شمس تركية بين استانبول والإسكندرية

بقلم: أحمد فضل شبلول
مدخل قصر دولمه بهجة باستانبول

تمتاز استانبول بطبيعة خلابة، وجبال خضراء، ومرتفعات أو مدرجات طبيعية، أقيمت عليها البيوت والمنازل، فشوارعها عبارة عن مطالع ومنازل، وقليلة هي الشوارع المستوية.
كنت أسمع دائما أن استانبول تشبه الإسكندرية، أو إن الإسكندرية تشبه استانبول، ولكن في حقيقة الأمر فإن المدينتين مختلفتان عن بعضهما كثيرا، فشوارع الإسكندرية في معظمها مستوية، عدا بعض الأماكن القليلة، مثل كوم الدكة ـ المتاخمة لاستاد الإسكندرية حاليا ـ المبنية على ربوة عالية بعض الشيء. أما استانبول ـ فكما سبق القول ـ الأغلبية العظمى من شوارعها على مرتفعات ومنخفضات، ومنظرها من البحر عبارة عن مدرجات خضراء وحمراء، فاللون الأخضر هو لون أوراق الأشجار والغابات والحدائق والنباتات المختلفة، وهو الغالب على تلك المدينة، أما الأحمر فهو لون القرميد الذي يغطي أسطح معظم مساكنها، على هيئة مثلثات متساوية الأضلاع، أو مختلفة الإضلاع، حتى لا تتجمع مياه الأمطار الغزيرة، أو الجليد، فوق الأسطح.
في الإسكندرية يوجد شواطئ للاستحمام منتشرة على طول الكورنيش أو الساحل المطل على حوض البحر المتوسط، ابتداء من أبي قير وحتى العجمي والساحل الشمالي، وإن كانت التوسعة الأخيرة للكورنيش قد أكلتْ كثيرا من تلك الشواطئ. أما استانبول فإن شواطئ الاستحمام فيها قليلة جدا، وفي أماكن يصعب على الشخص العادي الوصول إليها.

الكاتب السكندري أحمد شبلول أمام مدخل قصر دولمه بهجة باستانبول
(الأثر القديم الأخير للإمبراطورية العثمانية)
وقد حملت معي لباس بحر (مايوه) ظنا مني أنني سأجد بسهولة شواطئ أسبح فيها مثلما هو الحال في الإسكندرية، ولكن لم تمس قدمي مياه البوسفور والدردنيل أو بحر مرمرة أو القرن الذهبي، أو البحر الأسود، أو البحر المتوسط، أو أي بحر آخر في آسيا وأوربا تقع عليه استانبول. وعندما سألت عن سبب عدم انتشار شواطئ الاستحمام، قيل لي إنها موجودة في أماكن معينة، وليست على طول الشواطئ كما هو الحال في الإسكندرية.
تقع الإسكندرية في أقصى الشمال من القارة الإفريقية، وفي مواجهة القارة الأوربية، أما استانبول فيقع جزء منها في آسيا، والجزء الأكبر في أوربا، وهي بذلك تجمع بين الشرق والغرب في آن واحد، أما المناخ فهو متقارب، ولا يوجد فرق كبير في درجات الحرارة بين المدينتين، ففي شهر أغسطس على سبيل المثال، فإن النهار جوه صيفي حار قليلا، وتتراوح درجات حرارته بين 28 ـ 32 درجة مئوية، وفي الليل تنخفض درجة الحرارة، وتهب نسمات باردة جميلة على شواطئ المدينتين، تخفِّف من حدة شمس النهار. غير أن نسبة الرطوبة أعلى في الإسكندرية عنها في استانبول، وقد أحسست بذلك عمليا، ففي الإسكندرية ينضح جبين المرء بالعرق إذا سار قليلا في وهج الشمس، أما في استانبول فلم أجد هذا العرق، على الرغم من أنني سرت كثيرا تحت الشمس التركية.
غير أن أهم ما يفرق الإسكندرية عن استانبول، وخاصة في المجال السياحي، أن معظم البائعين في المحلات والعاملين في الفنادق ومكاتب السياحة والخدمات .. الخ، بل من أفراد الشعب العادي، يستطيعون أن يتفاهموا مع السائحين والأجانب والزوار، فقد كانت الإسكندرية مدينة كوزموبالتينية، منفتحة على الشرق والغرب، ويعيش فيها الكثير من الجاليات الأجنبية المتنوعة، وقد ورث معظم أبنائها الكثير من صفات تلك المدينة. أما أهل استانبول فهم لا يعرفون فن التعامل مع السائحين والأجانب والزوَّار، ولم يعرف معظمهم بعض اللغات التي تؤهلهم لهذا التعامل.
كنت أظن أنني في استانبول سأستطيع أن أحتسي فنجان القهوة التركية (تُركِش كوفي) على أصوله، وأيضا سأدخن الشيشة أو النارجلية على مقاهيها (مع الاعتذار لجمعيات حماية البيئة، أو المحافظة على البيئة، ومع الاعتذار لعبارة التدخين ضار بالصحة)، ولكن اكتشفت أن القهوة التركية المصنوعة في مقاهي الإسكندرية أفضل بكثير من القهوة التركية في تركيا أو استانبول. أيضا اكتشفت أن معظم مقاهي استانبول لا تقدم النارجلية، وأن هناك مقاهي معينة هي التي تقدم تلك الخدمة لمن يطلبها من زبائنها، وأن سعرها مرتفع جدا مقارنة بسعر كوب الشاي، أو فنجان القهوة، فسعر كوب الشاي أو فنجان القهوة ـ في فترة الزيارة ـ يتراوح بين نصف مليون ليرة، ومليوني ليرة تركية، تبعا لفخامة المقهى أو الكافتيريا أو المكان الذي يجلس فيه المرء، أما سعر النارجلية فيتراوح بين أربعة ملايين وثمانية ملايين ليرة للحجر الواحد من المعسل أو أوراق التفاح أو أوراق الخوخ، بينما في الإسكندرية، فسعر حجر الشيشة غالبا ما يكون نصف سعر كوب الشاي أو فنجان القهوة، أو أقل.
أيضا من أوجه الاختلاف بين المدينتين، مآذن الجوامع أو المساجد، فمآذن جوامع استانبول، مثل: يني جامع، أو جامع السلطان أحمد، أو جامع لاله لي، وغيرها، أرفع بكثير من مآذن جوامع الإسكندرية مثل: المرسي أبو العباس، أو البوصيري، أو القائد إبراهيم، وغيرها.
الشيء الوحيد الذي ربما تتفوق به استانبول على الإسكندرية، هو المطاعم التركية، فالمطبخ التركي بآكلاته المتعددة والشهية، وحلوياته الرائعة، وأيضا أسعاره، أفضل بكثير من المطبخ السكندري، فالأتراك أساتذة في فن المطبخ، غير أنني لم أشعر بفارق كبير بين الجبنة الاستانبولي المصنوعة في الإسكندرية، والجبنة الاستانبولي المصنوعة في استانبول، فكلها جبنة بيضاء. أيضا لم أشعر بفارق كبير بين الجبنة التركي المصنوعة في تركيا، والجبنة التركي المصنوعة في مصر. أحمد فضل شبلول ـ استانبول