شيوسان قوان يبيع دمه 12 مرة

ترجمت أعماله إلى أكثر من عشرين لغة أجنبية

في مقدمته لترجمة رواية "مذكرات بائع الدماء" للروائي الصيني يوهوا الصادرة عن دار أطلس أخيرا، ينقل المترجم د. حسانين فهمي ما كشف عنه الروائي في مقدمته للرواية بالألمانية عن دافعه لكتابة الرواية، يقول: "رجل لم أنسه حتى اليوم، وحكاية لم يكتبها قلمي بعد. أما الرجل فأعرفه تمام المعرفة، وإن كنت لا أتذكر ملامحه. مات ذلك الرجل. هذا ما أخبرني به أبي الجراح المتقاعد في مكالمة هاتفية، سألني إذا كنت لازلت أتذكر ذلك الشخص الذي كان يشرف على قيام بعضهم ببيع الدم؟ أجبت أنني بالطبع لازلت أذكره. كم كنت أتمنى أن أكتب حكايته مع بيع الدماء، حتى جلست ذات يوم إلى طاولتي، لأجد نفسي قد بدأت في كتابة حكاية أحدهم مع بيع الدماء، وبعد تسعة أشهر، وجدتني انتهيت من رواية "مذكرات بائع الدماء".

ويشير د. حسانين إلى أن الروائي الصيني يوهوا المولود في 3 أبريل/نيسان 1960 بمدينة خانغجوو جنوب الصين، تخرج من كلية طب الأسنان، ومارس مهنة الطب خمس سنوات قبل أن يتفرغ للكتابة التي بدأ مشواره معها في عام 1983، أبدع عدداً من الأعمال في مجال القصة والرواية والمقالة، من أهمها روايات: "مناجاة تحت المطر" 1991، "على قيد الحياة" 1992، "مذكرات بائع الدماء" 1995، "الأشقاء" 2005 و"اليوم السابع" 2013 وغيرها من الأعمال.

ترجمت أعماله إلى أكثر من عشرين لغة أجنبية. بدأت ترجمات أعماله بعد سنوات قليلة من بداية مشواره الإبداعي، نشرت أول ترجمة لروايته "على قيد الحياة" عام 1992 إلى اللغة الألمانية في نفس العام الذي صدرت فيه باللغة الصينية، لتتوالي بعدها ترجمات أعماله إلى العديد من اللغات العالمية، في حين تتأخر ترجمات يوهوا إلى العربية كحال غيره من رواد الأدب الصيني المعاصر حتى عام 2015 "بصدور الترجمة العربية لروايته ذائعة الصيت (على قيد الحياة) عن سلسلة إبداعات عالمية بالمجلس الوطني للثقافة والفنون الآداب".

ويؤكد أن يوهوا، أحد الروائيين البارزين من جيل الرواد الذي يضم أديب نوبل مويان وسوتونغ وآخرين، كما أن الدراسات المعنية بتلقي الأدب الصيني وترجماته خارج الصين، تلفت إلى أن كاتبنا يوهوا ومويان يعدان أكثر الأدباء الصينيين الذين تتمتع أعمالهم بانتشار وترجمات متعددة خارج الصين، وهو أيضاً أحد أهم الكتاب الصينيين المعاصرين الذي حصلوا على جوائز عالمية في مجال الإبداع الأدبي، حصل على جائزة ''جرينزان كافور'' الإيطالية "1998" و"وسام الفنون والآداب بدرجة فارس" من فرنسا "2004" و"جائزة الإسهام المتميز في الكتاب الصيني" "2005" وغيرها من الجوائز المحلية والعالمية.

كما أن يوهوا أحد الكتاب المعاصرين الذين ساروا على نهج المؤسس لوشون رائد الأدب الصيني الحديث (1886-1936) في الاهتمام بالواقع الصيني وقضايا الإنسان العادي وصراعه من أجل العيش، رافعاً راية التحدي للتقاليد الصينية القديمة، مع تميز أعماله بأسلوب الواقعية النقدية والسخرية أو ما يعرف بالكوميديا السوداء التي يعد يوهوا من أهم روادها في الأدب الصيني المعاصر. فهناك وجه شبه واضح بين قصة "الدواء" "1919" البديعة للرائد لوشون ورواية "مذكرات بائع الدماء" "1995" ليوهوا.

وحول "مذكرات بائع الدماء" والتي نشرت لأول مرة عام 1995، يقول د. حسانين "الرواية ثاني أهم عمل ليوهوا بعد رائعته "على قيد الحياة"، وثاني عمل يترجم له إلى العربية. تحكي الرواية بإختصار حياة بطل الرواية "شيوسان قوان" خلال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، منذ أن كان شاباً يعمل بمصنع الحرير بالمدينة "التي لم يسمها يوهوا في الرواية، وإن كانت الرواية تدل على أنها إحدى مدن جنوب الصين القريبة من شنغهاي"، وفي زيارة له لجده في الريف، يعرف من عمه فجأة الطريق إلى بيع الدماء، ليبدأ مشواره مع بيع الدماء لكسب المال الذي يعينه بداية على الزواج ممن أحب وتأسيس بيت بالمدينة، ثم لرد الجميل لبعض المقربين منه، وأخيراً لمواجهة جميع الأزمات التي تواجه عائلته الصغيرة، من خلال الانتصار المعنوي على طريقة آكيو بطل قصة "يوميات مجنون" "1918" للرائد لوشون، اعتقادا منه أن هذا "الدم الذي يجري في عروقنا ليس سوى كنز ثمين نلجأ إليه في أوقات الشدة".

إلى أن يتقدم به العمر ويرفض مشرف بنك الدم بالمشفى طلب شيوسان قوان لبيع دمه، معللاً بأنه أصبح شيخ كبير وأن دمه تحول إلى دم ميت لا يقبله أحد، هنا يهيم صاحبنا شيوسان قوان على وجهه في طرقات المدينة باكياً متحسراً على حاله، قلقاً على مستقبل عائلته بعد أن رفض المشفى شراء دمه، ليعكس قلق المؤلف نفسه على مصير المواطن الصيني إذا لم تنته تلك الظروف الصعبة وتتغير الأوضاع التي دفعت شيوسان قوان لبيع دمه لتوفير متطلبات الحياة لأسرته من مسكن وملبس ومأكل وأخيراً علاج لابنه المريض بالالتهاب الكبدي.

تبدأ الحكاية باستغراب ورفض زوجته شيويولان لإقدام زوجها على هذا الفعل المشين "بيع الدم" الذي يعد على حد قولها "أخبرني والدي منذ صغري أن الدم الذي يجري في عروق الإنسان ورثه عن أسلافه الأوائل، والإنسان يمكن أن يبيع الزلابيا، يبيع بيته وأرضه، ولكن لا يمكن أن يبيع دمه. يبيع جسده ولا يبيع دمه، فبيعه لجسده إنما يعنى أنه يبيع نفسه، أما بيعه لدمه فيعني أنه يبيع أسلافه، لقد بعت أصلك يا شيوسان قوان." إلى أن تقبل بهذا الطريق الذي اختاره زوجها لمواجهة الأزمات التي تعصف بأسرتهما الصغيرة، بما فيها الفقر والجوع والمرض.

يواجه الأزمة تلو الأخرى بكل ثبات، لإيمانه بأنه يملك كنزا ثمينا، تلك الدماء التي تجري في عروقه، والتي تنقذه في أوقات الشدة. باع شيوسان قوان دمه 12 مرة، ثلاث منها أقدم بنفسه على ذلك لكسب المال، إما للزواج أو لرد الجميل لزميلته البدينة لين فين فانغ أثناء مرضها، وأخيراً لمساعدة ابنه "ابن زوجته" إي له خلال أدائه الخدمة بالريف. وتسع مرات باع فيها دمه مجبراً لتوفير المال اللازم لمواجهة الأزمات المختلفة التي ألمت بأسرته، والتي ما كان له أن ينجو بنفسه وأهله منها بدون بيعه لدمه، حتى سقط مغشياً عليه في آخر مرة باع فيها دمه، لتكراره بيع الدم على فترات قصيرة رغم تحذيرات العم لي مشرف الدماء".

يسرد يوهوا الرواية بضمير الغائب من خلال حوار طويل بين شخصياتها، كلٌ حسب شخصيته، بلغة سلسلة معبرة، تعكس العوالم النفسية لتلك الشخصيات، بطريقة تشعرك بواقعية الحياة التي تعيشها والواقع الأليم الذي تتألم منه تلك الفئة من البشر، كصورة مصغرة للإنسان الصيني في تلك الحقبة المهمة من تاريخ الصين. كما نجح الكاتب كعادته في توظيف الأسلوب الكوميدي الساخر ومزج البسمة بالأسى، سيراً على درب الساخرين الكبار في تاريخ الأدب الصيني وعلى راسهم لوشون، لاوشه "1899-1966". فعندما تضطرهم الظروف الصعبة خلال المجاعة الكبرى التي شهدتها الصين في نهاية الخمسينيات حتى مطلع الستينيات، لأن يعيشوا 57 يوماً على وجبة حساء الذرة، يسأل صاحبنا شيوسان قوان زوجته وابناءه عن الوجبة التي يرغب كل فرد منهم في تناولها، ويصف له طريقة إعدادها ومذاقها بل ويسأله إن كان يشتهي المزيد منها. وذلك في محاولة منه لمواجهة شبح المجاعة الذي عانته أسرته الصغيرة من خلال هذه المواجهة أو الانتصار المعنوي (على طريقة آكيو بطل قصة "يوميات مجنون" لوشون".

ينتصر يوهوا للجوانب الإنسانية وقيم الخير والعفو عند المقدرة ومساعدة المحتاج والصداقة الحقيقية، ومكانة ذلك كله عند شخصيات العمل الرئيسية والثانوية. فنجد البطل شيوسان قوان يبيع دمه ليدفع عن ابن زوجته التعويض لكسره قدم ابن الحداد فانغ، والابن الثاني إرله يحمل أخاه الأكبر المريض على ظهره مسافة خمسة كيلومترات وسط ظلمة الليل والثلوج، الابن الثالث سان له يتبرع براتبه كاملاً عند علمه بمرض أخيه وحاجته للمال لتلقي العلاج، الجيران يقرضون شيوسان قوان ما تجود به أيديهم لجمع المبلغ اللازم لعلاج إي له، زوجة خه شياو يونغ (عدو الأسرة بالأمس القريب) وبنتيه تشاركن في تكاليف علاج إي له، وأخيراً يحذر شيوسان قوان صديقيه لاي شي ولاي شون من التسرع في بيع دمهما دون أخذ فترة مناسبة من الراحة، خوفاً على صحتهما بدافع الصداقة التي تكونت بينهم. وغيرها من المواقف التي تعبر عن تعاطف المؤلف مع شخصياته.

• من أجواء الرواية:

في اليوم التالي لعيد ميلاده، راح شيوسان قوان يعد على أصابعه الأيام التي عاشتها عائلته على حساء الذرة، سبعة وخمسين يومًا. فقال في نفسه: "يجب أن أذهب لبيع الدم، حتى أوفر لهم فرصة تناول وجبة من أطايب الطعام. مضى يفكر: إن وجوه جميع أهل المدينة تبدو شاحبة فيما عدا وجه المعلم لي المتورد، الذي لا يزال كما هو ممتلئ، جميع أهل المدينة يبدو على وجوههم الحزن فيما عدا المعلم لي لا تفارق وجهه الإبتسامة.

قال المعلم لي لشيوسان قوان بوجه باسم: "إنني أعرفك، أنت جئت هنا من قبل لبيع الدم، وكنت تحمل في يديك شئيا ما، فكيف تأتي اليوم بيدين فارغتين؟".

شيوسان قوان: "تعيش عائلتي المكونة من خمسة أفراد على حساء الذرة منذ ستة وخمسين يومًا، ولا أمتلك من الدنيا شيئا سوى الدماء التي في عروقي، جئت اليوم أرجوك أن تشتري مني سلطانيتين من الدم، لأتحصل على مبلغ من المال أعود به لعائلتي، أشتري لهم وجبة من الطعام الطيب. لتساعدني ولن أنسى لك هذا الجميل."

سأله المعلم لي: "وكيف سترد ليّ الجميل؟"

شيوسان قوان: "لا أملك الآن من الدنيا شيئًا يذكر، وقد أهديتك من قبل البيض واللحم، ونصف كيلو من السكر الأبيض، وأذكر أنك لم تقبل مني السكر، بل ولم تكتف بذلك وسببتني وقلت لي إنك من الحزب الشيوعي، وإنك لا تقبل أي هدايا من العامة. ولا أعرف أنك قد تغيرت الآن، ولذلك لم أستعد لهذه اللحظة، ولا أعرف كيف يمكنني أن أرد لك الجميل".

فقال المعلم لي: "وأنا أيضاً أصبحت مضطرًا الآن، فإذا أصررت على عدم قبول الهدايا في هذا العام القحط، فسوف أموت جوعًا، وأعلم أنني سأحافظ على قبول الهدايا بعد أن تتحسن الظروف التي نعيشها. ولتعتبرني الآن عضو بالحزب الشيوعي، وترد لي الجميل الذي أصنعه معك. ولا أطلب منك أن تكافأني بمثل ما أصنع معك، لتكافأني بأقل القليل، فقط أعطني بضعة يوانات من المبلغ الذي تحصل عليه مقابل بيع دمك، أعطني الفكة وأحتفظ لنفسك بالصحيح".

وبعد أن قام شيوسان قوان ببيع دمه، أعطى المعلم لي خمسة يوانات وأحتفظ لنفسه بثلاثين يوانًا. وضع المبلغ في يد شيويولان، وأخبرها أنه كسبه من بيع دمه، وأنه أعطى المعلم لي خمسة يوانات نظير مساعدته لبيع دمه، ثم قال: عشنا على حساء الذرة ستة وخمسين يومًا، من اليوم فصاعدًا لا يمكن أن نعيش عليه يوميًا، يجب أن نأكل وجبة غيره بين الحين والأخر، وأنه باع دمه لأجل المال، وأنه سيعاود ذلك بعد إنفاق هذا المبلغ، فالدماء التي تجري في عروقه كماء البئر، تبقى كما هى إذا أنت أستعملتها أم لم تستعملها. ثم قال: "واليوم لن نتناول حساء الذرة في المساء، لنذهب إلى مطعم النصر لتناول وجبة شهية".

وأضاف: "أشعر بأنني منهك، وصوتي مبحوح، أليس كذلك؟ بعد أن قمت اليوم ببيع دمي، لم أتناول النبيذ والكبدة المحمرة، وها أنا أشعر بأنني منهك. وذلك ليس بخلًا مني، ولكن عندما ذهبت إلى مطعم النصر لم أجد به شيئًا أتناوله، فيما عدا وجبة معكرنة يانغتشون، حتى مطعم النصر يعاني أيضًا من المجاعة، وكانت معكرونة يانغتشون تصنع فيما مضى بشوربة اللحم، أما الآن فتصنع بالماء فقط، مع إضافة قليل من الصوص، بل وأصبحت تخلو من البصل، وبالرغم من هذا كله تباع بواحد يوان وسبعين قرشًا، بينما كانت تباع فيما مضى بتسعين قرشاً فقط. وها أنا الآن مجهد للغاية، بعت دمي ولم أتناول الكبدة المحمرة، معدتي خاوية تمامًا، وكما يقول المثل الجائع يكمل معدته نوماً، وسأذهب حالاً للنوم".

رقد فوق السرير، مد يديه ورجليه، وقال لزوجته بعينين مغمضتين: "يتملكني الآن حزنٌ شديد، قلبي ينبض بصعوبة، معدتي تؤلمني، أشعر بالرغبة في التقيؤ، سأنام بعض الوقت، إذا غلبني النوم من ثلاث إلى خمس ساعات، فأتركيني وشأني، أما إذا طال نومي لسبعة أو ثمانية ساعات، فأستدعي بعضهم وخذوني إلى المشفى".

وما أن غلب شيوسان قوان النوم، حتى جلست شيويولان على عتبة المنزل ممسكة بالثلاثين يواناً، وراحت تتأمل الشوارع الخاوية والرياح التي تلقي بالرمال هنا وهناك، والجدران الحالكة، ثم قالت في نفسها: "باع دمه عندما هشم إي له رأس ابن الحداد، فعلها ثانية عندما كُسرت قدم البدينة لين، هان عليه أن يبيع دمه لأجل عاهرة مثلها، فالدم الذي يجري في عروقه ليس عرقًا يفرزه من شدة الحر، وها هو يعود لبيع دمه بعد أن عاشت العائلة على حساء الذرة ستة وخمسين يومًا، بل وقال إنه سيواصل بيع دمه، حتى تمر هذه الأيام الصعبة بسلام. فمتى تنتهى هذه الأيام؟"

مضت شيويولان تتحدث إلى نفسها حتى دمعت عيناها، ثم طوت النقود ودستها في جيبها الداخلي، وراحت تمسح دموعها بيديها، بدأت بمسح الدموع من على خديها براحة يدها، ثم مررت أصابعها لتمسح ركني عينيها.