شيعة الكويت ... ضغوط التيارات الدينية السياسية

تغيرت الأحوال بعد الثورة الإيرانية

ينطبق على الشيعة (المؤمنين بالمذهب الجعفري الاثنى عشرية) الذين يمثلون تقريبا ربع الكويتيين ما ينطبق على الأقليات من تحديات. وقد مر الشيعة ما مر به غيرهم من الفئات في العلاقة مع الدولة من حيث تأكيد الذات والسعي لنيل الحقوق. والشيعة ممثلون في مجلس الأمة بمتوسط بين خمسة وستة نواب، وإن كانوا وصلوا في إحدى البرلمانات لتسعة نواب من أصل خمسين. الشيعة جزء من بدايات الكويت، إذ لهم إسهامات رئيسية في بنائها ونمو كيانها. لكنهم بالوقت نفسه واجهوا في مفاصل تاريخية محددة ضغوطا ارتبطت أساسا بوضعهم كأقلية.

فعلى سبيل المثال لم يشارك الشيعة في معركة الجهرة العام 1920 لأن أمير الكويت طلب منهم عدم المشاركة في قتال الإخوان العاملين مع (عبدالعزيز آل سعود). فالمعروف عن الإخوان الوهابيين تعصبهم لمذهبهم الديني، ورفضهم الاعتراف بوجود مذاهب أخرى. وفي حالة أخرى نجد مثلا أن الشيعة مثلوا بمقعد واحد في حركة الإصلاح الأولى العام 1921 لكنهم لم يملؤوه مما يعكس طبيعة العلاقة بينهم وبين الأغلبية السنية.

أما في مرحلة حركة الإصلاح العام 1938 والتي وقعت في زمن الشعور القومي العارم والشعور المعارض لهجرة الإيرانيين من الشيعة إلى الكويت، فلقد اختبر الشيعة التميز من خلال حرمانهم التصوبت والترشيح للمشاركة في مجلس 1938 الإصلاحي. لكن الشيعة احتجوا وحصلوا بعد ذلك على حق التصويت. لقد نشأت أول مدرسة جعفرية في الكويت العام 1939. والجدير بالذكر أن حاكم الكويت الشيخ أحمد الجابر(1921- 1950) استفاد من التناقض بين المسلمين الشيعة والعائلات التجارية في مواجهته لتجار الكويت وحراكهم الإصلاحي العام 1938.

اختلفت درجة التجانس السني الشيعي في الكويت من مرحلة إلى أخرى. فقد شهدت ستينات وسبعينات القرن العشرين تراجع في التمايزات الطائفية في الكويت وذلك بسبب تراجع دور الهوية الدينية لصالح الهوية العربية والوطنية المحلية. قد يصح القول بأن التجانس بين الشيعة والسنة عرف مرحلة إيجابية في الستينيات والسبعينيات في عموم الشرق الأوسط.

لقد لعب الشعور العربي من جانت والضعف التركيز على الاختلافات الدينية دورا موحدا للناس. فالكثير من قادة الحركة القومية العربية في العراق كانوا من الشيعة، كما أن الشيعة في البحرين ولبنان لعبوا دورا قياديا في الحركات القومية العربية واليسارية. وقد مثل دستور 1962 وبرلمان 1963 بداية علاقات جديدة بين المواطنين الشيعة والسنة في الكويت

لكن تعريف الكويت الضمني، وغير المكتوب، بصفتها دولة سنية بدأ يبرز على سطح الحياة السياسية في البلاد. فقد تعامل عموم المواطنين الشيعة في البداية مع المواطنة بقبولهم موقع أدنى في المعادلة السياسية الكويتية. من هنا بدأ يتطور في صفوف الشيعة شعور تاريخي وربما طبيعي بأنهم أقلية في دولة لا تدين بمذهبهم وفي ظل وضع اقتصادي تسيطر على مفاصله الطبقة التجارية السنية. وفي المرحلة الأولى التي تلت الاستقلال الكويتي عام 1961 قاد الوضع الشيعي في البلاد مجموعة من العائلات الشيعية المتنفذة.

بينما اعتبرت الدولة التي استقلت العام 1961 أن كل مواطن متساو مع الآخر في الحقوق والواجبات، إلا أن الشيعة اكتشفوا مبكرا (كما ستكتشف القبائل في ما بعد) وجود تناقض بين مواد الدستور التي تحترم الحقوق والحريات والاختلاف وبين ما يقع على أرض التطبيق من تميز نسبي. فالتميز يتم خارج القانون وبصور غير مكتوبة. والملاحظ إنه يوجد ليومنا هذا تقنين إن لم يكن تمنع عن تعين الجعفريين الشيعة في العديد من الأجهزة الأمنية و الحرس الوطني. هذا لا يعني إن تقدما لم يقع، لكن هذا التقدم دون تلبية احتياجات الأفراد بالعدالة والمساواة أمام القانون وذلك بغض النظر عن خلفياتهم الطائفية والاجتماعية.

وما أن جاءت الثورة الإسلامية في إيران العام 1979 في صبغتها السياسية الدينية والشيعية؛ إلا وسجلت مكانا لها في جميع الأوساط الشيعية، كما والسنية العربية. الشيعة بالتحديد شعروا بفخر كبير لقيام دولة تعتمد المذهب الجعفري في إيران. أما السنة فوجدوا في الثورة الإيرانية دليل على قوة الإسلام وإمكانية أن يكون نظام حكم. الإعجاب بالثورة الإيرانية ارتبط أيضا بالكراهية الكبيرة في الوسط العربي لشاه ايران، وارتبط أيضا بقيام ايران بعد انتصار الثورة بأيام بإغلاق السفارة الإسرائيلية وتسليمها للفلسطينيين بينما كان السادات قد بدأ طريق كامب ديفيد والعلاقات الرسمية مع إسرائيل.

وقد سبق الثورة الإيرانية وأثرها الديني تطور للطبقة الوسطى الشيعية في الكويت؛ التي عبرت عن طموحات فئات شعبية من خارج العائلات الشيعية المتنفذة والأكثر قربا من النظام السياسي. وارتبط هذا التطور بالتعليم وانتشاره. وقد سبق الثورة الإيرانية بروز نموذج موسى الصدر(أوائل السبعينيات) في لبنان الذي جمع الشيعة في حركة مطلبية تسعى لإنهاء تهميشهم في النظام اللبناني. لقد تصدرت المشهد السياسي في الثمانينات قوى شعبية وطبقة وسطى شيعية يسيطر عليها فكر نقدي مسلح بأيديولوجية دينية. منذ 1979 تعمق الحراك الشيعي باتجاه الدين والسياسة. وقد حول الفرز الديني الشيعة من أقلية مفككة إلى آليات جديدة للتضامن.

كما برز حراك ديني في الوسط الشيعي في ثمانينيات القرن العشرين نجده وقد تطور أيضا بين السنة؛ وذلك بفضل الثورة الإيرانية وبفضل الحراك الإسلامي في المجتمعات العربية . لقد أفرز هذا الوضع تيارات إسلامية سنية مكونة من الإخوان المسلمين والسلفيين، و بدا واضحا، بنفس الوقت، إن زيادة جرعة الدين في المجتمع أدت إلى حالة من التمذهب. منذ بداية الثمانينات وقع شرخ في العلاقة بين المذاهب في المجتمعات العربية وفي هذا لم تكن الكويت استثناءً.

عرفت تلك المرحلة من الثمانينيات بمرحلة "الإرهاب الشيعي"، إذ ضربت سفارات وخطفت طائرات بينما تعمقت المعارضة الشيعية للسياسة الخارجية للكويت ولدول الخليج. وفي أوج الحرب العراقية الإيرانية أغلقت الكويت الجمعية الثقافة الاجتماعية العام 1989 وذلك على أثر إعدام ستة عشر شابا كويتيا بتهم مختلفة حول الإرهاب إثناء موسم الحج.

هناك دائما فهم خاطئ للتواصل بين إيران الثورة وبين المذهب الشيعي، فللشيعة في الكويت خلفيات متباينة: مثلا بعضهم من أصول فارسية، لكن ينقسمون لجذور تركمانية بهبهانية بلوشية. وهناك شيعة حساوية وقطيفية أي إنهم عرب من المناطق الواقعة في المملكة السعودية الآن. وهناك شيعة من جذور بحرينية وآخرون من أصول أهوازية وعراقية ولديهم مراجع دينية في العراق. وهناك شيعة من قبيلة شمر البدوية المعروفة.

من جهة أخرى تخترق التيارات السياسية الدينية الطائفة الشيعية. هناك تيارات دينية منها تيار "ولاية الفقيه" و"الثورة الاسلامية" و"الأممية الدينية"، ويقابله عند السنة تيارات دينية متشابهة في أمميتها وانتشارها الإقليمي والعربي كالسلفية والإخوان، وفيما بعد القاعدة وغيرها. وهناك من جهة أخرى تيارات شيعية لا تؤمن بولاية الفقيه وتؤمن بدرجة من الفصل بين الدين والدولة كما هو فكر اية الله السيستاني في العراق، والسيد محمد حسين فضل الله في لبنان، وهناك تيارات بين الشيعة لا تنتمي للتوجهات الدينية بل هي أقرب إلى التوجه المدني الليبرالي.

إن جوهر الموقف الشيعي من إيران مرتبط بالرأي السياسي لمن يحمله تماما؛ كموقف الكثير من السنة من السعودية او القاهرة. المناخ الشيعي سيتعاطف مع إيران حتما في حالة الاعتداء عليها، لكنهم لن يقفوا معها في حالة إعتداءها على أوطانهم أو قيامها بأعمال لا تنم عن اتزان او احترام للآخرين. هذه التمايزات ليست واضحة للفئات التي تناصب الشيعة العداء الفكري والمذهبي. لقد أثبت غزو 1990 أن السياسة المؤيدة بالمطلق لصدام حسين انتهت بقيامه باحتلال الكويت وغزوها. فمنذ لحظة الغزو استعاد الشيعة والسنة في الكويت تلاحمهم وخطوا سويا طريقا واضحا ومقاوما في مواجهة تعدياته.

ولو عدنا قليلا إلى الوراء لوجدنا أن قضية التأبين الخاصة بعماد مغنية، القائد في حزب الله الذي اغتيل العام 2008 في دمشق، تحولت هي الأخرى إلى نقطة خلاف في التوازنات الكويتية، فقد أعتقل الكثير من المؤبنين بتهمة أن عماد مغنية ساهم في مرحلة سابقة في الثمانينيات بخطف طائرة كويتية. لكن المؤبنين تعاملوا مع التأبين انطلاقا من كون مغنية بطل لبناني وعربي قاتل إسرائيل العام 2006 وساهم في تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال. ردة فعل الشيعة على إيقاف التأبين وملاحقة النواب الشيعة المرتبطين به عبر عن نفسه بالتضامن معهم وبإعادة انتخابهم بقوة كبيرة. وقد أدت حادثة التأبين إلى شق المعارضة الكويتية (التجمع الشعبي) وإخراج المكون الشيعي منها.

إن العنصرية ليست حكرأ على علاقات الطوائف والفئات ببعضها البعض، بل نجدها بصورة أخرى داخل كل فئة وجماعة، فبين الشيعة نجد أن المتدين يتعامل بنظرة مختلفة تجاه غير المتدين، والعربي يحمل نظرة محددة لغير العربي ذو الجذور الفارسية، فكل فئة تتعامل مع الأخرى وفق موقعها ومكان مجيئها. حتى ضمن المذهب فالفئة المسيطرة والمؤثرة تسعى لإبقاء السيطرة ولمنع أي جهة ضمن المذهب من الخروج عن إجماعها.