شناتا.. مئة عام من الذكريات في مقهى سوري

اللاذقية (سوريا) - من رنا رفعت
رحلة في حياة الناس

تزخر ذاكرة أهالي اللاذقية بالعديد من الأمكنة التي احتلت على مدى سنوات طويلة حيزا واسعا من وجدانهم ومن نبضهم الحياتي كجزء لا يتجزأ من إرث اجتماعي وثقافي وفكري عزز حضورهم الراسخ في هذه البقعة الساحلية وربما يكون مقهى شناتا الموجود حتى اليوم على الكورنيش الشمالي للمدينة أحد أعتق هذه الأمكنة الجميلة بعد رحلة يمتد عمرها حاليا لما يقارب المئة عام.

ليس من قاطن في اللاذقية ومحيطها لا يعرف "شناتا" وليس هناك من معمر لا يختزن في مخيلته جلسات طويلة ومسامرات أطول قضاها على هذه الشرفة البحرية الآسرة والتي بنيت حسب العديد من المصادر في العشرينيات من القرن الماضي وتتسع مساحتها لما يزيد على 1500 متر مربع تغايرت تقسيماتها بين الأمس واليوم لتستقر في السنوات العشرين الأخيرة على ثلاث صالات رئيسية إحداها مخصصة للنساء والعائلات واثنتان للرجال.

وفي إحدى زوايا المقهى جلس حنا جبور "أبو باصيل" يحتسي كأسا من الشاي بينما يقلب أمامه أوراق الشدة ليرفع رأسه بعد قليل ويبدأ بسرد ذكرياته عن شناتا والذي واظب على ارتياده يوميا كما ذكر لأكثر من ستة عقود متواصلة عندما كان المقهى آنذاك يحتضن في الوقت نفسه أقدم صالة سينما ومنصة مسرح في المدينة حيث يؤمه الرجال فقط ويمنع الأطفال واليافعون وفقا لقواعد اللياقة الاجتماعية من الدخول إليه.

وأوضح أبو باصيل أن المقهى في ذلك الوقت كان متصلا بالبحر مباشرة عبر شاطئ صخري خال تماما إلا من بعض المقاهي الشعبية الصغيرة التي يرتادها الصيادون خلال أوقات النهار للراحة.
أما شناتا فقد كان حينها مقصدا للزائرين من كل الشرائح الاجتماعية والذين اعتادوا على ارتياده يوميا في مختلف ساعات النهار كمحطة تستوقف كل مار في مجيئه وذهابه نحو أي وجهة، لافتا إلى أن الفترة المسائية كانت على الدوام هي الأكثر ازدحاما وخاصة في شهر رمضان وأيام الأعياد حيث يغدو السهر في شناتا تقليدا اجتماعيا راسخا.

لقد كان الجلوس في شناتا آنذاك -كما أكد أبو باصيل- واحدا من الطقوس اليومية التي أثرت حياة الناس وعمقت من التواصل الحميم بينهم عبر لقاءات يومية تتناول في موضوعاتها مختلف الشواغل والهموم الحياتية إضافة إلى حيز من الترفيه والتسلية يقضونه في اللعب بالمنقلة وأوراق الشدة ثم طاولة الزهر في مرحلة لاحقة مضيفا أن الاستمتاع بمنظر البحر والصيادين والمراكب الصغيرة لم يكن أقل متعة وخاصة مع احتساء الشاي والزهورات المنوعة والتي لم يكن سعر الكأس منها ليتجاوز آنذاك عشرة قروش.

أما المرحلة الأهم في تاريخ المقهى كما أشار الباحث سري حداد فقد انطلقت عندما بدأ شناتا باستقطاب نجوم الفن ورواده من لبنان ومصر ليصبح خلال وقت قصير مركز حراك ثقافي وملتقى لأهل الفكر والفن والثقافة في اللاذقية لا سيما بعدما أحيت أم كلثوم برفقة محمد القصبجي ثلاث حفلات فيه اثنتان في 17 و18 أيلول/سبتمبر من العام 1931 وثالثة في 22 حزيران/يونيو 1933 امتدت كل منها حتى طلوع الفجر.

وأردف أن أمسيات أم كلثوم لقيت إقبالا واسعا من أهل اللاذقية رغم أن رسم الدخول إليها كان ليرة ذهبية وهو ما يعد مبلغا باهظا حينذاك حتى ان من عشاقها ما عمد إلى بيع أثاث بيته لحضور واحدة من هذه الحفلات التي خلفت أثرا كبيرا في نفوس أهل المدينة وبقيت محورا لأحاديثهم لسنوات طويلة استذكروا خلالها كل ما غنته آنذاك ومنه يا "آسي الحي" و"كم بعثنا مع النسيم سلاما" و"اقصر فؤادي وسواها".

كذلك حفز الحضور الفاتن لكوكب الشرق إلى شناتا كما ذكر حداد مخيلة الشعراء والكتاب من أهل المدينة فخلد جمع من هؤلاء تلك الذكريات الفريدة بالعديد من القصائد التي نظمت في سيدة الطرب العربي وفنها الجميل وكان منها ما قيل في ذلك الحين على نحو ارتجالي أثناء هذه الحفلات لتشكل هذه القصائد مجتمعة اليوم جانبا مهما من تراث اللاذقية الأدبي.

وأضاف أن المقهى استضاف في الأعوام التالية كذلك كلا من الفنان عبد الوهاب الذي أقام فيه عدة حفلات غنائية ومثله سعاد محمد وليلى حلمي وسواهما مشيرا إلى أن مسرح شناتا لم يكن أقل شأنا عندما جمع بين جنباته قبل ذلك وتحديدا منذ العام 1928 وما تلاه كلا من فرق فاطمة رشدي وأمين عطا الله ونجيب الريحاني حيث قدم الأخير مسرحية كشكش التي ذاع صيتها في تلك الآونة.

ولم تقتصر محطات شناتا الفنية كما أشارت العديد من المصادر التاريخية على هؤلاء النجوم فكان للمقهى شرف استضافة رائد المسرح العربي يوسف وهبي الذي قدم مع فرقته مسرحيتي "الكابورال سيمون" و"أولاد الذوات". وكان المسرحي زكي عكاشة قد قدم في وقت سابق من العام نفسه وعلى المنصة ذاتها أوبرا كليوباترا بمشاركة نجميها الرئيسيين المطرب صالح عبد الحي والفنانة علية فوزي.

بدوره أشار فايز بيلونة (84 عاما) إلى ما طرأ على المقهى ورواده من تغيرات خلال ستين عاما حيث بات اليوم أكثر بعدا عن الشاطئ بعد رصف جزء من البحر الذي صار مرسى للبواخر الكبيرة بدلا من المراكب الصغيرة التي كانت تتناثر فيه ويحلو للجالسين مراقبتها كما تعالت على جانبيه الأبنية التي بدأت بالازدياد منذ أربعينيات القرن العشرين وامتدت أمامه طريق إسمنتية تعج بالسيارات والمارة.

وصار زبائن المقهى اليوم كما نوه أقل عددا بسبب انتشار المقاهي المماثلة ووسائل الترفيه المعاصرة في حين كان من الصعوبة بمكان فيما سبق إيجاد طاولة فارغة فيه كما تنوع الرواد حديثا بين رجال ونساء وشبان من أعمار مختلفة ولو أن الغالبية العظمى منهم بقيت من المسنين الذين اعتادوا على ارتياده لعقود طويلة فترى واحدهم يتأبط ذكرياته كل يوم إلى إحدى طاولات المقهى التي استبدلت كراسيها ومتونها الخشبية بأخرى بلاستيكية فيجلس خلف الواجهة الزجاجية الحديثة مسترجعا في مخيلته صيحات الصيادين أسفل الجرف الصخري. (سانا)