شهقات الحياة

بقلم: السعد المنهالي
حزن غامض

لا أقيس تقدم عمري بعدد الشعيرات البيض التي تغزو رأسي بهدوء النبلاء، إنما بمدى استجابتي للأشياء من حولي؛ فلو مر يوم دون أن يدهشني شيء، أتأكد أني كبرت فيه، ولذا فالبحث عن أي شيء مدهش وجديد من أولويات حياتي؛ صورة جديدة، طبع غريب، تصرف مثير، سعادة مخبأة، حزن غامض، أتجاوب بكل ما أملك من طاقة تجاه هذه الأشياء؛ قد تبخل علي الحياة أحيانا بهذه المتع، فألجأ إلى القراءة، فهي قادرة على هذا الإشباع السماوي في اختلاف الأشياء، أسعى خلالها لشهقة المفاجأة في كل تلك التفاصيل.
هذه الشهقة هي دلالة عذرية علاقتي بالحياة، تلك الحياة التي لا تزال تفاجئني وتحمل لي الكثير؛ ولكنه يحتاج عناء البحث عنه في وجوه الناس وانفعالاتهم، في فرحهم وسخطهم، في وجمهم وانطلاقهم، من هذه الأشياء الصغيرة، تأتي البدايات للأحاسيس والحكايات الكبيرة، لتستقر في زحمة نفوسنا، فتلهب عروقنا وتدفعها للضخ، لتأتي الشهقة التي لها لذة تشبه نظرة أم لوليدها ساعة خروجه للحياة؛ أريد أن أعيش هذه النظرة كل يوم، كطفلة لا أمل في نضجها، مهما غزا الشعر الأبيض رأسها.

***
أخبرتني كثيرا عن تلك الثياب المطرزة التي جعلتِهم يصنعونها لطفلك الأول، وكيف أنها كانت جميلة، وكثيرة، وأنك انتظرت قدومي طويلا، لأذيب ليالي الغربة الكئيبة عنكِ، أخبرتني كيف كان حزنكِ لأني رفضت الرضاعة، أخبرتني عن ثرثراتي التي أحرجتكِ كثيرا أمام الناس، قصصتي لي عن غباءاتي العديدة عكس إخوتي، أخبرتني عن دموعكِ يوم تخرجي من الجامعة، وعن تعبك وأنت تصنعين لي طعام حفل التخرج بيديك، أخبرتني عن خوفكِ الدائم على مستقبلي؛ والآن دعيني أخبرك أن وجودي ونجاحي كلهُ.. سببه أخبارك تلك.

***

بعيدة عنك، أبدو كلاجئة تهيم على وجهها، أبحث عـبثا عــــن أرض أُؤطر فيها لحظات سعادتي، أو عن ملاذ أداري فيه جراحي، أبحث طويلا عن مأوى، فتلفظني كل المخيمات؛ كل الأراضي غربة، لا شعب فيها ولا تاريخ، وكل الحدود زائفة، طالما ليست حدودك، لا هوية لي إلا بجوارك، ففي أرضك انتمائي لأنك وطني. (الاتحاد ـ أبوظبي)