شكري عيَّاد وإبداعه القصصي

بقلم : أحمد فضل شبلول

إحدى وعشرون قصة قصيرة جمعها كتاب "قصص قصيرة ـ مختارات من أعمال د. شكري عياد" الصادر عن مكتبة الأسرة، بمقدمة لكل من د. جابر عصفور ورجاء النقاش، تحدثا فيها عن علاقتهما بالراحل الكبير، فقال عصفور: "إن كل ما قاله شكري عياد نظريا في كتابه عن القصة القصيرة حققه عمليا فيما كتبه منها".
وقال النقاش عنه: "آثر شكري عياد منذ بداية حياته العامة الابتعاد عن المعارك العنيفة فلم يتعرض لأي صدام مع السلطة أو الرأي العام .. فهو أكثر الناس ميلا إلى العزلة والاعتكاف .."
ولعل رأي النقاش هذا يجيب عن التساؤل الذي ظل مطروحا على الساحة الأدبية والثقافية في المملكة العربية السعودية لسنوات طوال، وهو لماذا لم يكتب الرجل عن الأدب السعودي وأعلامه ـ مثلما فعل غيره ـ خلال الفترة التي عمل بها في إحدى الجامعات هناك؟
لقد طرح هذا التساؤل أكثر من كاتب وأديب سعودي على صفحات الجرائد والمجلات هناك. وكنت بدوري أتساءل عن السبب، إلى أن وجدت الإجابة عند رجاء النقاش.
نعود إلى قصص شكري عياد في هذا الكتاب لنجد أن أهم ما يميزها هو إدارة الحوار بالعامية المصرية، ويبدو أن الرجل كان من أنصار المذهب الذي يرى أن كتابة الحوار بالعامية هو الأقرب إلى واقع الشخصيات القصصية أو الروائية، أما بقية عناصر القصة من سرد أو وصف أو تحليل.. الخ، فقد اعتمد فيها على الفصحى المبسطة التي قد يلجأ فيها إلى شرح بعض المفردات بخفة دم تخفف كثيرا من جهامة اللغة أو المفردة، مثل شرحه لكلمة الأوداج خلال السياق القصصي، فيقول على لسان بطل قصة "هذه الحاسة الملعونة" ـ ص 167 ـ على سبيل المثال: لابد أن أوداجي كانت منتفخة حقيقة كما يقولون (معذرة يا قارئي العزيز ـ لعلك لا تعرف أن الأوداج عروق في أصل العنق ـ على الأقل هكذا كنت أحسبها دائما ولا أزال).
ولجوء شكري عياد إلى العامية في إدارة الحوار ليس عن عجز أو قلة حيلة، ولكنه أداة من أدوات التشكيل اللغوي، وقناعة تامة بأن واقعية الحوار لا تجئ إلا بهذه الطريقة، ويبدو أن هذه القناعة امتدت إلى صياغة إحدى قصصه بالعامية، وهي قصة "الثأر" ص 59 التي تبدأ بالكلمات (شايف الست دي .. بتبص فين؟ .. لأ .. الجالسة إلى المائدة التي تلينا مباشرة .. بين رجلين .. نعم .. البلوزة البيضاء .. امرأة خطيــ .. رة. يا ما وقفت الدولة على رجل. شايف القاعد على يمينها؟ .. الخ).
وعلى الرغم من ذلك فقد تسللت الفصحى إلى بعض سطور هذه القصة التي لم أدر هل أراد كاتبها الاعتماد كلية على العامية، فخانته، فلجأ في بعض الأحيان إلى الفصحى، أم هو تكنيك جديد أراد أن يجربه الكاتب؟
ويبدو أن الكاتب مغرم بالأساطير والخرافات والحكايات الخارجة من رحم ألف ليلة وليلة والتي يعيد إنتاج بعضها مرة أخرى ليخرجها برؤية جديدة، مثال على ذلك القصص: حكاية الصندوق المغلق، وحكاية الربان الأعمى، وحكاية الغلام والكنز المرصود، ولعل نعت هذه القصص بالحكاية يشي بغرام الكاتب بالأساطير والحكايات الخرافية محاولا إلباسها ثوب الرؤية العصرية المتشحة بالحكمة والعظة، فينجح في ذلك، ولا يعني ذلك أن الكاتب لا يهتم بما يدور في عالمه من أحداث ووقائع، ولكن رغبة الكاتب في التنويع والهروب من سيطرة التنميط القصصي أو الرؤية النمطية تجعله يجوب عوالم مختلفة، واقعية وخيالية، أسطورية وشعبية .. فنجده على سبيل المثال يتناول موضوع الإرهاب في قصة تعد من أطول قصص المجموعة (15 صفحة) هي قصة "حالة طوارئ في قرية ك" حيث تصحو القرية الآمنة المطمئنة على صياح ينبعث من مكبر للصوت قوي تتخلله الأناشيد الحماسية، ويتضح أن هناك حالة من حالات العصيان والاعتصام داخل إحدى مدارس القرية، فتهتز سلطات الأمن في البلاد، وتتباين ردود الفعل في القرية (ولم يشعر أهل بلدة بالحقارة والعظمة مجتمعين كما شعر أهل قرية مدينة "ك" في ذلك اليوم). وتبدأ الخطوات الحازمة لتصفية الحركة التي تذكرنا في جانب منها بالخطوات التي اتخذت في فيلم "الإرهاب والكباب" وتعلن حالة الطوارئ القصوى في الجيش إضافة إلى قوى الأمن، وتتوجه سريتان من قوى الأمن الداخلي بالإقليم إلى الموقع بأسلحتها الخفيفة، وترسل القيادة العسكرية الإقليمية دبابتين لتنضما إلى قوى الأمن، وفصيلة من المظليين تتدخل في الوقت المناسب، كل هذا تحت إشراف وزير الداخلية، وتبدأ المعركة وتُحبس الأنفاس، ويشك مدير المدرسة في أحد المدرسين الذين انضموا مؤخرا إلى المدرسة، فهو متكبر لم يره أحد مبتسما، متحفظ منطو لا يختلط بأحد من زملائه أو من أهل القرية، ويقوم برحلات دائمة إلى العاصمة، ويقع الهجوم المرتقب، ويظهر شخص يحمل مدفع كلاشينكوف من الواضح أنه يمسكه لأول مرة في حياته، فيصوب أحد القناصة فوهة مدفعه إلى رأسه فيرديه قتيلا قبل أن يطلق رصاصة واحدة، ومن خلال تعرف مدير المدرسة على الجثة يتضح أنها لذلك المدرس الجديد الذي كان وحيدا في تلك المعركة.
ويبدو من خلال تلك القصة أن هناك رسالة تحذيرية يرسلها الكاتب تقول إن الانطواء والتحفظ والتكبر وعدم الاختلاط مع زملاء العمل أو الأهل من الممكن أن يخلق حالة من حالات التطرف الفكري تؤدي في النهاية إلى إشاعة الفوضى والإرهاب. وقد اعتمد الكاتب في هذه القصة على عناوين جانبية، ولم يلجأ إلى هذا التكنيك في بقية قصص المجموعة، ومن هذه العناوين: لمحة تاريخية عن قرية "ك"، الساعات الأولى، رد الفعل في قرية "ك"، خطوات حازمة لتصفية الحركة، في ساحة المعركة، الهجوم، وكأنه بذلك يقدم تقريرا تفصيليا عن المكان غير المحدد، والواقعة ـ التي من الممكن أن تقع في أي مكان به أنماط من شخصية المدرس ـ ولكن بأسلوب قصصي أو فني راقٍ، ولعل إطلاق الرمز "ك" على اسم القرية يشير إلى ماضوية الأحداث، أو أن الأحداث وقعت في الماضي، فلجأ الكاتب إلى استخدام الحرف الأول من الفعل الماضي الناسخ "كان" وأن هذه الأحداث أصبحت أحداثا تاريخية، ولكن ينبغي ألا نغفلها، وأن نستخلص منها الدروس المستفادة والعبر، حتى لا تقع أو تُنسخ في المستقبل، كما أن حرف الكاف يُعد من حروف التشبيه، ولعل الكاتب قصد إطلاقه على اسم القرية، ليقول لنا إنه من الممكن أن تتشبه إحدى القرى الأخرى بتلك الحادثة، ويقع فيها مثلما وقع في تلك القرية/المدينة، كما أن حرف الكاف قد يعني الخطاب، ومنه الكاف اللاحقة لاسم الإشارة، نحو ذلك وتلك، وهو بذلك يشير بقوة إلى تلك القرية/المدينة التي حدث فيها ذلك الحدث لنتجنب حدوثه في أماكن أخرى أو في قرى/مدن أخرى مطمئنة.
وتعد القصص العاطفية والرومانسية ملمحا آخر في عالم شكري عياد القصصي، وتجسَّدَ هذا الملمح في قصتي: الخطيئة، ومن أنتَ؟ أما القصص الاجتماعية والإنسانية فتشكل الملمح الرئيسي في قصص هذه المختارات ومنها القصص: الكواليني والغائب والثعابين والمكنة وحدث في إحدى القرى. أيضا يتنوع مسرح أحداث القصة القصيرة عند شكري عياد فمرة نجد قصته تدور في عالم القرية أو الريف المصري، ومرة في عالم المدينة، ومرة في شركة، وأخرى في بار أو مطعم أجنبي (الطربوش الأحمر في بوسطن)، ومرة في الترام، وأخرى في التكعيبة أو الغرزة، ومرة على متن إحدى السفن، وأخرى في عالم الخيال، غير أن هناك قصة يحس قارئها أنها مستوحاة من أسطورة هندية هي قصة "الناس والعيون" ص 90. لم يقل لنا الكاتب إنها قصة مترجمة ولكن استخدام الأفيال (سبعون فيلا ملكيا تدب في طرقات القرية الضيقة ..) وأسماء الشخصيات: الصائغ آمرتام الأعمى الذي يطرز العقود وينسج الجواهر، وابنته رازا والشاب بهافا الذي يتسلق شجرة البانيان ويريد أن يعرف سر الصنعة .. الخ، يومئ إلى أن القصة غير مصرية، بل إنها من التراث الثقافي لأحد الشعوب الآسيوية. فهل هي قصة مترجمة، أم مؤلَّفة؟
هكذا يتجول بنا الراحل الكبير الدكتور محمد شكري عياد من خلال إبداعه القصصي في عوالم مختلفة وشخصيات إنسانية بعضها بسيط والآخر مركب، ويطوف بنا في عوالم أسطورية مرة وشعبية مرة، وخيالية مرة ثالثة، ليقول لنا إنه حاضر بيننا بإبداعه القصصي، مثلما هو حاضر معنا بإبداعه النقدي الثري. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية