية، واستمر هذا، وفي تلك الفترة انتقلت إلى دراسة تاريخ الفن الحديث ثم الفن المعاصر.

وأدركت بالفعل ما الذي ينقص الرواية. الفكرة - هذا ما كان ينقصها. الفكرة في الشكل. وجدت ضالتي في لوحة لغوغان اسمها "الرؤية بعد القداس" - القصة التي يراها الراوي حقيقية وقد لا تكون كذلك، هو يراها كذلك لأنه متأثر بفكرة إيمانية ما، يعيش تحت سطوتها.

خالد البري

• هل كنت تبحث في هذه الرواية عن رؤية أو مفهوم لقضية الهوية أو الخصوصية الثقافية، وما ‬دوافعك إلى ذلك هل هو إحساس بفقدان الهوية والخصوصية أم ماذا؟‬

** أنا كائن فردي النزعة‫، الهوية بالنسبة لي هي هوية الفرد كسبب رئيسي لإحساسه بقيمته‫، بمعنى آخر محاولة الفرد للتميز خارج إطار الهوية الجماعية التي يفرضها عليه مجتمعه أو يفرضها الآخرون عليه من باب التنميط والاستسهال‫، أيضا تشغلني فكرة ادعاءات الهوية، الهوية التي نظن أننا مخلصون لها لكننا قد لا نكون كذلك، وهي بالنسبة لي تشبه ادعاءات الإيمان‫.‬

• تحمل رواية "رقصة شرقية" بعدا ساخرا يتجلى في خطها الأساسي فماذا قصدت من ذلك في ظل جدية الرسالة وعمقها؟‬

** هذا جزء من أفكار عصر ما بعد الحداثة‫، التضئيل‫، شيوع المعرفة بقدر يجعلها تتحول إلى سيد وعبد في ذات الوقت‫، النسبية‫، أنا أحب جدا السخرية من الشعارات الكبيرة وتفتيتيها إلى وحدات صغيرة يمكن النظر إليها دون ارتياع‫، شيء يشبه التحليل في العلوم والذي يأتي بنتائج مبهرة عن التشابه بين مواد عظيمة ومواد حقيرة‫.‬

• الرواية المصرية لدى أجيالها الجديدة في مصر دخلت مرحلة فارقة ومع ذلك فهي تتهم بأنها لا تعالج قضايا ذات بعد قومي أو عروبي وأنها تتجه للذاتية؟‬

** الرواية المصرية كانت دوما انعكاس لضمير المجتمع الذي لا يدري به أو لا يستطيع أن يصرح به‫، "الثلاثية" و"عودة الروح" و"ميرامار" و"الكرنك" و"ثرثرة فوق النيل"، الرواية لدى أجيالها الجديدة لم تخرج عن هذا، الواقعية السريالية التي تراها لدى ياسر عبداللطيف في ‫"‬قانون الوراثة‫"،‬ وياسر شعبان في "بهجة العمى"، وأحمد العايدي في ‫"‬أن تكون عباس العبد‫"‬، وإيهاب عبدالحميد في ‫"‬قميص هاواي"، ونائل الطوخي في ‫"‬العام ٢٠٠٦" وفي "ليلى أنطون‫"‬، وأنا في "رقصة شرقية" هي انعكاس للمجتمع،‬ نحن لا نخلق للمجتمع قضايا، نحن نعبر عن رؤيا‫.‬

• هل ترى أن هناك حركة نقدية تتابع تطورات الرواية المصرية أم أن تلك الحركة لا تزال وقفا على ‬أسماء وروايات أجيال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات وهكذا؟‬

** سأتم هنا ما بدأته في إجابتي عن السؤال السابق‫:‬ آمل أن تتطور الحركة النقدية في مصر بما يوازي التطور الذي شهدته الكتابة في الألفية الثالثة‫، اللفظ الذي أشرت إليه في وصف كتابات رفاقي وكتاباتي أنا الذي صغته، ليس هذا هو الوضع الطبيعي حين يكون النقد حاضرا بقوة وقادرا على صياغة تطور ما‫، ناقد من أعطى المدرسة الانطباعية اسمها، وناقد من أعطى الكلاسيكية الجديدة اسمها‫، ليس الغرض هنا هو إعطاء اسم، وإنما إعطاء اسم يعبر بذكاء وفهم عن جوهر، ويلفت الأنظار إليه ويسهم في قراءته بطريقة صحيحة‫.‬

• بصراحة ما تقييمك لقيمة ودور جائزة البوكر وهل استطاعت أن تضيف شيئا إلى الرواية العربية؟‬

** لا أظن أنه من المناسب أن أتحدث عن جائزة رشح عملي لها سواء بالمدح أو بالذم‫. اسألوا الناشرين عن أثرها واسألوا الصحفيين عن أهميتها‫.‬