شنطة حليمة

قصة: محمد عطية محمود
لست خادمة

خلف الباب المغلق، من الداخل، قبعت الشنطة، تنتظر اليدين النافرة عروقهما، كي تتلقفاها، تضماها إلى الصدر الضامر. تصطدم بعظمة الذقن، فلا تعبأ بنغز سوستها الناتئة فيها، وهي تمضي.
غالباً ما تكون الشنطة مكتظة بقطع ملابس جمعت على عجل. ربما كانت أجزاءً من ملابس داخلية غير مكتملة، مع تكرار لإحدى القطع دون الأخرى، مع ثوب أو ثوبين، وحافظة نقود قديمة فارغة إلا من منديل صغير مشغول الحواف، وربما خلت الشنطة من ثوب للمبيت.
وقفت واضعة يديها في وسطها، تقسم بأنها سوف تغادر البيت الذي ..، والذي .. ، ..
يسمع صوت لبكائها، ولا يرى إلا أثر اندفاع الدماء في خريطة وجهها الجاف، يحمّر لون أنفها المدبب تعترض خيوطه بياض عينيها. تنفّر العروق أعلى جبهتها المنحدرة إلى الخلف، بعد (الإيشارب) الذي لا يزال معلقاً بربطة شعرها من الخلف، متدلياً يلامس كتفها، لتظهر جليةً الخصلات البيض، ممتدة في عمق رأسها.
لم يتحرك في فضاء البيت ساكن.
استندت إلى الحائط، تلتقط أنفاسها، تنحدر نظراتها شاردة نحو الشنطة.
ـ حليمة .. لست بخادمة!
ـ ....
ـ حليمة ...
منذ احتواك البيت الكبير، وسط أخوة وأخوات لا تشبهينهم في أي شئ، وأنت تعالجين اختلافك عنهم، بجعل ظهرك مطية لأقدامهم، وأقدام أبنائهم. نعم هم وأبناؤهم، فالكل يترك البيت، إلى حيث بيته الجديد وعياله، وعندما يعودون يجدونك قابعةً مرفأً لسخطهم.
يضحكون، فتضحكين، حتى يسيل الدمع من عينيك، ضحك الخالي من الوجع في أنظارهم، حتى إذا فرغوا من ضحكهم وجدوك مازلت تجففين دموع الضحكات، ليستنكروا فعلتك التي صارت لديهم مصيبة.
وعندما تبكين صامتة، تشمئز وجوههم، وتنالك ألسنتهم بالسوء.
أدارت وجهها. مصمصت شفتيها، وهى ترفع عينيها نحو السقف.
ـ حليمة .. إلى أين أنت ذاهبة؟
ـ ....
ـ حليمة ...
منذ فرغ عليك، وعلى أخيك الأصغر، البيت الكبير وأنت تداوين مروق الأيام بالنسيان، وتغييب الدماغ، ومصمصة الشفاه، حتى أتت (الغريبة) لتحكم البيت الذي صار بيت أخيك.
(الغريبة) التي لامست أوتار مشاعرك، وغربلتها، مرة تشد لجامك، ومرة ترخيه، لتشعري معها بالتجدد والتنوع.
هي تمنحك حالة من الانطلاق، ثم تعيدك بقسوة, لكنها قسوة حانية!
هكذا ترينها، فلا تستطيعين الفكاك منها.
هي جلادك الرحيم.
هي تمنحك سعادة الضحك والألم، ولكنها تحرمك لذة بكائهما.
همدت على حافة كرسى بالصالة، في مواجهة الباب. شدت (الإيشارب) من رابطة شعرها، ونظراتها مستقرة على الشنطة.
ـ حليمة .. لماذا لا تردين؟
ـ ....
ـ حليمة ...
منذ غادرت البيت الكبير، خلف (الغريبة) التي أبت المكوث في بيت قديم تتشبع جدرانه بعبق لا يروق لها، وأنت ليس لقلبك معها خيار، تماماً كأخيك الذي ابتلعته في حضنها.
أنت تحبينها، ولا تحبين سواها، وتعلمين أنها لا تحب إلا أن ترى العالم من مكان مرتفع عن مستوى الأرض، التي تحكم وجودك بجدران لا ينفك حصارها.
معها، العالم مفتوح أمام ناظريك، لكنه مغلق بداخلك .. أليس كذلك؟
زمّت (الإيشارب) على رأسها، وعادت عيناها تلتصقان بالشنطة.
ـ حليمة ...
هل كنت تدرين أن البيت الجديد سار بيت (الغريبة)، أم أن حبك لجلادك أعماك عن حقيقة أن البيت القديم الذي كان يأويك، هو أيضاً، قد صار سراباً لا يمكن الإمساك به.
ماذا وقد أقصتك (الغريبة) عن (بيتها) لمرات ومرات، تعودين بعد كل مرة منها إليها فاتحةً ذراعي الحنين بلا دموع.
ـ حليمة ...
على أرض هذا البيت، أيضاً، ليس لك مكان، وليس للبيت مكان في قلبك، رغم نزوحك إليه بين فترات الوصال، ورغم أنه الأقرب إليك بعد البيت الكبير الذي راح؛ فأنت غالباً ما تفتعلين ثورتك عليه، وبعثرة أشيائك من مكانك فيه, ولملمة بعضها في فضاء شنطتك الساكن؛ لأنك توقنين تمامآ أن قلبك (هناك) عند التي كلما فارقتها، وجئت إليه هربا منها، وجدت نفسك في اشتياق إليها.
نعم .. واشتياق شديد .. لكنها الآن لا ...
انتزعت عينيها عن الشنطة؛ لتنهض .. تفتح الباب، و ... محمد عطية محمود ـ الاسكندرية