شهر رمضان.. لَمْ يُنْزَل فيه الغلاء وإنَّما القرآن!

في الحرب على الغلاء، و"الغلاء الرمضاني" على وجه الخصوص، وحتى الآن، يمكن القول إنَّ الحكومة قد مُنِت بـ "هزيمة"، يمكن فهمها وتفسيرها على أنَّها "هزيمة إرادية" في المقام الأوَّل، وكأنَّها قد دخلت هذه الحرب بعدما انتهت بها "المفاضلة" إلى تفضيل "الهزيمة" على "الانتصار"، فـ "جوع المواطِن (الصائم)"، وعلى سوئه، "يُصَفِّي" ذهنه، ويَنْزَع غشاوة الوهم من على عينيه، ويُشَدِّد لديه المَيْل، على إيمانه الديني في رمضان، إلى الكُفْر السياسي.
لقد رأينا الحكومة الاردنية في الأسواق وكأنَّها فارس لا يُشَقُّ له غبار، ورأيْنا، مع ذلك، الأسعار .. أسعار المواد الغذائية الأساسية، أي المواد الغذائية التي إنْ تعذَّر على الصائم الحصول عليها يغدو الصوم مُضِرَّاً بالصِّحة، فَرَساً مُسْرِعا في عَدْوِه في مضمار السباق، فلا يَقْدِر المواطِن أن يَلْحقَ به. رأيْناها تَدْخُل الحرب بسيوف من خشب، مُمَّثِلةً دوراً في فِلْمٍ هندي، وكأنَّها أرادت أن تقول للمواطِن، الذي ذُلَّ في رمضان، إنَّها بَذَلت وِسْعها؛ ولكنَّ الله لا يُكلِّف نفسا إلا وِسْعها، فالتجار، الذين لم يعرفوا بَعْد تلك التجارة التي تنجيهم من عذاب أليم، لا يَقْدِر عليهم غير الله؛ وربَّما عَزَّت مواطنيها بمصابهم قائلة: "الأسعار كما الأعمار في يد الله"، فـ "قدرية" كهذه قد تكفي الحكومة شرَّ امتعاض الصائمين في رمضان، وفي غيره من الأشهر، فالإمساك عن الطعام ما عاد بطقس رمضاني فحسب!
الحَقُّ ليس كله على الطليان، فبعضٌ من أسباب وعوامل الغلاء المستشري عندنا، مع ما يٌوَلِّده من غليان لدى العامَّة من المواطنين، يمكن أن يكون "مُسْتَوْرَدا"، فالغلاء عام عالمي، ونحن جزء من هذا الكل، نتأثَّر بما يتأثَّر به؛ وإذا كان كل شيء قد "تَعَوْلَم"، أو قَيْد "العَوْلَمة"، فلن يَشُذَّ الغلاء عن "العَوْلَمة"، أي عن هذه الوحشية العالمية في الحرب على قوت الإنسان.
الحَقُّ ليس كله على الطليان؛ لأنَّ الحكومة والتاجر المُتَّجِر بقوت الصائمين، والذي بمنعه اللحم عن موائدهم كأنَّه يأكل لحومهم، يَتَّهِم كلاهما الآخر، في سياق "الحرب الباردة" بينهما، بأنَّه هو المُتَسَبِّب في إشعال نار الغلاء، وفي جَعْل الصائمين وقودا لـ "جَهَنَّم الرمضانية"، فـ "سِعْر الغلاء"، أي السِعْر الذي يُضاف إلى السِعْر العادي والطبيعي للبضاعة، بعضه للحكومة (ضرائب) وبعضه للتاجر (رِبْحٌ فوق الربح العادي والطبيعي) وكأنَّهما يقتسمان، بالتوافق تارةً وبالصراع طورا، "سِعْر الغلاء"، ويتضافران، بالتالي، على إضعاف، وإضعاف، القدرة الشرائية لـ "دينار الصائم".
إنَّها الصاعقة تنقضُّ علينا، فهل نصلِّي، في هذا الشهر الفضيل، مع الحكومة من أجل النجاة منها أم نتَّخِذ "العِلْم" وسيلة للنجاة، فَنُرَكِّب ما يشبه "مانعة الصواعِق"؟!
لقد حان لنا أنْ نَكْفُر، ولو قليلا، بـ "إله السوق الحرَّة"، فليس كل ما في السوق (من بضائع) يجب أن يكون "ريشةً" في مهب ريح "ناموس العرض والطلب"، فثمَّة "ضرورات" من النمط الذي يبيح "المحظورات". ولا شكَّ في أنَّ "الخُبْز"، وما يشبهه من المواد الغذائية التي من غير الحصول عليها واستهلاكها لا يحيا الإنسان، يجب أن يلقى من "الحماية الحكومية الحقيقية" ما يجعله، ويبقي عليه، في متناول أيدي المواطنين "العاديين"، أي الغالبية العظمى من مواطنينا.
إنَّ "الدولة"، ومن غير أن ترتد عن ديانة "السوق الحرَّة"، مدعوة إلى أن تصبح "تاجِراً مضاداً"، يتَّجِر، مع "منافسيه" من التُجَّار "الأحرار" الذين خلقهم "الاقتصاد الحر" على مثاله، بكل بضاعة يُلبِّي المواطِن، باستهلاكه لها، حاجة من حاجاته الأساسية، فالبندورة، مثلا، يمكن ويجب أن تبيعها "الدولة ـ التاجِر" كما يبيعها "التاجِر الحُر"، على أن تَتَّجِر بها بما يُرْغِم ويُكْرِه "التاجِر الحُر" على بيعها بـ "سِعْر عادي طبيعي"، وبما يَنْزَع، بالتالي، "الوحشية" من "السوق الحرَّة"، التي كلَّما تحرَّرت أكثر اسْتُعْبِد البشر أكثر.
وغني عن البيان أنَّ المتَّجِرين بالمواد الغذائية الأساسية هُمْ الأكثر خطرا من بين التُجَّار على المواطنين، فَهْم، وبمعونة "الاقتصاد الحر" على هيئته الآن حيث "العَوْلَمة" ترفع في استمرار منسوب الوحشية في الرأسمالية، يستطيعون، إذا لم تَقُم "الدولة"، التي هي دولتهم ودولة رفاقهم في المقام الأوَّل، بردعهم، ولو قليلا، أن يُرْغِموا المواطِن على أن يَسْتَنْفِد معظم القدرة الشرائية لديناره في شرائه لـ " الخُبْز" وما يعدله أهمية وضرورة من المواد الغذائية الأُخرى.
أُنْظروا الآن إلى "دينار المواطِن العادي"، فهل بقي فيه من القدرة الشرائية ما يسمح له بالحصول على غير الطعام الذي يُمْسِكُ رَمَق الجائع؟! أين هي "حُصَّة الحضارة" من هذا الدينار؟! أين هو "المسرح"، و"الكتاب"، و"الفن"، و"الاصطياف"، و"السياحة"، ..إلخ؛ بل أين "وقت الفراغ" لدى المواطِن، والذي كلَّما تضاءل اتَّسَعت الهوَّة بينه وبين الحضارة؟!
أين هو هذا الذي وصفوه بأنَّه "أغلى ما نَمْلُك"؟! وكيف له أن يكون، أو أن يظلَّ، كذلك ما دام "سِعْره" يَرْخُص مع كل صعود في سُلَّم الغلاء"؟!
وكيف لهذا الإنسان ـ المواطِن أنْ يَظْهَر، في وعيه وشعوره وسلوكه، على أنَّه مُحتاجٌ إلى ما يَنْعَم به الإنسان ـ المواطِن في "العالَم العلوي" من حقوق وحرِّيات إنسانية وديمقراطية ومدنية ما دامت حاجاته الأوَّلية والأساسية (المأكل والملبس والمسكن) غير مُشْبَعَة؟!
هل نسوا، أم تناسوا، أنَّ "الحضارة" لا تقوم لها قائمة حيث البشر يَعْجَزون، ويزدادون عجزا، عن تلبية حاجاتهم الأوَّلية والأساسية، فُيْوْصِلون الليل بالنهار، وينفقون كل جهدهم ووقتهم، توصُّلاً إلى "الرغيف"، وما يشبهه؟!
لقد قضوا قضاءً مُبْرما على "الطبقة الوسطى"، وأقاموا هُوَّةً عرضها السماوات والأرض بين فئة ضئيلة من المواطنين "غير العاديين" وبين المواطنين "العاديين"، أي الغالبية العظمى من المواطنين؛ ثمَّ نادوا "الأكثرية (الشعبية) الصامتة" أن تَخْرُج عن صمتها (الذهبي) ولكن "لا حياة لِمَن تنادي"، فهل لها، بعد صَمْت دهر أن تَنْطُق، إنْ نَطَقَت، غير الكُفْر؟!
ولِمَ تَنْطِق وقد كاد الإحباط واليأس والقنوط أن يَجْعَلها، إنْ لم يكن قد جَعَلَها، تُؤمِن بأنَّ الموت خيرٌ من الحياة، والعدم خيرٌ من الوجود، وبأنَّ "الأسود" هو سيِّد ومَلِك الألوان؟!
شهر رمضان الذي أُنْزِل فيه القرآن رأيْناهُ، ورأيْنا كل ما يُمَثِّله من قيم دينية وإنسانية وأخلاقية، في الأسواق التي يقصدها الفقراء من الصائمين، أي أصْدقهم صوما وتدينا، فَلَم نرى فيه إلا شهرا ليس للصيام وإنَّما لتجويع الصائمين، والسطو على قروشهم!
ورأيْنا من إيمان التُجَّار المجاهدين في سبيل مزيد من الغلاء ما يندى له الجبين وتَقْشَعِرُّ الأبدان، فَهْم يصومون، ويُصَلُّون، ويتعبَّدون، وكأن لا جريمة قد ارتكبوها، إذ اجترحوا الغلاء، في حقِّ الصائمين من الفقراء.. وكأنَّ "الغفور الحليم الرحيم" سيعفو عنهم، ناسين أو متناسين قوله "سَواءٌ عَلَيْهِمُ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ".
جواد البشيتي