شيراك، بين تدويل 'الفتنة في لبنان' و'اطلسة' الاحتلال في العراق

طالما تمتع الرئيس الفرنسي جاك شيراك بعاطفة خاصة لدى اللبنانيين خصوصا، والعرب عموما، بسبب تقديرهم لما يشعرون به من عاطفة خاصة لديه تجاه لبنان، ومن تفهم انساني للقضايا العربية العادلة لا سيما في فلسطين والعراق، حتى ان كثيرين اعتبروا ان الموقف الفرنسي كان الموقف "العربي" السليم من الحرب على العراق ومن الاحتلال في فلسطين بالاضافة الى دورها في صياغة "تفاهم نيسان" في لبنان.
ولقد تجلت هذه العاطفة العربية الاستثنائية في الاستقبال الاستثنائي للرئيس شيراك في الجزائر قبل حوالي العامين، حين خرج ملايين الجزائريين (والكثير منهم فقد قريبا او جريحا على يد الجيش الفرنسي ابان احتلال الجزائر) الى استقباله تقديرا لمواقفه ضد الحرب على العراق، ولصموده مع دول اوروبية اخرى بوجه الضغوط الاميركية، التي يصعب مقاومتها، لا سيما في ظل شبكة من المصالح والعلاقات والقوى الفاعلة في فرنسا المتأثرة بشكل وبآخر بالمشروع الاميركي والنفوذ الصهيوني.
ويوم اختطف الصحافيان الفرنسيان في العراق، تحرك العرب في كل بلادهم ، افرادا ومنظمات، مستنكرين الخطف ومطالبين بالافراج عن مواطنين ينتميان الى بلد كان من اكثر من بلدان الغرب تعاطفا مع قضايا المنطقة وحقوق ابنائها.
ولكن الوضع بدأ يختلف اليوم، والهواجس والمخاوف والذكريات المؤلمة القديمة بدأت تطل برأسها من جديد، وبدأ البعض يشكك حتى بصدقية مواقف الرئيس شيراك السابقة نفسها وبات يعتبرها مجرد تعبير عن تناقض مصالح مع الادارة الاميركية اكثر منها تعبيرا عن دعم للقضايا العربية وحقوق الشعوب نفسها.
صحيح، ان السياسة مصالح، وان مصلحة الرئيس شيراك في مصالحة بوش واسترضاء اللوبيات الاقتصادية والسياسية الداخلية في فرنسا (من شركات متعددة الجنسيات الى مجموعات صهيونية)، هي أقوى من المصلحة الناجمة عن دعم قضايا العرب والمسلمين، خصوصا ان هؤلاء منكوبون بحكومات لا تعبر عن مشاعرهم ولا تدافع عن مصالحهم، وان عددا كبيرا من هذه الحكومات بات يفضل اللهاث وراء واشنطن، التي تركلها كل يوم، على بناء علاقة متكافئة سليمة مع باريس أو موسكو أو بون او بكين. وصحيح ايضا، ان تصرفات وممارسات جرت في بلادنا أغضبت الرئيس شيراك، كما أغضبت الكثيرين منا، وبعضها اثار مشاعر انسانية رقيقة وصادقة لديه، لا سيما بعد اغتيال صديقه الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولكن هل درس الرئيس شيراك التبعات الكاملة للسياسة التي اخذ ينتهجها مؤخرا، سواء تجاه العراق نفسه، حين وافق على ما كان يرفض البحث فيه، وهو ارسال قوات اوروبية الى العراق، ثم اندفاعه في مشروع تدويل القضية اللبنانية، ذاتها بكل ما يعنيه ذلك من تفجرات وفتن ومعارك لم يصدق اللبنانيون كيف خرجوا منها قبل 15 سنة.
والأمر نفسه يتكرر في العراق، فهل نجح الرئيس جورج بوش في أقناع الرئيس شيراك وغيره من زعماء اميركا في ان يبدأوا من حيث انتهى هو، وهل ارسال قوات اوروبية للتدريب او غيرها يسهم في اخراج العراق من محنته، ام انه يؤكد نظرية (بعض الاصوليين ) المتطرفين بانها " حرب صليبية" وهو ما قاله ايضا الرئيس بوش في "زلة لسان" بعد ايلول 2001.
الم يلاحظ الرئيس شيراك انه ينزلق في سياسته تدريجا بعيدا عن مشاعر العرب والمسلمين وعواطفهم، وان صورته في نظر الكثيرين اخذت تتحول من قائد كبير لخط الاعتراض الاوروبي والعالمي على سياسة الانفراد الاميركية في العالم الى شريك محدود الفعالية لادارة بوش الهادفة الى افقاده مكانة استحقها وبريقا اكتسبه عبر سنوات طويلة ، واعادته كصورة متكررة عن زعماء اوروبيين عاديين محكومين بنظرة وحيده تجاه الاطلسي.
وحين فتح الرئيس شيراك بشكل مفاجئ معركة الرموز الدينية في المدارس الرسمية، وفي مقدمها "نزع الحجاب"، احسسنا بقلق من ان تكون جهات معروفة الارتباطات، قد نجحت في دفع الرئيس الفرنسي المحبوب بين العرب والمسلمين الى موقع تناحري معهم، ولكننا حاولنا ان نطرح شبح القلق جانبا آنذاك بالقول انه قد يكون هناك ثمة اعتبارات داخلية أملت على الرئيس الفرنسي ذلك الموقف، ودعونا الجميع الى العض على جراحهم كي لا نخسر فرنسا.
ثم جاءت قضية تلفزيون "المنار" وتفاعلاتها، فشعرنا أن هناك خطاً بيانيا تصاعدياً بدأ يتضح في السياسة الفرنسية حيث بدأت تظهر مفاعيل الضغوط الأميركية والصهيونية في باريس لا سيما مع تعديل وزاري ابعد وزير الخارجية السابق دوفيلبان، المعروف باستقلاليته عن التأثير الاميركي، عن هذه الوزارة رغم المكانة الدولية العالية التي انتزعها لا سيما في خطب امام مجلس الامن عشية الحرب على العراق.
وحين بدا الحماس الفرنسي للقرار الدولي 1559 يتضح للجميع، شعرنا ان تحولا سياسيا خطيرا قد طرأ على الموقف الفرنسي جعله يظهر بنظر كثيرين مشابها للموقف البريطاني من الحرب على العراق، وقال كثيرون من ابناء المنطقة الخبراء بتاريخها، ان واشنطن الطامحة الى صياغة "سايكس بيكو" جديد في هذه المنطقة بالشراكة مع تل ابيب، تسعى الى استخدام طرفي "سايكس – بيكو" القديم في مشروعها هذا عبر تكليف كل طرف في امور المنطقة التي تولى "انتدابها" بعد الحرب العالمية الاولى ، فكانت حصة لندن هي المشاركة في الحرب على العراق، دون المشاركة في غنائمها، اما باريس فقد دعيت لتقوم بدور في لبنان وسوريا دون ان تحصد بالطبع اية مكاسب مستقبلا، كما جرت العادة مع كل شركاء واشنطن في كل حروبها، ويذكر الرئيس شيراك نفسه ككل الفرنسيين كيف اخرجت واشنطن فرنسا من مغانم حرب الخليج الاولى في الكويت رغم مشاركتها الواسعة، بل لتتهمها بعد حين انها تناصر العراق بعد ان كانت ركنا رئيسيا في جبهة "التحالف" ضده قبل سنوات.
وبدلا من أن تطلب باريس من واشنطن ثمنا لانحيازها إلى السياسة الأميركية والإسرائيلية في الضغط على لبنان وسوريا، رأينا بوش "البارع" يطلب من فرنسا ثمنا لمماشاته إياها في سياستها اللبنانية، ويقبض الثمن في أجماع أوروبي على إرسال قوات "تدريب" إلى العراق.
وعلى الرغم من الاستدراك الفرنسي في المسألة الإيرانية، وإعلان الرئيس شيراك انه طلب من بوش حوافز لتشجيع إيران على العودة عن برنامجها النووي، فان صورة انقسام عالمي قاتمة بدأت ترتسم في الأفق، حيث اصطف الغرب مجددا وراء واشنطن، فيما اخذ الشرق الممتد من كوريا الشمالية التي أعلنت ، بنبرة المتحدي، عن امتلاكها أسلحة نووية، إلى الصين التي تواجه حصارا أميركيا خفيا على غير صعيد استدعى مطالبة واشنطن بحظر السلاح الأوروبي عنها، إلى روسيا التي وجه إليها بوش "تعليمات" واضحة من بروكسل، إلى إيران التي تشتد الضغوط عليها لمنعها من استكمال برنامجها النووي، إلى سوريا ولبنان اللذين يواجهان ضغوط استثنائية، بل إذ بنا مجددا أمام "صراع الحضارات" الذي بشّر به صموئيل هانتغنتون ويستلهمه مخططو السياسة الأميركية الموزعون هذه الأيام بين واشنطن وتل أبيب.
فهل نحن أمام "حرب باردة" جديدة بين الغرب والشرق لن يحس بسخونتها إلا المجتمعات العربية والإسلامية حيث الحقد الصهيوني عليها قادر دائما على توجيه النار باتجاهها، أم نحن أمام حرب عالمية نجحت واشنطن في أن تصب الزيت الأوروبي عليها لتزيدها اضطراما وتوحشا.
وهل يقبل الرئيس شيراك أن يخسر كل ما بنته فرنسا من سمعة ومكانة، كانت ستتحول حتما إلى مصالح ونفوذ في البلدان العربية، وان يتحول من جسر بين الشرق والغرب إلى متراس أميركي آخر فيندفع مجددا في إرسال جنود إلى العراق ويحمل في لبنان وسوريا لواء التدويل الذي كان دائما مرافقا التدويل، مرافقا لمشروع التفجير والفدرالية.
أننا إذ نثير كل هذه المخاوف ، ونثير كل هذه الهواجس فلأننا نحرص على أن نكسب لقضايانا أصدقاء جددا، لا لنخسر أصدقاء حاليين وفي مقدمهم فرنسا، وإذ نثير هذه المخاوف فإننا ندرك أيضاً، أننا ارتكبنا في لبنان وسوريا ، داخل مواقع المسؤولية وخارجها، أخطاء وخطايا، ولكن هل يدفع لبنان مرة أخرى ثمن هذه الأخطاء والخطايا، بل هل ندفع مجددا ثمن استقطابات جديدة تجري على المستوى العالمي والإقليمي.
أن الرئيس شيراك شخصيا مدعو للتنبه إلى مخاطر الاندفاع في مشروع "تدويل" الفتنة في لبنان و"اطلسة" الاحتلال في العراق. معن بشور