شوارع يلفها السواد وقلوب عراقية بيضاء في خانقين

السنة لا يقيمون حفلات زواج في شهر محرم ويتجنبون ارتداء الازياء الملونة

خانقين (العراق) - لا تشعر وأنت تزور مدينة خانقين هذه الأيام أن فيها مكونات وأدياناً ومذاهب أخرى غير الشيعة، فمعظم الأحياء والأسواق في المدينة متشحة بالسواد لذكرى الإمام الحسين.

يرفع معظم سكان مدينة خانقين فوق مباني منازلهم ومحالهم أعلاما سوداً وصورا للأئمة الشيعة، حتى أن بعضا من أصحاب المحال اخفوا لوحات وعناوين أماكن عملهم بقطع أقمشة سود.

وتضم مدينة خانقين (شمال بعقوبة مركز محافظة ديالى) القومية الكردية والعربية والتركمانية، فيما تشير إحصاءات اقليم كردستان الى ان الكرد يشكلون 90% من السكان والبقية تتكون من العرب والتركمان ومعظمهم مسلمون مع أقلية كاكائية تقطن المدينة.

وتوزع مسلمو خانقين على المذهبين الشيعي والسني ويشير رئيس مجلس القضاء في مركز المدينة الى ان المذهبين يشكلان مسلمي المدينة مناصفة.

وبدأ المذهبان بعد عام 2003 معاداة بعضهما في المدن والبلدات العراقية التي يتكون سكانها من السنة والشيعة وقتلوا الآلاف من بعضهما، إلا أن السنة والشيعة في خانقين على عكس جميع أنحاء العراق لم يعاديا بعضهما، بل يعيشان معا في وئام ويشاركان بعضهما في المناسبات الدينية الخاصة بهما.

وينظم شيعة خانقين خلال مراسم عاشوراء وأربعينية ذكرى الإمام الحسين مسيرات عزاء ولطم في شوارع المدينة، فيما يشارك بعض المواطنين السنة فيها.

وقال عماد قادر وهو مواطن سني في السابعة والخمسين من العمر يبيع المواد الغذائية على احد الأرصفة في سوق خانقين انه "لا يوجد فرق بيننا وبين مواطنينا الشيعة". ولتأكيد كلامه نظر عماد الى جاره صاحب المحل الشيعي ليثبت صحة ما يقول.

ولا يقيم سنة خانقين خلال شهر محرم وهو شهر العزاء لدى الشيعة حفلات الزواج كتعاطف معهم ومشاركتهم الأحزان حتى انهم قلما يلبسون الأزياء الملونة خلال تلك الفترة.

واعرب جبار إبراهيم وهو شيعي في الرابعة والستين من العمر عن استغرابه من وجود المشكلات بين المذهبين، قائلا "لدينا نبي واحد وقرآن واحد، فلمَ توجد المشكلات بيننا"؟

ويعتز جبار بمدينته ويصفها برمز التعايش قائلا "يعود اختلاطنا مع إخوتنا السنة الى زمن بعيد وحالات الزواج مستمرة بيننا".

وذكر جبار ان بعض الشيعة يسمون أطفالهم بأسماء الخلفاء الراشدين الآخرين عدا علي بخلاف مناطق اخرى حيث يقتل فيها المرء بسبب أسماء مثل علي أو عمر.

واضاف "كلما سافرت الى بغداد ازور ضريح الشيخ عبدالقادر الكيلاني الذي يمثل رمزا مقدسا لدى السنة، فنحن المواطنين ليست لدينا مشكلة، السياسيون هم الذين ينشرون النزاعات والخلافات بيننا".

ومع أن جبار هو شيعي، إلا انه اتهم البعض من الحشد الشعبي والاطراف السياسية بأنهم أرادوا زرع الفرقة بين الشيعة والسنة.

ولتأكيد ما ذكره جبار، قال سمير محمد رئيس مجلس مركز قضاء خانقين لقد "حاولت أطراف خلال الفترة الماضية دخول المدينة ولكننا منعنا المحاولة بشتى الطرق، لأننا على يقين من ان تلك التحركات ستخلق مشكلات مذهبية".

وتفيد الإحصاءات غير الرسمية ان عدد سكان خانقين يبلغ حوالي 200 ألف نسمة يقيمون في اربعين حيا في المدينة ومشتركة بين المواطنين السنة والشيعة.

المسؤول في مدينة خانقين أشار أيضاً الى ان التعايش موجود في خانقين منذ القدم وقد عاش فيها مسيحيون ويهود أيضاً خلال الأعوام الماضية، وعزا سبب هذا التعايش الى انعدام نزعة الانتقام لدى السكان وقال "انا سني وقد زوجت ابنتي الى شاب شيعي، وزوجات إخوتي من الشيعة، حالات الزواج هذه هي سبب رئيس للاختلاط وقبول الآخر في خانقين".

ويضم مركز مدينة خانقين حسينيتين و16 مسجدا ويتوافد السنة والشيعة على الاماكن المقدسة لممارسة طقوسهم.

السيد عباس النجفي وهو اكبر وجهاء الشيعة في خانقين وامام الحسينية الكبرى في المدينة الذي يعيش فيها منذ 75 عاما، قال حول اسباب التعايش في المنطقة ان "الاخوة والمحبة الموجودة في المكان تعود الى حالات الزواج بين القوميات وثقافة السكان ورجال الدين السنة الذين لا يخلقون التفرقة ويزورون بعضهم بعضاً".

ولا يقتصر التعايش على دائرة السنة والشيعة فحسب، بل يعيش كاكائيو خانقين مع المذهبين في سلام وإخاء، وقال هفال ناوخاس وهو شاب كاكائي "تعد امي الهريسة في عاشوراء كما نقدم الاضاحي في عيد الاضحى".

وشدد ناوخاس على أنهم إن اختلفوا في امر ما فإنهم يجتمعون نهاية المطاف في كرديتهم واعتبر ذلك السبب الرئيس وراء التعايش في المدينة.

"خانقين مدينة المحبة والسلام" عبارة تكتب على جميع الكتب الرسمية في المدينة بقرار من مجلس قضاء خانقين وإدارتها في إشارة الى وجود التآخي والتعايش السلمي في المدينة والذي انعكس في الواقع على سكانها. (نقاش)