شكرا.. يا عسكر موريتانيا

بقلم: أحمد ولد إسلم

للمرة الخامسة يفيق العالم صبيحة يوم ما على موريتانيا، وهي في قبضة عسكرية، تتلوى ألما وحسرة، ويتضاحك العسكريون ملء أفواههم، وهم يستمتعون في سادية فجة بانتصارهم على العدم.
فالسادس من أغسطس/آب، تاريخ جديد يضاف إلى مفكرة غصت بأيام سوداء، سطرتها أياد خشنة، في غفلة من الزمن. وكلما جاءت زمرة في يوم منها لعنت أختها، حتى إذا اداركوا جميعا في لجة الظلم، همست أخراهم في أذن الأولى: "لا تهتمي بما سمعت في أبواق الإعلام، فما عملي سوى استكمال لنهج كنت فيه البادئة،.. فهذا الشعب لا يعرف سياسته إلا من كان فظا غليظ القلب، ولو منحناه فرصة يحاول فيها الوقوف وحده لتداعى.. لذا كان لزاما عليناـ ونحن من آتاه الله بسطة في الحكم والجسم ـ أن نرحم ضعف قوته، وقلة حيلته...".
للمرة الخامسة، تشنف مسامع البائسين في موريتانيا بالبيان رقم واحد، الصادر عن القوات المسلحة وقوات الأمن، متدخلة في اللحظة الحرجة، لانتشال البلد من هاوية سحيقة، أو لتصحيح مسار انحرف عن المصلحة العامة،.. أو للانتقام.
وللمرة الخامسة كذلك، يطل علينا جيل جديد من المصفقين، يسبح بحمد الحاكم قبل معرفته، وتنشغل الإذاعة والتلفزة بالحوارات المفتوحة، والطاولات المستديرة، تلعن الماضي القريب، وتكيل لذويه الاتهام، وتلغي جميع البرامج التي كانت مسطرة مساء أمس، بمضمونها المناقض كليا لما جاء بعد البيان رقم واحد.
إلا أن هذه المرة جاءت أكثر صفاقة من سابقاتها، فلا مبرر للتحرك العسكري، سوى الانتصار للنرجسية المتعالية على الواقع.
لا شيء يبرر انتشار البيادق في الشوارع المكتظة بالمتسولين، والمتسكعين، والمعطلين، سوى أن فردا في هذا البلد يرفض أن يكون فوقه أحد.
إن الخطيئة الوحيدة التي لن يغفرها الشعب الموريتاني ـ رغم سماحته المعهودةـ للرئيس الموريتاني المخلوع سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، هي منحه رتبة جنرال، بما تحمله من زخم اللفظ الأجوف، لأولئك الذين كانت غياهب السجن أولى بهم، لما اقترفوه في حق هذا البلد البائس.
بأي وجه يطل علينا هؤلاء عبر الشاشة؟، وبأي لغة يخاطبوننا؟،وأي وعد يريدون منا أن نصدق؟
ونحن الذين جربناهم ثلاثة عقود، مرت طويلة، ما صدقوا فيها قولا، ولا أنجزوا فيها وعدا، ولا حفظوا فيها عهدا، إلا سعيا إلى خلف، وغدر وزور جديد.
أي رئيس ذلك الذي سيقنعنا المتبخترون في بزاتهم، أنه انتخب بإرادتنا،ودم الغدر ما زال يضرج قميص الرجل الذي اختاروه من بين عشرين شخصا، واستخرجوه من ضواحي نيامي، لما توسموا فيه من قدرة على تنفيذ ما يريدون،ثم لم يكمل حوله الثاني حتى ضاقت به صدورهم؟.
فأنى لنا أن نؤمل منهم إخلاصا، أو نأمن منهم مكرا، وهم اليوم في طبعتهم الجديدة، أقل وضوحا في الرؤية، وأكثر عمومية في الخطاب، وجزافية في الوعود..؟
ما يسعنا قوله اليوم لهم، هو شكرا لكم أيها الجنود النبلاء، لأنكم تصرون على تعليمنا حقيقة أمركم، وتجريب أحسن نماذج الحكم فينا، وتسعون جاهدين لشرح خطاباتكم المعجمة لنا.
لكن للأسف.. قلوبنا في أكنة مما تدعوننا إليه، وفي آذاننا وقر، وبيننا وبينكم حجاب، فعيثوا ما شئتم في الأرض السائبة، وأهلكوا الحرث والنسل،فلا يد تطال مقامكم العلي.
ولكم المنة علينا؛ أن أبقيتم لنا أعينا نرى بها أفعالكم البشعة، وآذانا نسمع بها رطاناتكم،وأيد نصفق بها لدى إقبالكم، وأرجلا نمشي بها في مسيرات التأييد والمساندة.
شكرا لكم أيها العسكريون العظماء، لحرصكم على حياتنا، وصبركم على مصالحنا، وتصحيحكم مسار سفينتنا كي نستمتع أطول فترة برؤية قاماتكم الفارعة، وأنتم تتبادلون الأدوار على خشبة المسرح المهترئة منذ ثلاثة عقود.
مرحبا بكم أيها المخلصون.. انشغلوا ما سمح لكم الوقت في تزيين الدمية الجديدة التي سنتمسح بأحذيتها، وسنمنحها أصواتكم، في أي مسرحية هزلية تخرجونها.. لأنه لا صوت لنا.. زينوا الدمية التي سنعلقها على مدخل كل زقاق تتراكم فيه أجسادنا المنهكة من السير خلفكم، مساء كل يوم.
مرحبا أيها الأباة.. مرحبا.. فما زال في عمر دولتكم متسع، وما زلنا قادرين على التصفيق مرة أخرى، حين يعزف النشيد الوطني قبل البيان رقم واحد للمرة السادسة... وهو ما قد لا يطول بنا انتظاره.

أحمد ولد إسلم، صحفي ومدون موريتاني ahmed3112@hotmail.com