شيخوخة الشمولية وميلاد التعددية: هل بقي من الربيع العربي شيء

"الربيع العربي" رغم ما أصابه من تشوهات، إلا أن المقلق لكثير من المتابعين المتطرفين بنوعيهم كتوتاليتاريين/مستبدين لصالح السلطة، أو أناركيين/ لاسلطويين لصالح الشعب، بدأوا يلاحظون تحولات الضعف الواضحة في ميزان القوى العالمي، وإنهيار النظام القائم على قطب واحد. وإن حاولنا على عجل تحقيب تلك الفترة، فقد نقول أنها منذ سقوط جدار برلين كمؤشر متأخر للصعود الأميركي، وحتى سقوط برجي التجارة كمؤشر متأخر للهبوط، فاعترافات الرؤساء الأميركان من أيام كلينتون بمستقبل القوى العالمية المتعدد خلال عقد مضى، يؤكد ما نلمحه الآن، بل ويضعنا أمام مجموعة من المنطلقات الاسترشادية لتلمس الطريق وسط هذا الضجيج.

المنطلق الأول: كان لصدام حسين عقود وصفقات مع روسيا، وكانت روسيا في تلك الفترة ضعيفة وتريد التعافي، ولا تستطيع الدخول في مواجهة عنيدة مع أميركا، كما تفعل الآن في الوضع السوري، ورغم رهان صدَّام على هذه الإتاوة كبدلات حماية سيستميت من أجلها الروس، إلا أن الواقع أثبت أن العراق مجرد أكلة تنهشها الضواري من الدب الروسي الذي ولى هارباً لكثرة النسور الأميركية المنقضة برأسها الأبيض، تاركاً رهان الصفقات والعقود التي لم تشفع حتى لاتفاقية وقف إطلاق النار إبان حرب الكويت أن تحفظ ماء وجه روسيا أمام جيش الرفيق صدام من قصفه منسحباً، ولم تشفع روسيا حتى لرأس الرفيق من المشنقة بعد ذلك بسنوات.

المنطلق الثاني: عند وضع سؤال مهم من نوع "ما موقف أميركا الحقيقي من القيادات العربية خلال العقود الماضية؟" يتضح جلياً أن أميركا لا تعترف بالحلفاء بمعناه العربي (الاخوة والصداقة بمعنى عاطفي يراعي قيم الوفاء)، بقدر اعترافها بالحلفاء بالمعنى السياسي البراغماتي المتكئ على المصالح والمصالح فقط. وفضيحة إيران جيت تعطي مؤشرا جليا وفجا لهذا المعنى، بل إن حتى موقفها من الاخوان المسلمين في مصر التي راهنوا فيها على حلفهم مع أميركا عبر قراءتهم لبعض الرهانات التي كسبوها من خلال إقالة طنطاوي عبر الضغط الأميركي.... الخ جعلهم يتمادون في أوهام الديمومة و"التمكين" عبر الحماية الأميركية التي قد عاشها وصدقها من قبلهم الرئيس مبارك، وصولاً إلى مؤشرات توريث إبنه جمال، وها هي أميركا تخلت (جزئياً) عن الإخوان مع معارضة خجلى في البدء لواقع ما بعد مرسي، وفي هذا مؤشر يشبه ما كنا نحكيه عن مستويات النفوذ الضعيفة التي تعيشها أميركا.

المنطلق الرابع: كان صدام حسين بعبعاً يمكن إسقاطه منذ اتفاقية "خيمة صفوان"، ولكن اميركا قررت استثمار هذا البعبع لآخر لحظة عبر القواعد العسكرية والصفقات التي عقدتها في كل المنطقة للحماية من "لا شيء".

المنطلق الخامس: إيران ليست عراق صدام، ومدى المناورة الإيرانية والظرف الروسي الحالي يشبه أميركا قديماً في مواقفها الصارمة من أجل حلفاءها، وأميركا مع حلفاءها الآن تشبه روسيا مع حليفها صدام حسين، والسبب هو تعملق تحاول أميركا عدم التورط فيه كي لا يؤدي لنفس المشاكل الصحية للعمالقة ورافعي الأوزان الثقيلة عند نمو أطرافهم بشكل يورثهم تضخم القلب مما قد يؤدي للوفاة.

المنطلق السادس: "الربيع العربي" دون مشاحة في المسمى، يعلم كثير من المراقبين أنه لم يصل إلى منتصفه، وعلى إصطلاح محمد الرميحي في الزميلة "الشرق الأوسط" فنحن في "الربع الأول من الربيع العربي" وعلى نبوءة عالم المستقبليات المهدي المنجرة منذ التسعينات الميلادية للقرن الفارط فإن العالم العربي آنذاك مقدم على ثلاث احتمالات، الأول بقاء الحال كما هو وهذا مخالف لطبيعة الأشياء، والاحتمال الثاني قيام إصلاحات عميقة وجذرية من قبل الحكومات العربية وهذا بعيد لأن كلفته ــــ كما يقول ــــ لا تستطيعها الكثير من هذه الحكومات أو لا تريدها، والاحتمال الثالث الفوضى والتي كان يتفاءل بها في تسعينات القرن الماضي، ولا نعلم ما يقول عنها لو رأى ما يحصل في ليبيا وسوريا الآن، مما لا يدعو للتفاؤل أبداً، لكن الدرس الأهم في قراءاته أن كلمة "استقرار" يجب أن تقلق السياسي لا أن يفرح بها، فمن معاني الاستقرار ما رواه التراث العربي عن امرأة دعت على من تكره بقولها: أقرَّ الله عينك وقصدت بها العمى.

المنطلق الثامن: حكاية مشهورة في التراث الصيني عندما أراد ملوك الصين حماية حدودهم فبنوا السور العظيم كي يمنعوا الغزاة والأعداء، وبعد الانتهاء منه، قامت ثلاث حروب داخل الصين من قبل الأعداء الذين كانوا في كل مرة يدخلون عبر رشوة الحارس، لأن ملوك الصين انشغلوا ببناء السور عن بناء الحارس، فكيف إذا كان هؤلاء الملوك كأبناء صلاح الدين الأيوبي عندما اختلفوا فاستعان أحدهم بفريدريك الثاني وسلمه القدس مقابل الحفاظ على عرشه من سطوة أخيه!

نلاحظ أن هذا المقال لم يتطرق في حديثه إلى حركات الإسلام السياسي، لأن الأمر ببساطة لا يتجاوز ما فعله التوافق الدولي للقوى العظمى في البوسنة عبر إشعال الفتيل الطائفي والعرقي وإطفاءه بعد جعل يوغسلافيا كدولة من ذكريات القرن الماضي، فهل هناك الآن مشاكل داعشية في البوسنة بعد الوصول إلى حلول حقيقية وجذرية لمناطق النفوذ العالمية لما سمي ببقايا المعسكر الشرقي، أم أن جنود المرتزقة المجَّانيّون (الجهاديون) يتوهمون أن البوسنة الآن تحت حكم الخليفة ابو مصعب أو أبو البراء الخ من أسماء تستحلب التاريخ بقسوة أخرجت كل ما فيه من قيح ودم وصديد.

"الجهاديون الإرهابيون المتطرفون الإسلاميون" مهما اختلفت أسماؤهم واختلفت المشاعر تجاههم بين (متعاطف ومبغض ومحايد )، فليسوا سوى حطب السمر القادم من بيداء العرب كوقود خصب وثابت في كل حروب النفوذ العالمي منذ القرن الماضي وحتى الآن، وما زال شيوخهم يوقدونهم بلا رحمة، كعمد ممددة، متوهمين نصراً لن يتجاوز في أقصى حالاته ميلاد حامد كرزاي جديد في كل بقعة يوجدون فيها.

أخيراً هل هناك حرب ضد الإسلام؟ هذا سؤال غير منطقي عند أي عاقل، فلا يوجد سياسي في العالم يحارب ديناً من الأديان، والنظام العالمي لا يدخل في هذه السخافة الفكرية التي انشغل بها الكثير. فالاسلام الآن كدين، موجود بمساجده ومراكزه في كل مكان من العالم أكثر من وجوده أيام الأمويين والعباسيين، أما الإسلام كلعبة سياسية بيد الأفراد، فالميدان مفتوح منذ أيام الحجاج بن يوسف الثقفي وصلب ابن الزبير، مروراً بالرايات السود لأبي مسلم الخراساني من أجل دين أبي العباس السفاح، وصولاً لقتل أجدادنا على يد "الخلافة" العثمانية في الجزيرة العربية، بحجة الخروج على الإسلام الممثل بالخليفة السلجوقي! فهل الخازوق العثماني من الإسلام ايضاً يا ضعفاء الذاكرة وبلداء التاريخ؟

ما الذي بقي إذاً من مظاهر الربيع العربي ما دام لم يذهب منه إلا بعضه؟

بقي تعري حالة التوافقات السياسية ــــ ذات الطابع التكتيكي وليس الاستراتيجي ـــ بين دول المنطقة أكثر وأكثر، والدخول في تفسخ سياسي يزيد الفجوة بين الشعوب والأنظمة باستثناء بعض التجارب العربية هنا وهناك وفي مقدمتها التجربة المغربية التي تجنبت الاعصار حتى الآن. أما الحركات الإسلامية فعليها أن تبحث لها عن متكأ في متحف التاريخ بين الشيوعية اللينينية والقومية الفاشية، فكل منظومة شمولية فكرية أو سياسية سيقتلعها القرن الحادي والعشرون، وسينتقل المشاهد العربي من واقع سياسي لا زال يظهر باللونين الأبيض والأسود، إلى واقع أكثر ثراء بألوان قوس قزح السبعة، لكن قوس قزح للأسف لا يظهر إلا بعد أن تأخذ الأعاصير والسيول الجارفة حقها، ثم تبزغ الشمس رفق هتان الرحمة الذي نتمناه بصدق ومحبة لكل البشرية حكاماً ومحكومين.